
نبذة عن الكتاب:
يشرح عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازة، المعروف بالصدر الشهيد، في هذا الكتاب مسائلَ القضاء التي وضعها أبو بكر الخصاف الحنفي في كتابه «أدب القاضي»، فيبيِّن أحكامها وعللها وأصولها وما يتفرَّع عليها من فروع، مستندًا إلى القرآن والسُّنَّة وآثار الصحابة رضي الله عنهم وأقوال فقهاء الحنفية. وقد صرَّح بأنَّ مقصوده أن يذكر مع كل مسألة من مسائل الخصاف نكتة موجزة تكفي لفهمها، وعدَّ أبواب الكتاب مائةً وعشرين بابًا بعد إدخال بعض الأبواب في بعض.
ويبدأ بتحرير معنى القضاء لغةً وشرعًا، فيجعله في الاصطلاح فصل الخصومات وقطع المنازعات، ثمَّ يبحث أهلية القاضي وشروط من يتولَّى الحكم، وما يلزمه من العلم بالكتاب والسُّنَّة والاجتهاد. ويعلِّل اشتراط العلم بأنَّ الحوادث غير متناهية والنصوص محدودة، فلا بد للقاضي من القدرة على استخراج حكم غير المنصوص من المنصوص، مع معرفة ما يمنع اجتهاده من مخالفة الكتاب أو السُّنَّة.
ثمَّ يناقش حكم الدخول في القضاء وتقلُّده، وما إذا كان الأولى قبوله أو الامتناع عنه، ويوازن بين ما في القضاء من إقامة الحق وكف الظلم وإيصال الحقوق إلى أصحابها، وبين ما يحيط به من خطر الجور والخطأ والتبعة. وينتهي إلى أن الدخول فيه عن اختيار رخصة، وأن الامتناع عنه عزيمة، إلا إذا تعيَّن الشخص للقضاء وخيف بتخلِّفه ضياع الأحكام، فيتحول امتناعه حينئذ إلى سبب للإثم.
ويحرِّر مراتب الأدلة التي يرجع إليها القاضي عند الحكم، فيبدأ بكتاب الله تعالى، ثمَّ بسُنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ بما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم، فإن اختلفوا اجتهد في ترجيح أقرب أقوالهم إلى الصواب، ثمَّ ينظر في أقوال التابعين، وبعدها يقيس الحادثة على نظائرها إن كان من أهل الاجتهاد. أمَّا من لم يبلغ هذه المرتبة فعليه السؤال والاستفتاء، ولا يجوز له أن يحكم بغير علم أو يستحيي من الرجوع إلى أهل الفقه.
ويتوسَّع في الاجتهاد القضائي، وأهلية المجتهد، وتقليد أقوال الصحابة والتابعين، وحكم اختلاف أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، وما يصنعه القاضي إذا تعددت الأقوال داخل المذهب. كما يبيِّن موضع المشاورة في القضاء، وأن القاضي يستشير أهل الفقه ولا يتقيد بكثرة العدد أو كبر السن، بل ينظر في قوة الدليل وما يظهر له أنه أقرب إلى الحق، فإذا كان من أهل الاجتهاد لم يترك رأيه لمجرد مخالفة غيره.
ويعالج آداب مجلس القضاء وما يلزم القاضي في معاملة الخصوم، فيؤكد التسوية بينهم، ومنع ما يورث التهمة أو يكسر قلب أحدهما، ويناقش تنظيم الدخول على القاضي، واختيار من يقوم بين يديه، ومنع مساررته لأحد الخصمين أو تلقينه الحجة. ويبحث كذلك سلام القاضي على الخصوم، وهيبته، وجلوسه للحكم، وما ينبغي أن يتحلَّى به من الحلم والصبر وتحمل ما قد يصدر من المتخاصمين.
ويفصِّل أحكام الرشوة والهدايا المتصلة بالقضاء، ويميِّز بين ما يجوز دفعه دون أخذه، وما يجوز للطرفين، وما يحرم عليهما معًا. ويبحث الهدايا التي تُبذل لدفع الظلم، والهدايا المعتادة للتودد، وما يعطى للتأثير في الحكم أو لقضاء حاجة محرمة، مع التشديد في صيانة منصب القضاء عن التهمة واستغلال النفوذ.
ويتناول إجراءات الخصومة والإثبات على نطاق واسع، فيبحث الدعاوى والبينات والأيمان والنكول والإقرار، وشروط قبول الشهود وتعديلهم وجرحهم، والشهادة على الحقوق والأموال والوكالات والوصايا والأنساب. كما يناقش القضاء على الغائب، ونصب الوكيل عنه، وسماع البينة في غيبته، ومتى يكون الحاضر خصمًا عن الغائب، ومتى لا يصح للقاضي أن يسمع الدعوى أو يحكم بها.
ويشرح أحكام المكاتبة بين القضاة واستخلاف القاضي لغيره، وحدود ما يملكه الخليفة أو القاضي من التفويض، وما يترتب على الإذن في الاستخلاف. ويبحث نفاذ الأحكام إذا ظهر بعد مدة أن القاضي ممن لا تصح ولايته، وما يجوز إمضاؤه من حكم المحكَّم، وما يحتاج إلى تنفيذ القاضي، ولا سيما في المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الفقهاء.
كما يتناول مسائل الوكالة والحقوق المتعلقة بالتركات والديون والوصايا، وما ينشأ عن اشتراك الغرماء في مال الميت، وأثر ذلك في قبول شهادتهم بعضهم لبعض. ويميز بين الحالات التي تتطرق إليها التهمة بسبب اشتراك الشاهد في الحق، وبين ما لا تتحقق فيه هذه الشركة فتقبل فيه الشهادة.
ويأتي في أواخر الكتاب إلى شاهد الزور وما يصنع به، فيعرض الخلاف في تعزيره أو الاكتفاء بتشهيره وتحذير الناس منه، ويذكر مأخذ أبي حنيفة من جهة، وأبي يوسف ومحمد من جهة أخرى. ثمَّ يختم بمسائل تتصل بحضانة الولد عند اختلاف الزوجين، ومن أحق به إذا ادعت المرأة الطلاق أو الوفاة أو أنكر الزوج ذلك، وما يترتب على ثبوت النكاح أو الفرقة من حق الحضانة والنفقة، وتنتهي آخر مسائله بإقرار الزوج بالطلاق وبقاء الولد مع أمه لاستقرار حقها في الحضانة.


