كتاب الصحيح المسند من أسباب النزول لمقبل بن هادي الوادعي PDF
نبذة عن الكتاب:
يَجْمَع مُقْبِل بن هادي الوَادِعِيُّ في هذا الكتاب الأحاديثَ والآثارَ الثَّابتةَ في بيان الوقائع والأسئلة التي نزلت بسببها آياتُ القرآن الكريم، مُعْتَمِدًا على قواعد المُحَدِّثين في فحص الأسانيد، ودراسة أحوال الرُّواة، وجمع طُرُق الحديث، والكشف عمَّا يَعتري الرِّوايات من عِلَلٍ أو اختلافات. ويَقصِد إلى تمييز الأخبار الصَّحيحة والحَسَنة من الرِّوايات الضَّعيفة والموضوعة التي شاع تداولها في كتب التَّفسير، مُؤَكِّدًا أنَّ معرفة سبب النُّزول تُعِين على فهم الآية وتحديد المراد منها، وتمنع حملها على معانٍ لا يَدلُّ عليها سياق نزولها. ويَستَخْرِج الرِّوايات من كتب الحديث والتَّفسير، وفي مقدِّمتها «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» وكتب السُّنَن والمسانيد، و«تفسير الطَّبَرِيِّ» و«تفسير ابن أبي حاتم»، مع الإفادة من «أسباب النُّزول» للواحديِّ و«لُباب النُّقول» للسُّيُوطِيِّ وغيرهما. ويُرَتِّب ما اختاره بحسب السُّوَر والآيات، فيُثْبِت الآيةَ، ويَسُوق الخبرَ المتعلِّق بنزولها، ويَعْزُوه إلى مصادره، ثمَّ يُناقش إسناده عند الحاجة، مُبَيِّنًا ما يصحُّ الاحتجاج به وما لا يَصِحُّ. ولا يقتصر عمله على جمع الأحاديث، بل يَشمَل التَّرجيح بين الرِّوايات، ومناقشة أحكام العلماء عليها، وتحرير صلتها بالآيات، بما يَجعل الكتاب جمعًا بين علم أسباب النُّزول وعلم الحديث وعلله.
ويُؤَصِّل الوَادِعِيُّ لمعرفة أسباب النُّزول ببيان أنَّها ترجع إلى أمرَيْن: وقوع حادثةٍ ينزل القرآن بشأنها، أو توجيه سؤالٍ إلى النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فتنزل الآيات ببيان جوابه أو حكمه. ويُقَرِّر أنَّ طريق معرفة السَّبب هو الرِّواية الصَّحيحة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو الصَّحابيِّ رضي الله عنه؛ لأنَّ إخبار الصَّحابيِّ عمَّا نزلت الآية بسببه له حُكم الرَّفع عند المُحَدِّثين، بخلاف ما يَرِد من تفسيره للآية دون ذكر سبب نزولها. وأمَّا قول التَّابعيِّ في سبب النُّزول، فيُعَدُّ من قبيل المُرْسَل، ويُقبَل عنده إذا تعدَّدت طُرُقه على الوجه الذي يَقْوَى به الخبر. ويُفَرِّق بين صِيَغ الرِّواية الصَّريحة في السَّبَبِيَّة، كقول الرَّاوي إنَّ حادثةً وقعت فنزلت الآية، والصِّيَغ المحتملة، مثل «نزلت هذه الآية في كذا»، التي قد يُراد بها بيان السَّبب، وقد يُراد بها أنَّ الواقعة داخلةٌ في معنى الآية وحكمها. كما يَشرَح قاعدة «العِبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب»، مُبَيِّنًا أنَّ نزول الآية في شخصٍ أو حادثةٍ لا يَمنع شمولَ حكمها لغيرهما إذا كان لفظها عامًّا. ويَبحَث تعدُّد أسباب نزول الآية الواحدة، ونزول آياتٍ متعدِّدةٍ بسبب واقعةٍ واحدة، مع التَّنبيه إلى أنَّ القرآن الكريم منه ما نزل بسببٍ خاصٍّ، ومنه ما نزل ابتداءً لتقرير العقائد والأحكام والمواعظ، فلا يَلزَم أن يكون لكلِّ آيةٍ سببُ نزولٍ مستقلٌّ.
