مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الشبهات المزعومة حول القرآن الكريم في دائرتي المعارف الإسلامية والبريطانية لمحمد السعيد بن السيد جمال الدين PDF

كتاب الشبهات المزعومة حول القرآن الكريم في دائرتي المعارف الإسلامية والبريطانية لمحمد السعيد بن السيد جمال الدين PDF

نبذة عن الكتاب:

يُفَنِّد محمَّد السَّعيد بن السَّيِّد جمال الدِّين في هذا الكتاب الشُّبُهات التي أثارها عددٌ من المستشرقين حول مصدر القرآن الكريم وأصالته وتاريخ نزوله وجمعه، وما تضمَّنه من عقائدَ وأخبارٍ وأحكام، مُعْتَمِدًا على تحليل ما ورد في مقالتَي «القرآن» بدائرة المعارف الإسلاميَّة في طبعتها الجديدة، ودائرة المعارف البريطانيَّة في طبعتها الخامسة عشرة. ويكشف عن الأصول المنهجيَّة التي استند إليها كُتَّاب المقالتَيْن، ولا سيَّما تطبيق قواعد النَّقد التَّاريخيِّ والأدبيِّ التي استُعْمِلَت في دراسة الكتاب المقدَّس على القرآن الكريم، ثمَّ يُناقش مدى التزامهم بهذه القواعد عند الاستدلال وتحليل النُّصوص واستخلاص النَّتائج. ويُقابِل دعاواهم بالآيات القرآنيَّة وأقوال المفسِّرين والمُحَدِّثين، مستعينًا كذلك بأبحاث عددٍ من الدَّارسين الغربيِّين والمسلمين الذين ناقشوا مناهج الاستشراق ونتائجها. ويُركِّز على ما يَعدُّه خللًا في الافتراضات التي انطلق منها المستشرقون، وانتقاءً للشَّواهد، وإغفالًا للسِّياقات اللُّغويَّة والتَّاريخيَّة، وتفسيرًا للآيات على غير ما تقتضيه دلالاتها، ساعيًا إلى بيان أثر هذه الممارسات في تكوين صورةٍ غير صحيحةٍ عن القرآن الكريم لدى القرَّاء والباحثين.

ويبدأ البحث ببيان طبيعة الموسوعات العالميَّة وأهمِّيَّتها في نشر المعرفة، والتَّفريق بين الموسوعات العامَّة التي تُقَدِّم للقارئ معلوماتٍ موجزةً في مختلف العلوم، والموسوعات المتخصِّصة التي تتوسَّع في دراسة موضوعات مجالٍ محدَّد. ويُوَضِّح أثر هذه الموسوعات في تكوين ثقافة الباحثين والطُّلَّاب، وما تتمتَّع به من مكانةٍ علميَّةٍ تجعل أحكامها ومعلوماتها مقبولةً لدى جمهورٍ واسعٍ من القرَّاء، مع التَّنبيه إلى خطورة ما قد يُورَد فيها من أخطاءٍ أو آراءٍ غير مُحَقَّقةٍ في القضايا الدِّينيَّة. ويَستَعْرِض تاريخ التَّأليف الموسوعيِّ عند المسلمين والأوروبيِّين، ونشأة دائرة المعارف البريطانيَّة وتطوُّر مقالتها عن القرآن الكريم، وما تضمَّنته بعض طبعاتها السَّابقة من إحالةٍ إلى موضوعاتٍ أخرى قبل تخصيص مقالةٍ مستقلَّةٍ له. كما يُعَرِّف بدائرة المعارف الإسلاميَّة وتاريخ طبعاتها، وما استهدفه القائمون على طبعتها الجديدة من إعادة كتابة مقالاتها وفق نتائج الدِّراسات الاستشراقيَّة الحديثة. ويُقابِل بين المقالتَيْن من جهة الحجم والتَّفصيل والجمهور المقصود؛ فمقالة دائرة المعارف الإسلاميَّة التي كتبها المستشرق أ. ت. وِلْش تتوسَّع في عرض آراء المستشرقين ومناقشاتهم في علوم القرآن، بينما تُقَدِّم المقالة البريطانيَّة عرضًا أكثر إيجازًا يناسب طبيعة الموسوعات العامَّة. ويُنَبِّه إلى أنَّ استيعاب المقالة المتخصِّصة لآراء الباحثين وتفصيلاتها قد يُضْفِي على نتائجهم مظهرًا من الحسم العلميِّ، ويُصَعِّب على القارئ غير المتخصِّص التَّمييز بين الحقائق الثَّابتة والفُرُوض التي لم يقم عليها دليلٌ كافٍ.

