يتتبَّع محمد مبارك حكيمي في «الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل» الأحاديث النبويَّة وآثار الصحابة والتابعين في بيان معنى البدعة وضوابطها وأحكامها، محاولًا استخراج المنهج الذي كانوا يعتمدونه في التمييز بين السُّنَّة والعمل المُحدث في الدِّين. ويُناقش القول بمشروعيَّة «البدعة الحسنة»، ويرى أنَّ أصل الخلاف يرجع إلى تحديد الدليل الذي تثبت به مشروعيَّة العبادات؛ فهل يكفي اندراج العمل المُحدث تحت عموم نصٍّ شرعي، أم لا بدَّ من ثبوت العمل به عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو أصحابه رضي الله عنهم، مع وجود المقتضي لفعله وانتفاء المانع منه؟ ويمهِّد ببيان مواضع الاتِّفاق والخلاف بين القائلين بالبدعة الحسنة والمانعين منها، ويناقش أدلَّتهم، ومنها حديث «من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة»، وقول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: «نعمت البدعة هذه»، وقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن».
ويقسِّم الكتاب إلى جزأين؛ يخصِّص الأوَّل لجمع الآثار وترتيبها في ثمانية وستِّين بابًا، ينتقي فيها ما يراه صحيحًا أو قريبًا من الصحيح، ويقتصر غالبًا على الروايات التي تكفي لإثبات المسألة دون استيعاب طرقها والتوسُّع في نقد أسانيدها. ويبدأ بالأحاديث الدالَّة على كمال الدِّين وتمام تبليغ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للشريعة، ثمَّ يورد أخبارًا عن نقصان العلم والعمل بمرور الزمان، وانتشار البدع ونسيان السُّنن، وما ذكره السَّلف من أسباب حدوث ذلك، كذهاب العلماء، واتِّباع الجهَّال، وتقديم الآراء على الآثار. ويُفرد أبوابًا للأمر باتِّباع الصحابة، والاحتجاج بأعمالهم وأقوالهم وتقريراتهم، وبيان منزلتهم في معرفة مقاصد الشريعة، وما كان عليه التابعون من الرجوع إلى فتاواهم وأفعالهم في فهم الأحاديث والأحكام.
ويجمع بعد ذلك آثارًا في ذمِّ البدع والتحذير منها، وما أنكره الصحابة من عبادات استحسنها أصحابها وقصدوا بها التقرُّب إلى الله تعالى. ومن أمثلتها إنكار أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه على امرأة حجَّت ملتزمةً الصمت، وإنكار عمر رضي الله عنه تخصيص بعض المواضع بالتعبُّد لمجرَّد صلاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيها، وما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه من إنكاره على جماعات اتَّخذت مجالس للذِّكر بعدد وهيئة مخصوصين. ويستدلُّ بهذه الأخبار على أنَّ حسن القصد ومشروعيَّة الذِّكر أو الصلاة في أصلها لا يكفيان عنده لإثبات مشروعيَّة هيئة تعبُّديَّة لم يثبت العمل بها عن السَّلف.
ويتوسَّع في جمع الآثار المتعلِّقة بالاحتجاج بترك النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه لبعض الأعمال، ويُقرِّر أنَّ الترك قد يكون بيانًا مقصودًا من الشريعة، كما يكون الفعل والقول بيانًا لها. ويبحث أحكام التعبُّد بألفاظ الأذكار، والتزام عدد أو وقت أو هيئة لم تثبت في السُّنَّة، والمواظبة على العمل المشروع إذا كانت المواظبة تُوهم وجوبه، وإظهار ما جرت السُّنَّة بإخفائه، وتخصيص بعض الأيَّام بعبادات لم يثبت تخصيصها. كما يذكر الأعمال التي تركها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمانع ثمَّ فعلها الصحابة بعد زواله، ويميِّز بينها وبين ما لم يثبت التعبُّد به أصلًا. ويمتدُّ إلى مسائل النيَّة، والعادات، والوسائل، والتشبُّه بغير المسلمين، والألفاظ الشرعيَّة، ومحدثات الفتيا والقضاء، وما يجوز من الاختلاف في الأحكام.
ويخصِّص الجزء الثاني لتحليل دلالات الآثار واستخراج القواعد منها، فيشرح معنى البدعة وعلاقتها بالإحداث والتعبُّد، ويفرِّق بين الحديث والسُّنَّة، وبين مجرَّد ورود النصِّ وثبوت طريقة العمل به. ويُناقش دلالة العموم والإطلاق في نصوص العبادات، ويرى أنَّ بيان النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه بالفعل والترك هو المرجع في تحديد المراد من تلك النصوص، فلا يصحُّ عنده إنشاء عبادة مستقلَّة بالاستناد إلى عمومٍ لم يثبت تطبيقه على صورتها. ويُفصِّل الكلام على اعتبار الترك سُنَّةً فعليَّة، وعلى وجوب الاتِّباع في القصد كما يجب في صورة العمل، وضرورة التمييز بين العبادات المقصودة والوسائل الموصلة إليها، وبين ما يجوز فيه الاجتهاد من شؤون العادات وما يتوقَّف فيه على الدليل الشرعي.
ثمَّ يُناقش إطلاق اسم البدعة على بعض الأعمال الثابتة في السُّنَّة، ويفسِّر ما ورد عن عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح على ضوء ما سبق من فعل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لها وترك المواظبة على جمع الناس فيها خشية افتراضها عليهم. ويتناول أثر تغيُّر اصطلاحات العلماء وألفاظهم في فهم النصوص، وينتقد بعض القواعد الأصوليَّة التي يرى أنَّ المتأخِّرين توسَّعوا في استعمالها لإثبات عبادات لم تكن عليها سُنَّة السَّلف. كما يبحث دخول الابتداع في العادات عند اتِّخاذها جزءًا من الدِّين، وحدود الاختلاف المعفوِّ عنه، ودلالة حديث «كل بدعة ضلالة» على عموم النهي عن الإحداث.
ويختم ببيان ما يستدلُّ به من سورة الفاتحة على لزوم الصراط المستقيم واتِّباع هدي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، ثمَّ يورد أمثلة لما يراه من آثار البدع في تغيير مناهج تلقِّي العلم والعبادة، وتقديم بعض المصنَّفات والاصطلاحات المتأخِّرة على آثار السَّلف، وإحداث هيئات ومواقيت للأعمال الدينيَّة. ويؤكِّد في خاتمته أنَّ المحافظة على السُّنَّة لا تقتصر على فعل ما ثبت الأمر به، بل تشمل ترك ما لم يُشرع التقرُّب به، وأنَّ معرفة عمل الصحابة وأقوالهم من أصول فهم النصوص والتمييز بين السُّنَّة والبدعة.