وتَتَجَلَّى عنايةُ المؤلِّف بنقد الأسانيد في حرصه على جمع طُرُق الحديث الواحد، وموازنة روايات الثِّقات، ومعرفة ما قد يقع فيها من وَصْلٍ وإرسالٍ أو إدراجٍ واضطرابٍ أو مخالفة. ويُبيِّن أنَّ الحديث قد يَظهَر إسناده صحيحًا في أحد المصادر، ثمَّ يَنكَشِف من روايةٍ أخرى أنَّ بعض ألفاظه مُدرَجةٌ فيه، أو أنَّ الخبر لم يَثبُت موصولًا كما وَرَد في الطَّريق الأوَّل. ويَضرِب لذلك مثالًا بما رُوي في شأن العبَّاس بن عبد المُطَّلِب رضي الله عنه وأسرى بدر، حيث يَعرِض حكم الحاكم والذَّهَبِيِّ على الخبر، ثمَّ يُقابله بما أورده البَيْهَقِيُّ وابن حَجَرٍ من بيان اختلاف إسناده، وأنَّ قصَّة العبَّاس ليست موصولةً بالطَّريق الذي قد يَتَبَادَر من ظاهر الرِّواية. ويَستَفِيد من اختلاف الطُّرُق في تمييز المُبْهَم من الرُّواة، ومعرفة تصريح المُدَلِّس بالسَّماع، وكشف المخالفة التي تُؤثِّر في قبول الزِّيادة. وقد راجع المؤلِّف بعض أحكامه في الطَّبعة الرَّابعة بعد دراسته كلام ابن رَجَبٍ والصَّنْعَانِيِّ في زيادة الثِّقة، فَرَجَّح أنَّها لا تُقبَل إذا خالفت روايةَ مَن هو أرجح من راويها، وأجرى على ضوء ذلك بعض التَّغييرات في التَّصحيح والتَّضعيف. وتَظهَر في تعليقاته كذلك مناقشةُ أحكام الحاكم والتِّرْمِذِيِّ والذَّهَبِيِّ وابن حَجَرٍ والهِيثَمِيِّ وغيرهم، مع بيان ما يُوافِقهم فيه وما يُخالِفهم، والاستدلال على ذلك بأحوال الرُّواة واختلاف الأسانيد.
ومن أبرز الأمثلة التي يُورِدها الوَادِعِيُّ للتَّحذير من التَّساهل في أسباب النُّزول قصَّةُ ثَعْلَبَة بن حاطِب، التي اشتَهَر إيرادها عند تفسير قوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ». ويَجمَع أقوال ابن حَزْمٍ والسُّيُوطِيِّ وابن حَجَرٍ والهَيْثَمِيِّ والذَّهَبِيِّ والعِرَاقِيِّ في تضعيف الخبر أو إنكاره، ويُبَيِّن ما في أسانيده من رُواةٍ ضُعفاء، فضلًا عن مخالفته لما تَقَرَّر في الشَّريعة من قبول توبة العبد إذا تاب إلى الله تعالى توبةً صادقة. ويُنَبِّه إلى أنَّ شُهرة القصَّة في كتب التَّفسير واستعمالها في الوعظ لا يَجعلانها صحيحةً، وأنَّ الاحتجاج بالأخبار المنسوبة إلى أسباب النُّزول لا بُدَّ أن يقوم على التَّثبُّت من أسانيدها. ويَذكُر كذلك عدم صحَّة ما رُوي في نزول قوله تعالى: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» في عليِّ بن أبي طالبٍ وفاطمة رضي الله عنهما، مُستَشْهِدًا بما نَقَله العلماء في الحكم على تلك الرِّواية. ومن خلال هذَيْن المثالَيْن يُؤَكِّد أنَّ ردَّ السَّبب الضَّعيف لا يَقتضي البحث عن سببٍ آخر للآية بالضَّرورة؛ إذ قد تكون نزلت ابتداءً من غير حادثةٍ مخصوصة.