ويتتبَّع المؤلِّف أصول المنهج الذي اعتمده المستشرقون في دراسة القرآن الكريم، فيربطه بما عُرِف في الدِّراسات الغربيَّة للكتاب المقدَّس باسم «النَّقد الأعلى والنَّقد الأدنى». ويُبَيِّن أنَّ النَّقد الأعلى يَعْنَى بالظُّروف الخارجيَّة المحيطة بالنَّصِّ، من جهة مؤلِّفه وتاريخ تدوينه وأهدافه، والأوضاع السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والدِّينيَّة التي نشأ فيها، وطُرُق نقله وجمعه ونسخه. وأمَّا النَّقد الأدنى، فيَتَّجِه إلى تحليل النَّصِّ من داخله، بدراسة لغته وألفاظه وأساليبه، والموازنة بين أجزائه، والبحث عمَّا قد يَرِد فيه من اختلافاتٍ أو تناقضاتٍ تاريخيَّةٍ وتشريعيَّةٍ ولغويَّة، وما يُستَدَلُّ به من تغيُّر الأساليب والأفكار على تعدُّد مصادر النَّصِّ أو أزمنة تدوينه. ويَسْتَعْرِض ما توصَّل إليه نُقَّاد الكتاب المقدَّس من نتائجَ تتعلَّق بتاريخ أسفاره ونسبتها إلى مؤلِّفيها، وما افترضوه من مصادرَ مكتوبةٍ وشفهيَّةٍ أَسْهَمَت في تكوينها، ثمَّ يُوَضِّح كيف انتقلت هذه الطَّرائق إلى دراسة القرآن الكريم، ولا سيَّما في محاولات ترتيب سُوَره زمنيًّا، والبحث عن مصادرَ بشريَّةٍ لأخباره وأحكامه. ويُناقش تقسيم تيودور نُولْدِكَه للسُّوَر المَكِّيَّة إلى ثلاث فتراتٍ على أساس خصائصها الأسلوبيَّة، مستعينًا باعتراضات عبد الرَّحمن بَدَوِيٍّ على إمكان التَّمييز الدَّقيق بين هذه الفترات القصيرة بالاعتماد على الأسلوب وحده. كما يَستَحْضِر أقوال المستشرقَيْن آربري وتور أندريه في نقد بعض الطَّرائق التي تُجَزِّئ النَّصَّ القرآنيَّ وتُخْضِعه لمقاييسَ شكليَّةٍ لا تُراعي طبيعة بنائه ومقاصده. ويُنْكِر المؤلِّف تطبيق منهجٍ يقوم على افتراض الأصل البشريِّ للنُّصوص على القرآن الكريم مع استبعاد احتمال مصدره الإلهيِّ ابتداءً، ثمَّ يُناقش المستشرقين وفق القواعد النَّقديَّة التي اختاروها لأنفسهم، مُبْرِزًا ما يَعدُّه خروجًا عليها في التعامل مع الشَّواهد والرِّوايات.

وفي تحليله مقالةَ دائرة المعارف الإسلاميَّة، يُعَرِّف المؤلِّف بمحاورها المتعلِّقة بأصل لفظ القرآن ومرادفاته، وعلاقة النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بالوحي، وتاريخ جمع المصحف والقراءات، وبناء السُّوَر وأسمائها والبَسْمَلَة والحروف المُقَطَّعَة، والتَّرتيب الزَّمنيِّ للنُّصِّ، واللُّغة والأسلوب، والقصص والتَّشريعات، وترجمات القرآن الكريم. ثمَّ يُرَكِّز نقده التَّفصيليَّ على مبحثَيْن من هذه المباحث، أوَّلهما ما أُثير بشأن أصول الألفاظ القرآنيَّة، وثانيهما ما كُتِب عن علاقة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالقرآن. ففي المبحث اللُّغويِّ يَسْتَعْرِض دعوى اشتقاق لفظ «القرآن» من الكلمة السُّريانيَّة «قِرْيَانَا»، وما نُقِل عن بعض المستشرقين من ردِّ ألفاظ «آية» و«سورة» و«مَثَانِي» و«حكمة» إلى أصولٍ عبريَّةٍ أو سريانيَّةٍ أو آراميَّة. ويُناقش هذه الدَّعاوى من جهة الاشتقاق العربيِّ واستعمال الألفاظ في القرآن، وما بين العربيَّة وأخواتها من اللُّغات السَّاميَّة من اشتراكٍ في الأصول والمفردات، مُؤَكِّدًا أنَّ تشابه الألفاظ بين اللُّغات لا يكفي وحده لإثبات الاقتباس من إحداها إلى الأخرى. ويَستَعِين بكلام عبد الرَّحمن بَدَوِيٍّ في بيان ما يَلْزَم عن نسبة هذه المصطلحات إلى مصادرَ يهوديَّةٍ ونصرانيَّةٍ من افتراض معرفة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بلغاتٍ وكتبٍ متعدِّدة، دون إقامة دليلٍ تاريخيٍّ على تلك المعرفة أو على انتقال الألفاظ إليه من المصادر المزعومة. ويُخْلِص من ذلك إلى أنَّ البحث في أصول المفردات ينبغي أن يقوم على شواهدَ لغويَّةٍ وتاريخيَّةٍ مُحَقَّقة، لا على مجرَّد الرَّغبة في إثبات تأثُّر القرآن بالكتب السَّابقة.

