
أبو بشير محمَّد علي بن طه الدُّرَّة: نحوي سوري، من أعلام النحو في حمص، وصاحب «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه». وُلِدَ سنة 1926م في قرية تل الذهب من منطقة الحولة التابعة لمحافظة حمص، و«دُرَّة» اسم جدَّة والده.
أدخله والده كُتَّاب القرية وهو في السادسة من عمره، فحفظ القرآن الكريم في أقل من سنة، ثمَّ تعلَّم الكتابة والتجويد ومبادئ الحساب، وتخرَّج من الكُتَّاب سنة 1937م، ثمَّ عمل في الزراعة مع أسرته إلى أن بلغ الثانية والعشرين.
كان تحوُّله إلى طلب العلم سنة 1947م، حين سمعه الشيخ محمَّد الياسين يتلو القرآن في أحد مساجد حمص، فأرشده إلى المعهد العلمي الشرعي في جامع خالد بن الوليد. فالتحق بالمعهد في العام نفسه، وكان من شيوخه فيه محمَّد جنيد، وطاهر الرئيس، ووصفي مسدي. واعتنى بالنحو عناية خاصَّة؛ فكان يتلقَّى دروسًا إضافيَّة فيه خارج أوقات الدراسة، ولازم وصفي مسدي في جامع القاسمي، حتى برز في الإعراب وتفوَّق فيه على زملائه.
أتمَّ دراسته في المعهد سنة 1950م بعد ثلاث سنوات اجتاز خلالها مقرَّرات خمس سنوات دراسيَّة. ثمَّ انتقل إلى قرية تلعمري شرقي حمص، وعمل فيها إمامًا وخطيبًا. وواصل دراسته الخاصة، فحصل على الشهادة الابتدائية سنة 1952م، ثمَّ الشهادة المتوسطة سنة 1954م، وأقبل بعد ذلك على المطالعة الذاتية، ولا سيَّما في النحو، فقرأ أمهات كتبه وحفظ المتون والمنظومات وراجع الشروح والحواشي، واستمرَّ في ذلك نحو خمسة عشر عامًا قبل أن يبدأ التأليف.
تنقَّل في الإمامة والخطابة والتعليم؛ فبعد تلعمري انتقل إلى قرية السنكري، ثمَّ إلى زمرين في محافظة طرطوس سنة 1960م، وكان يعقد فيها دروسًا ودورات في القرآن والنحو، ثمَّ انتقل إلى دير بعلبة سنة 1963م. وفي سنة 1966م تقدَّم إلى مسابقة لمديرية أوقاف حمص، فكان الأول بين المتقدِّمين، وعُيِّن إمامًا بجامع العنابة في حمص.
عاد في حمص إلى ملازمة شيخه طاهر الرئيس، وحضر درسه اليومي بعد الفجر في شرح القسطلاني على «صحيح البخاري» وشرح «المنهاج» في الفقه الشافعي، ثمَّ واصل ذلك الدرس بعد وفاة شيخه إلى نحو سنة 1980م. وأتاح له مقامه في غرفة تابعة لجامع العنابة التفرُّغ للمطالعة والتحصيل والتأليف.
بدأت فكرة التأليف عنده سنة 1968م حين كان يشرح لطالب جامعي بعض مباحث «مغني اللبيب» وشواهده، فشرع بعد ذلك في إعداد كتابه «فتح القريب المجيب في إعراب شواهد مغني اللبيب». وكان يبدأ ببحث موجز في الأداة، ثمَّ يعزو الشاهد إلى قائله، ويشرح ألفاظه، ويذكر ما يتصل به من قصة أدبية عند الحاجة، ثمَّ يعرب البيت تفصيلًا ويبيِّن موضع الاستشهاد فيه. وقد استعمل هذه الطريقة في كتبه اللاحقة في إعراب الشواهد.
ومن مؤلَّفاته «فتح القريب المجيب في إعراب شواهد مغني اللبيب»، و«فتح ربِّ البرية في إعراب شواهد جامع الدروس العربية»، و«فتح الكبير المتعال في إعراب المعلقات العشر الطوال»، كما شرح «قواعد اللغة العربية» لحفني ناصف وزملائه وعلَّق عليه وأعرب أمثلته وشواهده، وله «إعراب شواهد همع الهوامع»، وبقي مخطوطًا.
ثمَّ اتجه إلى إعراب القرآن الكريم، وكان من دوافع ذلك ما نُقِلَ إليه عن محمَّد محيي الدِّين عبد الحميد من استحسان عمله في شواهد «مغني اللبيب» وتمنِّيه أن يتولَّى كذلك إعراب الآيات الواردة فيه. وفي سنة 1981م بدأ مشروعه في إعراب القرآن الكريم وتفسيره، فتوسَّع في بيان المعنى، وذكر وجوه الإعراب المختلفة، ولا سيَّما عند تعدُّد القراءات. وصدر عمله بعنوان «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه» في ستة عشر مجلدًا.
وعُيِّن في أواخر حياته مدرِّسًا في المرحلة الابتدائية ثمَّ الإعدادية بوزارة التربية، وبعد انتهاء خدمته فيها لبلوغه السن القانوني عمل مدرِّسًا دينيًّا تابعًا للإفتاء، واستمرَّ في الوعظ والإرشاد إلى أن أقعده الكبر عن العمل.
تُوُفِّيَ ظهر الأربعاء 25 ذي القعدة سنة 1428هـ، وصُلِّيَ عليه بعد ظهر الخميس 26 ذي القعدة، الموافق 5 ديسمبر 2007م، في جامع خالد بن الوليد بحمص.