وتَشمَل روايات سورة البقرة وقائعَ متنوِّعةً تكشف عن أثر معرفة أسباب النُّزول في تفسير العقائد والأحكام والعبادات؛ فيَذكُر ما ورد بشأن موقف اليهود من جبريل عليه السلام، وما نزل في عداوتهم له وتفضيلهم ميكائيل عليه السلام، مع مناقشة أسانيد الرِّوايات الواردة في ذلك وما يَعتَضِد به بعضُها. ويَتَتَبَّع أخبار تحويل القِبْلَة من بيت المقدس إلى الكعبة، وما أَثَارَه هذا التَّحوُّل من اعتراضاتٍ وتساؤلات، وما نزل في بيان حال المسلمين الذين ماتوا قبل تحويل القِبْلَة. وفي شعائر الحجِّ والعُمْرة يَعرِض تفسير عائشة رضي الله عنها لآية الصَّفا والمروة، وبيانها أنَّ بعض الأنصار كانوا يَتَحَرَّجون من السَّعْي بينهما لما ارتبط بهما في الجاهليَّة من عاداتٍ، وأنَّ معرفة هذه الحادثة تُزِيل ما قد يُتَوَهَّم من ظاهر قوله تعالى: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا». كما يَبحَث أسباب نزول الآيات المتعلِّقة بالإحرام والفِدْية والتَّزوُّد للحجِّ والتِّجارة في مواسمه والإفاضة من عرفات، وما كان يجري عند العرب من عاداتٍ جاء القرآن بإبطال بعضها أو تصحيحها. وفي أحكام الصِّيام يَجمَع الأخبار المتعلِّقة بإباحة الأكل والشُّرب ومباشرة الأزواج في ليالي رمضان، وقصَّة قَيْس بن صِرْمَة الأنصاريِّ رضي الله عنه، وما نزل من بيان معنى الخَيْطَيْن الأبيض والأسود. ويَتَناول كذلك أسباب نزول الآيات المتعلِّقة بالنَّفقة والجهاد والخمر والمَيْسِر والمَحِيض والعلاقات الزَّوجيَّة، مُوازِنًا بين الرِّوايات المتعدِّدة في الآية الواحدة. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»، حيث ينقل تفسير أبي أيُّوب الأنصاريِّ رضي الله عنه لنزولها في الأنصار حين فكَّر بعضهم في الانصراف إلى إصلاح أموالهم وترك الجهاد، ويُناقش الأخبار الأخرى التي تجعل الآية شاملةً للبُخل أو القُنُوط من مغفرة الله تعالى، ولا يَرى مانعًا من اجتماع الأسباب الصَّحيحة إذا أمكن الجمع بينها.
وفي سورة آل عمران تَبرُز أسبابُ النُّزول المتعلِّقة بمواقف أهل الكتاب، وما وقع من مجادلاتٍ بشأن الإيمان والكفر والعُهود، إلى جانب الأخبار المرتبطة بغزوتَي بدرٍ وأُحُدٍ وما صاحبهما من ابتلاءاتٍ وأحكام. ويَعرِض المؤلِّف ما نزل بشأن بعض مَن نَقَضوا العهود أو كَتَموا الحقَّ، وما رُوي في شأن توبة مَن ارتدَّ ثمَّ رجع إلى الإسلام، ويُقارِن بين طُرُق هذه الأخبار وألفاظها. ولوقائع أُحُدٍ عنايةٌ خاصَّةٌ؛ فيَتَتَبَّع أسباب نزول الآيات المتعلِّقة بإصابة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، وما نزل من قوله تعالى: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ»، مُناقِشًا اختلاف الرِّوايات في ربطها بالدُّعاء على بعض المشركين أو بما وقع له من أذًى، وما تكلَّم فيه ابن حَجَرٍ من إدراجٍ في بعض الأخبار. ويَجمَع كذلك ما رُوي في نزول السَّكينة والنُّعاس على المؤمنين بعد الشِّدَّة، وما وقع من خلافٍ في شأن الغنائم، وما نزل بسبب مصائب المسلمين يوم أُحُدٍ، وما ورد في فضل الشُّهداء وحياتهم عند ربِّهم. ويَستَخْرِج من هذه الوقائع ما يُعِين على فهم أثر الأوامر النَّبويَّة ومخالفتها، وما تَضَمَّنته الآيات من تربية المؤمنين على الصَّبر والطَّاعة والثَّبات.