وأمَّا المبحث الثَّاني، فيَتَتَبَّع فيه محاولة كاتب المقالة تفسير العلاقة بين ثلاثة أطرافٍ في نزول القرآن الكريم، هي: المتكلِّم، والوسيط، والمتلقِّي. ففيما يتعلَّق بالمتكلِّم، يُناقش الزَّعم بأنَّ مصدر الوحي لم يكن واضحًا في السُّوَر المَكِّيَّة المبكِّرة، وأنَّ اسم الله تعالى لم يَظْهَر فيها على الوجه الذي عُرِف في المراحل اللَّاحقة. ويَرُدُّ هذا القول بالآيات التي تُصَرِّح باسم الله تعالى وصفاته وأفعاله في السُّوَر المَكِّيَّة، ومنها ما ورد في سور العَلَق والمُدَّثِّر والذَّارِيَات، مُبَيِّنًا أنَّ الاقتصار على بعض الآيات وإهمال بقيَّة السُّورة يُفْضِي إلى نتائجَ تُخالِف مجموع النَّصِّ. ويُناقش كذلك تفسير الآيات التي تَذْكُر رؤية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للرَّسول الكريم، مُوَضِّحًا أنَّ المراد بها جبريل عليه السلام، لا رؤية الله تعالى على النَّحو الذي نَسَبَه كاتب المقالة إلى القرآن. وفي شأن الوسيط، يَرُدُّ دعوى أنَّ جبريل عليه السلام لم تُعْرَف له صلةٌ بالوحي إلَّا في المرحلة المَدَنِيَّة، وأنَّ الإشارة إلى اسمه في سورة البقرة دليلٌ على تطوُّر التَّصوُّر القرآنيِّ لطريقة نزول الوحي. ويَسْتَدِلُّ بما ورد في سورتي التَّكوير والنَّجْم من أوصاف الرَّسول الكريم وشديد القُوَى، وما جاء في القرآن من وصف الملائكة بأنَّهم رُسُلٌ يَصْطَفِيهم الله تعالى، مع بيان أنَّ تأخُّر التَّصريح باسم جبريل عليه السلام لا يدلُّ على تأخُّر معرفته أو دوره في التَّنزيل. كما يَشرح سبب ورود اسمه في آية سورة البقرة المتعلِّقة بموقف بعض اليهود منه، ويُناقش ما وقع فيه كاتب المقالة من خلطٍ بين إسناد القول إلى الله تعالى وبين دعوى مخاطبته النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مباشرةً دون وسيط.

