أسامة بن منقذ
أُسَامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ الكِنَانِيّ الكَلْبِيّ الشَّيْزَرِيّ، أبو المُظَفَّر، مُؤَيَّد الدَّوْلَة، مَجْد الدِّين: أميرٌ وفارسٌ وشاعرٌ وأديبٌ ومُؤرِّخٌ، من أكابر بني مُنْقِذ، أصحاب قلعة شَيْزَر القريبة من حَمَاة، ومن مشاهير فرسان الشَّام وأدبائها في عصر الحروب الصَّلِيبِيَّة. وُلِد بقلعة شَيْزَر يوم الأحد، 27 جُمَادَى الآخرة سنة 488هـ، ونشأ في بيت إمارةٍ وعلمٍ وأدبٍ وفُرُوسِيَّة، وتلقَّى علوم القرآن الكريم والحديث واللُّغة والأدب، وأخذ عن جماعةٍ من العلماء، منهم أبو الغَنَائِم حُمَيْد بن مالك بن مُغِيث الكِنَانِيّ، وأبو المَكَارِم حُمَيْد بن الظَّرِيف الوَاعِظ، وسمع الحديث في صِغَره، وروى عنه جماعةٌ من المُحَدِّثين، منهم ابن عَسَاكِر، وابن السَّمْعَانِيّ، والحافظ عبد الغَنِيّ المَقْدِسِيّ. وتعلَّم الفُرُوسِيَّة وفنون القتال، وشارك في الحروب ضدَّ الصَّلِيبِيِّين مُنذ شبابه، وشهد كثيرًا من الوقائع والغزوات في الشَّام وفلسطين. وغادر شَيْزَر بعد وقوع الخلاف بين أبيه وعمِّه سُلْطَان بن عليّ، صاحب القلعة، واتَّصل بعماد الدِّين زَنْكِيّ، وخدمه في حروبه، ثمَّ انتقل إلى دمشق سنة 532هـ، واتَّصل بأمرائها، ولا سيَّما مُعِين الدِّين أُنَر، وشارك في تدبير شؤونها العسكريَّة، وتولَّى بعض السِّفارات والمُفاوضات مع الصَّلِيبِيِّين، وتردَّد إلى ملوكهم في مسائل الصُّلْح وفداء الأَسْرَى، فاطَّلع على أحوالهم وعاداتهم ونُظُمهم. وانتقل إلى مصر سنة 539هـ، واتَّصل بالخلفاء الفَاطِمِيِّين ووُزرائهم، ولا سيَّما العادل ابن السَّلَّار، وشارك في الحملات العسكريَّة على الصَّلِيبِيِّين بفلسطين، وقاتلهم في نواحي عَسْقَلَان. وعاد إلى الشَّام سنة 549هـ، فالتحق بخدمة نور الدِّين محمود بن زَنْكِيّ، وشارك في حروبه، وفقد في أثناء عودة أهله من مصر مكتبتَه التي كانت تضمُّ نحو أربعة آلاف مُجلَّد، بعد أن استولى الصَّلِيبِيُّون على ما حملته سفينتهم من أموالٍ وكُتبٍ عند ساحل عَكَّا. وأصابته نكبةٌ أُخرى حين دُمِّرت قلعة شَيْزَر بالزِّلزال سنة 552هـ، وهلك فيها كثيرٌ من أهله وأقاربه، فرثاهم في شِعره. ثمَّ غادر دمشق إلى حِصْن كَيْفَا نحو سنة 559هـ، وأقام به مُدَّةً مُشتغلًا بالأدب والتَّأليف، حتَّى استولى السُّلطان صلاح الدِّين الأَيُّوبِيّ على دمشق سنة 570هـ، فاستدعاه إليه، فعاد وقد جاوز الثَّمانين من عمره، وأكرمه السُّلطان وقرَّبه، وكان يُجالسه ويُذاكره في الأدب ويستشيره في بعض شؤونه، وأُعجب بشِعره. وكان أسامة من المُكْثِرين في الشِّعر والنَّثر، وله قصائدُ في الحماسة والفخر والمدح والرِّثاء والحكمة ووصف الحروب، واشتهر بجودة النَّظم وحُسْن التَّرسُّل وسَعَة الاطِّلاع على أشعار العرب وأخبارهم. وله مُصنَّفاتٌ في الأدب والنَّقد والتَّاريخ، من أشهرها «الاعْتِبَار»، دوَّن فيه ذكرياته وتجاربه ومُشاهداته في الحروب والأسفار، وأخبار مَن لقيهم من الأمراء والفُرسان، وما شاهده من أحوال الصَّلِيبِيِّين وعاداتهم وأخلاقهم، وهو من المصادر المُهمَّة لتاريخ الحروب الصَّلِيبِيَّة والمجتمع الشَّاميّ في القرن السَّادس الهجريّ. ومن مؤلَّفاته «لُبَاب الآدَاب» و«البَدِيع في نَقْد الشِّعْر» و«المَنَازِل والدِّيَار»، صنَّفه بعد خراب موطنه وفقد أهله، و«العَصَا» و«النَّوْم والأَحْلَام» و«القِلَاع والحُصُون» و«أَخْبَار النِّسَاء»، وله «دِيوَان شِعْر» كبيرٌ، ومُصنَّفاتٌ أُخرى في الأدب والتَّاريخ والأخبار. وعُمِّر حتَّى شهد انتصار المسلمين في معركة حِطِّين واسترداد بَيْت المَقْدِس سنة 583هـ. تُوفِّي بدمشق ليلة الثُّلاثاء، 23 رمضان سنة 584هـ، ودُفن من الغد بسَفْح جبل قَاسِيُون، شرقيَّ دمشق، بالقرب من نهر يَزِيد.