وفي سورة النِّساء يَجمَع المؤلِّف الأحاديثَ المتعلِّقة باليتامى وأموالهم، وأحكام الميراث والكَلَالَة، وما كان يقع في الجاهليَّة من ظلمٍ للنِّساء وحرمانهنَّ بعض الحقوق. ويُورِد ما نُقل عن عائشة رضي الله عنها في تفسير الآيات المتعلِّقة باليتيمات والزَّواج منهنَّ، وما ورد في أسباب نزول أحكام المواريث، مع مناقشة اختلاف الأخبار في تعيين الأشخاص الذين نزلت بسببهم الآيات. وتَتَّصِل بذلك وقائعُ الهجرة والجهاد ومواقف المنافقين، وما نزل في التَّحذير من قتل مَن أظهر الإسلام أو ألقى السَّلام طلبًا للغنيمة، وفي الاستثناء الذي جاء في حقِّ أصحاب الأعذار من قوله تعالى: «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ»، وما ثبت من شكوى عبد الله بن أُمِّ مَكْتُومٍ رضي الله عنه ضرارتَه حين كُتِبت الآية. كما يَبحَث ما ورد في شأن التَّحاكم إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وطاعته، وبعض الوقائع المتعلِّقة بأهل الكتاب وما نزل من الرَّدِّ عليهم. وفي سورة المائدة يَتَتَبَّع الأسبابَ المتعلِّقة بالطَّهارة والتَّيمُّم، وأحكام المحاربين، والتَّحاكم بين أهل الكتاب، وتحريم الخمر، وما رُوي في بعض الأسئلة التي وُجِّهت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ويَشمَل البحث كذلك ما ورد في سورتي الأنعام والأعراف بشأن أحكام الذَّبائح، وعادات المشركين في الطَّواف واللِّباس، وما نزل لإبطال ما اعتادوه من التَّحرُّم أو التَّقرُّب بغير ما شرعه الله تعالى.
وللغزوات وأحوال الجماعة الإسلاميَّة في المدينة حضورٌ واسعٌ في أخبار سورتَي الأنفال والتَّوبة؛ ففي الأنفال يَعرِض ما نزل في غزوة بدرٍ، وما وقع بين المسلمين من اختلافٍ في الغنائم، وأسباب نزول آيات الاستغاثة بالله تعالى والتَّأييد بالملائكة، وأحكام الأَسْرَى والفِدَاء، وما تَرتَّب على المعركة من تشريعاتٍ وتوجيهات. ويُناقِش الأخبار التي تربط بعض الآيات بمشاورة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما في شأن الأَسْرَى، وما ورد في بيان سبب العتاب الإلهيِّ للمؤمنين، وما يتَّصل بذلك من أحكام القرابة والميراث والهجرة. وأمَّا سورة التَّوبة، فتتَّسِع فيها الأخبار المتعلِّقة بالمنافقين ومواقفهم من الجهاد والصَّدقات، وما نزل فيمَن عابوا قسمة الزَّكاة أو سَخِروا من المؤمنين المتصدِّقين، وما وقع من استهزاءٍ بالدِّين في أثناء الغزوات. ويَستَعْرِض ما نزل في النَّهي عن الاستغفار للمشركين، وما ارتبط بذلك بوفاة أبي طالب، وأسباب النَّهي عن الصَّلاة على بعض المنافقين، وما جرى في غزوة تبوك من اعتذار المتخلِّفين عنها. ويَخُصُّ قصَّةَ الثَّلاثة الذين خُلِّفوا بعنايةٍ تُظْهِر أثر معرفة الحادثة في فهم الآيات التي نزلت بقبول توبتهم، وما اشتملت عليه من بيان صدق التَّوبة، والصَّبر على الابتلاء، والفرج بعد الشِّدَّة.