ويتناول المؤلِّف ما أُثير بشأن المتلقِّي، وهو النَّبيُّ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، من مزاعم تَنْسُب القرآن إلى تعلُّمه من أشخاصٍ آخرين، أو إلى استمداده الأخبار والعقائد من اليهود والنَّصارى. ويَتَتَبَّع استدلال كاتب المقالة بالآيات التي حَكَت اتِّهامات المشركين للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنَّ بشرًا يُعَلِّمه القرآن، أو أنَّه استعان بغيره في تأليفه، مُبَيِّنًا أنَّ هذه الاتِّهامات وردت في سياق إنكار القرآن لها والرَّدِّ على أصحابها، وأنَّ اقتطاع بعض ألفاظها دون استكمال الآيات يُغَيِّر دلالتها. ويُناقش ما نُسِب إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من سَعْيٍ إلى الحصول على أخبار التَّوراة من اليهود، ويَستَحْضِر الآيات التي تتحدَّث عن كتمان بعض أهل الكتاب ما أُنْزِل إليهم، مُفَرِّقًا بين ذمِّ الكتمان والتَّحريف وبين ادِّعاء أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يبحث عن مصادرَ بشريَّةٍ يستعين بها في تأليف القرآن. كما يَرُدُّ تفسير الآيات المتعلِّقة بطلب المشركين إنزال كتابٍ مقروءٍ من السَّماء على أنَّه تحدٍّ سابقٌ على ظهور القرآن أو باعثٌ على تأليفه، مُؤَكِّدًا أنَّ هذه المطالب جاءت بعد بدء نزول الوحي وانتشار الدَّعوة. ويناقش كذلك الزَّعم بأنَّ المسلمين في المدينة طلبوا كتابًا مقدَّسًا يُمَيِّز جماعتهم عن اليهود والنَّصارى، فيُقَابِل هذا التَّفسير بما ثبت من نزول القرآن في مكَّة قبل الهجرة بسنوات، وما تَضَمَّنَتْه السُّوَر المَكِّيَّة من عقائدَ وأحكامٍ وتوجيهاتٍ كانت أصلًا في تكوين الجماعة المؤمنة قبل قيام المجتمع الإسلاميِّ في المدينة.

ويتَّصل بهذه الشُّبُهات ما أُثير حول تدوين القرآن الكريم وجمعه؛ إذ يَتَتَبَّع المؤلِّف دعوى أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَشْرَع في كتابة القرآن إلَّا بعد الهجرة، وأنَّ انشغاله بقيادة المجتمع المَدَنِيِّ حال دون إتمام هذا العمل. ويُناقش الخلط بين كتابة الوحي في حياة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وجمع القرآن في مصحفٍ بعد وفاته، مُسْتَدِلًّا بما ورد في أخبار زيد بن ثابت رضي الله عنه من تتبُّع القرآن في الصُّحف وما كُتِب عليه من العُسُب واللِّخَاف، ومقابلة ذلك بما حُفِظ في صدور الصَّحابة رضي الله عنهم. ويُؤَكِّد أنَّ جمع القرآن في عهد أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه كان لحفظ ما نزل وتوثيقه، لا لإنشاء نصٍّ لم يكن موجودًا أو استكمال ما تُرِك من كتابته. ثمَّ يُناقش ما أورده كاتب المقالة بشأن النَّسْخ في القرآن الكريم، وما استند إليه من الآيات التي تُقَرِّر نسخ بعض الأحكام أو تبديلها بأحكامٍ أخرى، مُفَرِّقًا بين النَّسْخ التَّشريعيِّ الذي يَقَع بأمر الله تعالى ومقتضى حكمته، وبين النِّسيان البشريِّ الذي حاول بعض المستشرقين جعله سببًا لفقد أجزاءٍ من الوحي. ويَتَوَقَّف عند تفسير قوله تعالى: «فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ»، مُوَضِّحًا أنَّ النَّسْخ هنا بمعنى الإزالة والإبطال، وليس من قبيل نسخ الأحكام الشَّرعيَّة. ويَصِل بذلك مناقشة قصَّة الغَرَانِيق، وما أُثير حولها من مزاعم تتعلَّق بإمكان تدخُّل الشَّيطان في الوحي، ويَرُدُّ الاستدلال بها على وقوع تغييرٍ في القرآن الكريم، مُنَبِّهًا إلى ضعف الرِّوايات التي استُنِد إليها في هذه الدَّعوى.

