يناقش أبو بكر محمَّد بن الحسين الآجُرِّي في هذه الرسالة حكم رفع الصَّوت بتلاوة القرآن الكريم أثناء الطَّواف بالكعبة المشرَّفة إذا ترتَّب عليه إيذاء الطَّائفين والتَّشويش على قراءتهم وأذكارهم، ويُبيِّن ما ينبغي للمسلم من الخشوع والسَّكينة وحضور القلب في هذه العبادة. ويعرض المسألة في صورة سؤال عن قوم يجهرون بالقرآن في طوافهم حتى يُغلِّطوا مَن بجوارهم ممَّن يقرأ القرآن أو يذكر الله عزَّ وجلَّ بالتَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير، فإذا نُهوا عن الجهر احتجُّوا بأنَّهم يتلون كتاب الله تعالى. فيقرِّر وجوب الإنكار عليهم ووعظهم وأمرهم بخفض أصواتهم إلى القدر الذي يُسمعون به أنفسهم، ليتمكَّنوا من تدبُّر ما يتلون دون الإضرار بغيرهم. ويستدلُّ بالأحاديث الواردة في نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن جهر بعض المصلِّين بالقراءة على بعض، وما يترتَّب على ذلك من إيذاء المصلِّي وإفساد تركيزه، ثمَّ يربط بين الصَّلاة والطَّواف في وجوب مراعاة آداب العبادة واجتناب التَّشويش، مستشهدًا بالحديث الوارد في أنَّ الطَّواف صلاة أُبيح فيها الكلام. ويُوضِّح أنَّ النَّهي متعلِّق بالجهر المؤذي، فلا حرج في رفع الصَّوت بالقراءة إذا كان القارئ بعيدًا عن الطَّائفين والمصلِّين، ولم يترتَّب على قراءته تشويش عليهم.
ويُفصِّل في أحوال الطَّائفين واختلاف عباداتهم، فيذكر منهم مَن يقرأ القرآن متدبِّرًا لمعانيه، ومَن يشتغل بالتَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير، ومَن يتفكَّر في نعم الله تعالى عليه فيشكره، ومَن يستحضر ذنوبه فيستغفره ويتوب إليه. ويُبيِّن أنَّ الجهر المؤذي يُشغل هؤلاء عمَّا هم فيه من العبادة، وأنَّ على المسلم أن يتعلَّم آداب العمل الذي يتقرَّب به إلى الله عزَّ وجلَّ، وأن يراعي حقوق غيره من المتعبِّدين. ويُطبِّق الحكم كذلك على مَن يقرأ القرآن في المسجد الحرام قريبًا من موضع الطَّواف، فيأمره بخفض صوته إذا كان يُؤذي الطَّائفين، ويُبيِّن أنَّ مَن ابتعد عنهم إلى موضع لا يصلهم فيه أذى قراءته فلا بأس بجهره، ما لم يكن بجواره مصلُّون يشوِّش عليهم.
ويتناول مسألة أخرى تتعلَّق بانشغال بعض الطَّائفين بالأحاديث والمجالس أثناء الطَّواف، حتى ينصرفوا عن الذِّكر والدُّعاء ويشغلوا قلوب مَن يطوفون بجوارهم. ويخصُّ بالنَّقد مَن يُقتدى بهم من أهل العلم والقرآن والعبادة إذا فعلوا ذلك، لما يترتَّب على تصرُّفهم من اقتداء غيرهم بهم واتِّخاذ فعلهم حجَّةً في التَّساهل بآداب الطَّواف. ويُميِّز بين الكلام المباح الذي تدعو إليه الحاجة، كإلقاء السَّلام والسُّؤال عن الحال والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر وتعليم الجاهل، وبين الاسترسال في أحاديث الدُّنيا والاشتغال بما لا يعني، مع الاستدلال بما ورد في إباحة الكلام في الطَّواف بشرط أن يكون خيرًا. ويحثُّ الطَّائف على دوام الذِّكر وحضور القلب والتَّفكُّر في نعم الله تعالى، والجمع بين الخوف من عقابه والرَّجاء في رحمته، والمشي بالسَّكينة والوقار، والانقطاع عن شواغل الخلق إلى مناجاة الخالق عزَّ وجلَّ. ويورد آثارًا وأخبارًا عن السَّلف في تعظيمهم الطَّواف وشدَّة خشوعهم فيه، ومنها خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين امتنع عن إجابة عروة بن الزُّبير في أمر خطبته لابنته أثناء الطَّواف، ثمَّ أجابه بعد رجوعهما إلى المدينة، ليُبيِّن ما كان عليه من استحضار حرمة العبادة والتَّفرُّغ لها.
ويختم بذكر ما يُقال بين الرُّكن اليمانيِّ والرُّكن الأسود، فيورد أحاديث وآثارًا بأسانيدها في الدُّعاء بقوله تعالى: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، وما نُقل عن بعض السَّلف في تفسير الحسنة في الدُّنيا والآخرة. ويؤكِّد أنَّ الدُّعاء ينبغي أن يصدر عن فهم وخضوع وافتقار إلى الله تعالى، لا أن يكون ألفاظًا يردِّدها اللِّسان مع غفلة القلب عمَّا يسأل. ويورد أخبارًا في فضل الطَّواف وثوابه، وما رُوي في مباهاة الله تعالى ملائكته بالطَّائفين، وكتابة الحسنات ومحو السَّيِّئات ورفع الدَّرجات بكلِّ خطوة، وفضل إتمام سبعة أشواط، رابطًا بين رجاء هذا الثَّواب وبين الإقبال على الله تعالى بالخشوع والذِّكر وحسن الأدب واجتناب إيذاء الآخرين.