وفي السُّوَر المَكِّيَّة تَتَنوَّع أسبابُ النُّزول بين أسئلة المشركين واعتراضاتهم على الرِّسالة، وما واجه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من تكذيبٍ وأذًى، وما نزل جوابًا عن مواقفَ بعينها. فيَستَعْرِض ما رُوي بشأن اتِّهام المشركين للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنَّ بشرًا يُعَلِّمه القرآن، وما نزل في الرَّدِّ على هذه الدَّعوى في سورة النَّحل، وما ارتبط ببعض الوقائع من توجيهٍ إلى الصَّبر والعفو والعدل في مقابلة الإساءة. وفي سورة الإسراء يَبحَث أخبار مطالبة المشركين بالآيات المقترحة، والسُّؤال عن الرُّوح، وما نزل بشأن الجهر بالقراءة أو الإسرار بها. كما يَتَناوَل ما ورد في انقطاع نزول الوحي مدَّةً ثمَّ عودته، وما رُوي في شأن تأخُّر جبريل عليه السلام عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مع مناقشة اختلاف الأسانيد في تعيين السَّبب. ويَشمَل ذلك ما نُقل في سور الأنبياء والحجِّ والفرقان والقَصَص والزُّمَر وغيرها من اعتراضات المشركين وأسئلتهم، وأخبار مَن أسلموا أو أَعْرَضوا عن الدَّعوة، وما نزل في التَّوبة والمغفرة والتَّحذير من الشِّرك واليأس من رحمة الله تعالى. ويَظهَر في هذه المباحث حرصُ المؤلِّف على التَّمييز بين الخبر الذي يَصرِّح بنزول الآية بسبب حادثةٍ، والرِّواية التي تَكْتَفِي بذكر موقفٍ يدخل في عموم معناها.
وفي سورة النُّور تَبرُز أسبابُ النُّزول التي عالجت مسائلَ أُسَرِيَّةً واجتماعيَّةً بالغة الأثر، ولا سيَّما أحكام اللِّعَان وحادثة الإفك. فيَجمَع المؤلِّف أخبار هِلال بن أُمَيَّة وعُوَيْمِر العَجْلانِيِّ رضي الله عنهما، وما وقع من اتِّهام الزَّوجة بالزِّنا دون إقامة الشُّهود، وما نزل من بيان كيفيَّة اللِّعَان والفصل بين الزَّوجَيْن. ويُناقش تعدُّد الرِّوايات في هذه الحادثة، وما إذا كانت الآيات نزلت بسبب واقعةٍ واحدةٍ أو وقائعَ متعدِّدة. ويَتَتَبَّع كذلك حديث عائشة رضي الله عنها في الإفك، وما أصابها والنَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وأهلَ بيتها من الحزن والابتلاء، حتَّى نزلت الآيات بتبرئتها وبيان ما يجب على المؤمنين من التَّثبُّت وحُسْن الظَّنِّ وترك إشاعة الفاحشة. وتَتَّصِل بذلك الأخبار المتعلِّقة بإكراه الإماء على البِغَاء، وآداب البيوت والطَّعام، وما نزل في بيان الرُّخص لأصحاب الأعذار. وفي سورة الأحزاب يَعرِض أسباب نزول الآيات المتعلِّقة بإبطال التَّبنِّي وإلحاق الأبناء بآبائهم، وما ورد في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه وزواجه من زينب بنت جَحْش رضي الله عنها، إلى جانب أخبار تخيير أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وآيات الحِجَاب، وما جرى في غزوة الأحزاب من مواقفَ تُظْهِر صدق المؤمنين ونفاق المنافقين. ويُوازِن بين الرِّوايات التي تُعَيِّن أسباب هذه الآيات، مُعْتَنِيًا بما يَثْبُت من الأخبار وما يَرتَبِط بها من أحكامٍ وتوجيهات.
وفي السُّوَر المَدَنِيَّة المتأخِّرة تَرِد وقائعُ الصُّلْح والهجرة والعلاقات بين المسلمين وغيرهم، وما نزل لتنظيم شؤون الجماعة وآدابها. ففي سورة الفتح يَجمَع ما ورد بشأن صُلْح الحُدَيْبِيَة، وبَيْعَة الرِّضوان، وما جرى بين المسلمين والمشركين من مفاوضاتٍ وأحداث، وما نزل من الوعد بالفتح والمغفرة والثَّواب، وبيان ما ترتَّب على الصُّلْح من مصالحَ ونتائج. ويُورِد في سورة الحُجُرَات ما نزل بشأن التَّقدُّم بين يدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ورفع الأصوات فوق صوته، وما جاء في الإصلاح بين المؤمنين والنَّهي عن التَّنابُز بالألقاب. وفي سورة الحَشْر يَتَتَبَّع أخبار بني النَّضِير وإجلائهم عن المدينة، وما وقع من قطع بعض نخيلهم، وما نزل في شأن أموال الفَيْء وإيثار الأنصار للمهاجرين. وتتَّصِل بهذه الأحداث أسبابُ نزول سورة المُمْتَحَنَة، وما رُوي في شأن حاطِب بن أبي بَلْتَعَة رضي الله عنه، وأحكام المؤمنات المهاجرات من مكَّة إلى المدينة، وما يتعلَّق بعلاقتهنَّ بأزواجهنَّ المشركين. ويَتَناوَل كذلك ما نزل في سورة الجُمُعَة عند انصراف بعض المصلِّين إلى التِّجارة، وما ورد في سورة المنافقون من أخبار عبد الله بن أُبَيٍّ وأقواله بشأن الإنفاق على المؤمنين وإخراجهم من المدينة، وما تضمَّنته سورة التَّحريم من وقائعَ تتعلَّق بأهل بيت النُّبوَّة وما نزل من توجيهٍ بشأنها.