وينتقل البحث إلى مقالة «القرآن» في دائرة المعارف البريطانيَّة، فيُبَيِّن أنَّ اختصارها للمسائل لا يمنع ما تَضَمَّنَتْه من أحكامٍ واسعةٍ تتناول أصل الإسلام وعقائده وتاريخ كتابه المقدَّس. ويُرَتِّب المؤلِّف أبرز الشُّبُهات التي استخرجها منها بحسب مقاصدها وموضوعاتها، فيبدأ بالدَّعاوى التي تَنْفِي أصالة الإسلام وتَجْعَله صورةً مأخوذةً من التُّراث اليهوديِّ والنَّصرانيِّ. ويُناقش الزَّعم بأنَّ الألفاظ غير العربيَّة في القرآن دليلٌ على اقتباسه من هاتَيْن الدِّيانَتَيْن، وما قيل في ردِّ قصص نوحٍ وموسى وإبراهيم وعيسى عليهم السلام إلى الكتاب المقدَّس، وفي مقابل ذلك نسبة أخبار هودٍ وصالحٍ عليهما السلام إلى رواياتٍ عربيَّةٍ محلِّيَّة. ويُبَيِّن أنَّ اشتراك الكتب السَّماويَّة في أخبار بعض الأنبياء عليهم السلام لا يَسْتَلْزِم أن يكون القرآن منقولًا من نصوصها المتداولة، بل يتَّصل بوحدة أصل الوحي، وأنَّ الاختلافات بينها تُبْحَث في ضوء ما يُقَرِّره القرآن من وقوع التَّحريف في بعض ما نُقِل عن أهل الكتاب. كما يَرُدُّ تشبيه أسلوب القرآن بسَجْع الكُهَّان، ومحاولة تفسير شخصيَّة إبراهيم عليه السلام بأنَّها أُبْرِزَت في القرآن لإقامة صلةٍ جديدةٍ باليهود بعد الهجرة، مُسْتَدِلًّا بسبق إبراهيم عليه السلام للتَّوراة والإنجيل، وما ورد في القرآن من بيان حَنِيفِيَّته وبُعْده عن اليهوديَّة والنَّصرانيَّة. ويُناقش كذلك نسبة بعض أوصاف الجنَّة والوعيد الأخرويِّ إلى المواعظ السُّريانيَّة والمرويَّات اليهوديَّة والنَّصرانيَّة الشَّفهيَّة، مُطالِبًا بإثبات وجود هذه المصادر وتاريخ انتقالها إلى البيئة التي نزل فيها القرآن قبل الحكم بوقوع الاقتباس منها.

ومن الشُّبُهات التي يُفْرِد لها المؤلِّف بحثًا في دائرة المعارف البريطانيَّة تصويرُ القرآن على أنَّه كتابٌ خاصٌّ بالعرب، يقابل الكتب المقدَّسة التي كانت عند اليهود والنَّصارى، بما يَنْفِي عن الإسلام صفة العالميَّة. ويَرُدُّ هذا التَّصوير ببيان أنَّ عربيَّة القرآن تتعلَّق بلغة نزوله، ولا تَقْتَضِي قَصْر رسالته على العرب دون سائر البشر. ويَتَنَاوَل كذلك ما أُثير حول حُرِّيَّة الإرادة الإنسانيَّة، ولا سيَّما الاستدلال بآيات المشيئة الإلهيَّة والقضاء والقَدَر على نفي اختيار الإنسان ومسؤوليَّته عن أفعاله. ويُبَيِّن أنَّ كاتب المقالة يُبْرِز الآيات التي يُمْكِن أن تُفْهَم على أنَّ الإنسان مُجْبَرٌ على الإيمان أو الكفر، دون أن يمنح الآيات التي تُقَرِّر مسؤوليَّته عن اختياره وعمله ما تستحقُّه من بيانٍ وموازنة. ويَرْبِط المؤلِّف هذا الاتِّجاه ببعض التَّصوُّرات الغربيَّة الحديثة عن الحُرِّيَّة الإنسانيَّة، وما نشأ عن الموقف من التَّقاليد الكَنَسِيَّة من حساسيَّةٍ تجاه كلِّ تفسيرٍ دينيٍّ يُظَنُّ أنَّه يُقَيِّد إرادة الإنسان. كما يَكْشِف ما يَعدُّه أثرًا للمفاهيم المادِّيَّة في تفسير الأخبار الغيبيَّة والقصص القرآنيِّ، ومنها وصف بعض التَّفصيلات التي انفرد بها القرآن في قصَّة يوسف عليه السلام بأنَّها أُسْطُورِيَّةٌ لمجرَّد عدم ورودها في التَّوراة، ومحاولة تفسير الوحي المذكور في سورة الشُّورى بوصفه إلهامًا شبيهًا بما يَعْرِض للشُّعراء، أو ظاهرةً نفسيَّةً تخيُّليَّةً تُسْتَبْعَد منها حقيقة الاتِّصال بالوحي الإلهيِّ.

