يسوق ابن قيِّم الجوزيَّة في كتاب «مفتاح دار السَّعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة» أكثر من 150 وجهًا في بيان فضل العلم وشرف منزلته، وعظيم أثره في هداية الإنسان وسعادته في الدُّنيا والآخرة، مستدلًّا بالقرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة وآثار السَّلف، وما تشهد به العقول والفِطَر من وجوه الحكمة والاعتبار. ويستهلُّ كتابه بالتأمُّل في الحِكَم الإلهيَّة من إخراج آدم عليه السَّلام من الجنَّة وإسكانه دار الابتلاء، وما تضمَّنه عهد الله تعالى إلى بنيه من الهداية لمن اتَّبع وحيه، والشَّقاء لمن أعرض عنه. ويجعل العلم والإرادة أصلين تقوم عليهما سعادة العبد؛ فبالعلم يعرف سبيل الهداية، وبالإرادة ينهض إلى سلوكها والعمل بمقتضاها.
ويتوسَّع في بيان عجائب خلق الله تعالى وبدائع صنعه، وما أودعه في الإنسان والحيوان والنَّبات وسائر المخلوقات من وجوه الإتقان والتَّدبير، مستدلًّا بها على وحدانيَّته وكمال علمه وقدرته وحكمته. ويتناول أسرار الحكمة الإلهيَّة في الخلق والأمر والابتلاء، وما يترتَّب على وقوع العبد في الذَّنب من التَّوبة والإنابة والافتقار إلى الله تعالى، ويقيم البراهين على ضرورة النُّبوَّات وحاجة البشر إلى الشَّرائع، وما اشتملت عليه أحكام الدِّين من الحِكَم والمصالح الموافقة للعقول والفِطَر. ويُناقش مذاهب المتكلِّمين والفلاسفة في الحُسن والقُبح العقليَّين، ويوازن بين حججهم ويُحرِّر مواضع الخلاف، ثمَّ يتصدَّى لإبطال دعاوى المنجِّمين في تأثير الكواكب وتدبير الحوادث، ويتناول الطِّيَرة والفأل والزَّجر، مُميِّزًا بين ما ثبت فيها من النُّصوص وما شاع من اعتقادات الجاهليَّة. وكان قد عزم على إفراد قسم للعلم وآخر للإرادة والمحبَّة، غير أنَّ مباحث العلم وما تفرَّع عنها استغرقت الكتاب، فأرجأ الكلام المستقلَّ على الإرادة والمحبَّة إلى تصنيف آخر.