يُفنِّد ابن القيِّم في هذا الكتاب القول بأنَّ الصِّيغة المسؤول عنها أفضل صيغ الحمد وأكملها ويبحث في ثبوتها ومعناها وما بُني عليها من أحكام فقهيَّة. وقد جاءت الفتيا جوابًا عن سؤال يتعلَّق بصحَّة الحديث المنسوب إلى هذه الصِّيغة والخلاف بين رجلين في قبولها والاحتجاج بها. ويُبيِّن ابن القيِّم أنَّها لم تثبت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم وأنَّ ما رُوي فيها عن آدم عليه السَّلام لا يصحُّ الاحتجاج به لانقطاع روايته. ويناقش قول بعض الفقهاء إنَّ من حلف أن يحمد الله بأفضل المحامد برَّ بيمينه إذا قال هذه الصِّيغة ويعترض على تفضيلها على المحامد الثَّابتة في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة.
ويُحلِّل المؤلِّف معنى يوافي نعمه ويكافئ مزيده فيُوضِّح أنَّ الموافاة قد تدلُّ على الملاقاة والاقتران دون أن تستلزم تسبُّب الحمد في حصول النِّعمة. ويذكر أنَّ المكافأة تحتمل معنى صحيحًا إذا أُريد بها أنَّ نعمة الحمد ومعرفة الله تعالى والثَّناء عليه أفضل للعبد من النِّعم الدُّنيويَّة كما تحتمل معنى فاسدًا إذا أُريد أنَّ حمد العبد يُساوي نعم الله ويؤدِّي حقَّ شكرها. ويُقرِّر أنَّ العبد لا يستطيع الوفاء بشكر نعمة واحدة لأنَّ توفيقه للحمد والشُّكر نعمة أخرى تستوجب الشُّكر ويستشهد بأخبار داود عليه السَّلام وأقوال السَّلف في عجز الإنسان عن الإحاطة بحقوق الله تعالى. ثمَّ يشرح الحمد النَّبويَّ الوارد في قول غير مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنى عنه ربَّنا ويبحث في ضبط ألفاظه ودلالاتها اللُّغويَّة ووجوه إعرابها وما ذكره العلماء في عود أوصافه إلى الله تعالى أو الطَّعام أو الحمد. وينقل عن ابن تيمية بيان أنَّ المخلوق قد يُكافأ على إحسانه ويُستغنى عنه بخلاف الله تعالى الذي لا يستطيع أحد مكافأته على نعمه ولا الاستغناء عنه.
ويستقصي ابن القيِّم صيغ الحمد الواردة في القرآن الكريم والأحاديث النَّبويَّة ويستدلُّ بها على أنَّ أفضل المحامد ما حمد الله به نفسه وما ثبت عن رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم. ويورد الآيات المتضمِّنة الثَّناء على الله تعالى وما جاء من حمد الملائكة والأنبياء والمؤمنين وأهل الجنَّة ثمَّ يتناول الأذكار المأثورة في الخطب وتشهُّد الحاجة والصَّلاة والطَّعام والشَّراب واللِّباس والعُطاس وركوب الدَّابَّة وغيرها من الأحوال. ويُفصِّل صيغ الحمد الواردة عند الاعتدال من الرُّكوع وقيام اللَّيل وفي الأذكار الجامعة ويذكر فضائل التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير. كما يُبيِّن وجه تسمية الحمد دعاءً فيُفرِّق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة ويُوضِّح أنَّ الثَّناء على الله يتضمَّن معنى الدُّعاء. ويُؤكِّد أنَّ خلوَّ المحامد الثَّابتة من الصِّيغة المسؤول عنها مع كثرة المواضع التي شُرع فيها الحمد يمنع من الجزم بأنَّها أفضل المحامد وأجمعها. ويُقدِّم الصِّيغ الواردة في القرآن والسُّنَّة على ما لم يثبت فضله منها مع التَّأكيد على عظمة حقِّ الله تعالى وعجز العباد عن استيفاء شكره مهما أكثروا من حمده والثَّناء عليه.