ويَسْتَكْمِل نقده للمقالة البريطانيَّة بمناقشة ما ورد فيها من تشكيكٍ في أصالة التَّوحيد القرآنيِّ، والزَّعم بأنَّ الدَّعوة إلى وحدانيَّة الله تعالى لم تتَّضِح إلَّا في المرحلة المَدَنِيَّة بعد اتِّصال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم باليهود. ويَرُدُّ ذلك بما تضمَّنته السُّوَر المَكِّيَّة المبكِّرة من تقرير توحيد الله تعالى ونفي الشُّرك، وما كان عليه موقف مشركي قريش من معارضة الدَّعوة بسبب إنكارها آلهتهم ومعتقداتهم. ثمَّ يُناقش ما أُثير حول سلامة جمع القرآن الكريم، ولا سيَّما التَّقليل من قيمة الحفظ بوصفه وسيلةً لنقل النَّصِّ، والتَّشكيك في دقَّة الذَّاكرة البشريَّة دون مراعاة ما اقترن بها من كتابةٍ وتلقٍّ ومراجعةٍ وتوثيق. ويَتَوَقَّف عند استعمال تعبير «القرآن الحالي» في الإشارة إلى النَّصِّ المتداول بين المسلمين، وما قد يُوحِي به من افتراض وجود نصٍّ سابقٍ مختلفٍ عنه، مُناقِشًا ما نُسِب إلى بعض المستشرقين من أنَّ القرآن أُعِيدَت صياغته بعد عصر النُّبوَّة حتَّى اكتسب صورته المعروفة. وأمَّا الحروف المُقَطَّعَة في أوائل السُّوَر، فيَسْتَعْرِض ما ذُكِر في تفسيرها من احتمالاتٍ متعدِّدة، وينتقد إدراج احتمال أنَّ لها دلالةً سِحْرِيَّةً دون تقديم دليلٍ يُثْبِت صحَّة هذا التَّفسير. ويَصِل بين هذه الأمثلة وما تقدَّمها من دعاوى تتعلَّق بالمصدر واللُّغة والتَّاريخ، مُؤَكِّدًا أنَّ إثارة الاحتمالات لا تكفي وحدها لإثبات التَّشكيك في النَّصِّ القرآنيِّ أو نفي أصالته.

وتلتقي مباحث البحث عند نقد الافتراض الذي يَجْعَل القرآن الكريم نصًّا بشريًّا قبل الشُّروع في دراسته، ثمَّ يُفَسِّر كلَّ ما يَرِد فيه على مقتضى هذا الافتراض، ولو استلزم ذلك إغفال الشَّواهد المخالفة أو تأويلها بعيدًا عن سياقها. ويُؤَكِّد المؤلِّف أنَّ الإنصاف العلميَّ يقتضي دراسةَ النُّصوص كاملةً، ومراعاةَ استعمالات العربيَّة، والتَّثبُّتَ من الوقائع التَّاريخيَّة، والتمييزَ بين الدَّليل والاحتمال، وعدمَ تقديم نتائجَ مقرَّرةٍ سلفًا في صورة حقائقَ انتهى إليها البحث الموضوعيُّ. كما يُبْرِز أنَّ خطورة الشُّبُهات تزداد حين تُنْشَر في الموسوعات العالميَّة التي يرجع إليها غير المتخصِّصين، وتُعْتَمَد مقالاتها في البحوث والدِّراسات بوصفها مراجعَ علميَّةً موثوقة. ومن ثمَّ يدعو إلى مواصلة نقد الكتابات الاستشراقيَّة المتعلِّقة بالقرآن الكريم، والكشف عن أخطائها المنهجيَّة واللُّغويَّة والتَّاريخيَّة، ونشر الرُّدود العلميَّة عليها بمختلف اللُّغات، حتَّى لا تَسْتَقِرَّ الأحكام غير المُحَقَّقة في أذهان القرَّاء على أنَّها نتائجُ علميَّةٌ ثابتة.




إحصائيات الكتاب
قُرئ 0 مرة حُمِّل 1 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

محمد السعيد السيد عبد العال جمال الدين

محمَّد السَّعيد السَّيِّد عبد العال جَمَال الدِّين: أستاذٌ جامعيٌّ، مُتخصِّصٌ في اللُّغة الفارسيَّة وآدابها. عمل أستاذًا بقسم اللُّغات الشَّرقيَّة في كلِّيَّة الآداب بجامعة عين شمس، وتولَّى رئاسة القسم، ثمَّ صار أستاذًا مُتفرِّغًا فيه. وحصل على جائزة الجامعة التَّقديريَّة في مجال العلوم التَّربويَّة. وله بحوثٌ في الدِّراسات الشَّرقيَّة، من أعماله «الشُّبُهات المزعومة حول القرآن الكريم في دائرتَي المعارف الإسلاميَّة والبريطانيَّة»، الصَّادر عن مُجمَّع الملك فهد لطباعة المصحف الشَّريف.

عرض النبذة وكتب المؤلف