ابن السكيت
يَعْقُوب بن إسحاق بن السِّكِّيت، أبو يُوسُف، الدَّوْرَقِيّ الأَهْوَازِيّ البَغْدَادِيّ: لُغَوِيٌّ وأديبٌ ونحويٌّ، من أئمَّة العربيَّة ورُواة الشِّعر في العصر العبَّاسِيّ. وُلِد سنة 186هـ، واختُلِف في موضع مولده بين دَوْرَق بالأَهْوَاز وبغداد. ونشأ في بيتٍ عُنِي بالعربيَّة والأدب؛ فكان أبوه إسحاق، المُلَقَّب بالسِّكِّيت لكثرة صَمْته، مُؤَدِّبًا عارفًا بالنَّحو واللُّغة والشِّعر، ومن أصحاب الكِسَائِيّ. وعمل يعقوب مع أبيه في تأديب الصِّبيان ببغداد، ثمَّ أخذ عن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، والفَرَّاء، وابن الأَعْرَابِيّ، والأَصْمَعِيّ، وأبي عُبَيْدَة، والأَثْرَم، وغيرهم، وخالط الأعراب وأخذ عنهم اللُّغة. وبَرَع في رواية الشِّعر وغريب اللُّغة وضبط الألفاظ وتفسيرها، حتَّى قال ثَعْلَب: «أجمعوا أنَّه لم يكن أحدٌ بعد ابن الأَعْرَابِيّ أعلمَ باللُّغة من ابن السِّكِّيت»، وإن كان ثَعْلَب نفسه قد ذكر أنَّه لم يكن له نفاذٌ في النَّحو. واشتغل بجمع دواوين الشُّعراء وروايتها وشرحها، ولا سيَّما شِعر الجاهليِّين والإسلاميِّين، واشتهر بحُسْن التَّصنيف وصحَّة الرِّواية، وله شِعرٌ جيِّد. وتولَّى تأديب أبناء مُحمَّد بن عبد الله بن طاهر، ثمَّ اتَّصل ببلاط الخليفة المُتَوَكِّل، وعُهِد إليه بتأديب ابنَيْه المُعْتَزِّ والمُؤَيَّد، وارتفعت منزلته عند الخليفة حتَّى صار من نُدمائه. وأخذ عنه جماعةٌ من أهل العلم، منهم أبو عِكْرِمَة الضَّبِّيّ، وأبو سعيد السُّكَّرِيّ، وأحمد بن فَرَح المُقْرِئ المُفَسِّر، ومَيْمُون بن هارون الكاتب. وله نحو عشرين مُصَنَّفًا، أشهرها «إصلاح المَنْطِق»، وهو كتابٌ في اللُّغة وضبط الألفاظ وتمييز صحيحها من خطئها، قال فيه المُبَرِّد: «ما رأيتُ للبغداديِّين كتابًا أحسنَ منه». ومن مؤلَّفاته أيضًا «الألفاظ» -المعروف أيضًا بـ«تهذيب الألفاظ»-، و«الأضداد» و«القلب والإبدال» و«الأمثال» و«مختصر في النَّحو» و«تفسير دواوين الشُّعراء»، وله رواياتٌ وشروحٌ لدواوين الحُطَيْئَة والخَنْسَاء وطَرَفَة بن العَبْد وعُرْوَة بن الوَرْد وقَيْس بن الخَطِيم والنَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ، وغيرها من أشعار العرب. وكان دَيِّنًا خَيِّرًا، ووصفه ثَعْلَب بالتَّشَيُّع. ورُوي أنَّ المُتَوَكِّل سأله عن المفاضلة بين ابنَيْه والحَسَن والحُسَيْن رضي الله عنهما، فأجابه بما أغضبه، فأمر بعقوبته، فمات من أثرها، واختلفت الرِّوايات في كيفيَّة قتله. وكانت وفاته سنة 244هـ على المشهور، وقيل سنة 243هـ، وقيل سنة 246هـ.