وأمَّا السُّوَر القِصَار، فتَتَجَلَّى فيها أسبابُ نزولٍ تتَّصل ببداية الوحي والدَّعوة ومواقف المشركين من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ففي سورة القِيَامَة يَذكُر حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما في استعجال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حفظَ الوحي وتحريك لسانه عند تلقِّيه، وما نزل من النَّهي عن ذلك والتَّكفُّل بجمع القرآن وقراءته. ويَبحَث في سورة عَبَس ما رُوي بشأن مجيء عبد الله بن أُمِّ مَكْتُومٍ رضي الله عنه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يُخاطِب بعض عظماء المشركين، وما نزل من العتاب الإلهيِّ في شأنه. وفي سورة المُطَفِّفِين يَعرِض ما نُقل عن أحوال بعض أهل المدينة في الكَيْل عند قدوم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما نزل من التَّحذير من التَّطفيف. ويَتَوَقَّف عند سبب نزول سورة الضُّحَى، وما رُوي في انقطاع الوحي وادِّعاء بعض المشركين أنَّ ربَّه قد تركه، ثمَّ نزول الآيات التي تُبَيِّن عناية الله تعالى به وتُبَشِّره بالخير. كما يُناقِش ما ورد في سورة العَلَق بشأن أبي جَهْلٍ ومحاولته منع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من الصَّلاة، وما رُوي في سورة الكَوْثَر من تعيير المشركين له بانقطاع نسله من الذُّكور، ويُفْرِد لسورة المَسَد خبرَ صعود النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على الصَّفا ودعوته بطون قريش، وما صدر عن أبي لَهَبٍ من تكذيبٍ وإساءةٍ أعقبه نزول السُّورة.
وتَكْمُن خصوصيَّة «الصَّحيح المُسْنَد من أسباب النُّزول» في إخضاع الأخبار التَّفسيريَّة لقواعد النَّقد الحديثيِّ، وعدم الاكتفاء بما اشتهر منها في كتب التَّفسير أو الوعظ. ويَجمع المؤلِّف بين بيان صِلَة الآية بالواقعة التي نزلت بسببها، والتَّحقُّق من ثبوت تلك الواقعة، والنَّظر في اختلاف ألفاظ الرُّواة ودلالاتها، مع الإفادة من أحكام الأئمَّة المتقدِّمين ومناقشتها عند ظهور ما يَستَدْعِي ذلك. وتُبْرِز تطبيقاته أنَّ معرفة السَّبب الصَّحيح قد تكشف خطأَ تفسيرٍ شائعٍ للآية، أو تُوضِّح حكمةَ تشريعٍ نزل علاجًا لحادثةٍ معيَّنة، أو تُبَيِّن تعدُّد الوقائع التي شَمِلَها النُّصُّ القرآنيُّ. كما تُظْهِر أهمِّيَّة أسباب النُّزول في معرفة مراحل الدَّعوة والتَّشريع، وما واجهه المسلمون الأوائل من أسئلةٍ ومشكلاتٍ وابتلاءاتٍ نزل القرآن الكريم بتوجيههم فيها. ويَظلُّ الأصل الذي يقوم عليه الكتاب هو أنَّ نسبةَ حادثةٍ إلى سبب نزول آيةٍ من كتاب الله تعالى لا تَصِحُّ لمجرَّد ملاءمتها لمعنى الآية أو شُهرتها بين المفسِّرين، بل لا بُدَّ من روايةٍ ثابتةٍ ودلالةٍ معتبرة، ليكون فهم القرآن الكريم قائمًا على الأخبار المحقَّقة، بعيدًا عن الرِّوايات الواهية والأقوال التي لا يَثْبُت لها أصل.