يعالج عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن قاسم في كتاب «سهم إبليس وقوسه» خطر إطلاق البصر فيما حرَّم الله وآثاره في القلب والنَّفس والسُّلوك، ويبيِّن ما ورد في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة من الأمر بغضِّ البصر وحفظ الفرج والتَّحذير من النَّظر الذي يثير الشَّهوة ويُفضي إلى الوقوع في المعاصي. ويُوضِّح الصِّلة بين النَّظرة والخاطرة والشَّهوة والإرادة وما قد ينشأ عن تكرار النَّظر من تعلُّق القلب بالمحرَّمات وصعوبة التَّخلُّص من آثارها. ويستشهد بأقوال المُفسِّرين والعلماء وما نُقل عن الصَّحابة والتَّابعين في مجاهدة النَّفس وصيانة الجوارح، مع إيراد أخبار عن الصَّالحين وأحوالهم في العفَّة والورع ومراقبة الله. وقد جعل المؤلِّف هذا الكتاب الجزء 13 من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟»، وخصَّصه للتَّحذير من التَّساهل في النَّظر المحرَّم والموازنة بين أحوال السَّلف وما يراه من انتشار هذه المخالفة في عصره. ويعتمد في عرض الموضوع على المواعظ والتَّرغيب والتَّرهيب والاستشهاد بالنُّصوص والأخبار والأشعار، مع توجيه الخطاب إلى القارئ لحثِّه على محاسبة نفسه وحفظ بصره في مختلف أحواله.
ويبدأ المؤلِّف ببيان منزلة البصر بين نعم الله على الإنسان وما يجب من شكره باستعماله فيما أباح الله، ثمَّ يستدلُّ بقوله تعالى «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» وما تلاه من الأمر للمؤمنات بغضِّ أبصارهنَّ وحفظ فروجهنَّ. وينقل تفسير ابن كثير والشَّوكاني لهذه الآيات وما تدلُّ عليه من وجوب صرف البصر عن المحرَّمات، مع بيان أنَّ النَّهي لا يشمل جميع أنواع النَّظر، بل يستثنى منه ما أباحه الشَّرع أو دعت إليه الحاجة. ويستعرض كلام ابن القيِّم في ارتباط العين بالقلب وأنَّ إطلاق البصر قد يكون بداية لسلسلة من الخواطر والشَّهوات تنتهي إلى ارتكاب المحظور. ويشرح ما ورد في الحديث من وصف نظر العين إلى الحرام بأنَّه من زنى الجوارح، وما جاء من التَّفريق بين النَّظرة الأولى التي تقع بغير قصد ومعاودة النَّظر عمدًا. ويذكر حديث جرير بن عبد الله البجلي في الأمر بصرف البصر عند نظر الفجأة، وما ورد في وصيَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعليِّ بن أبي طالب بألَّا يتبع النَّظرة النَّظرة. كما يستشهد بقصَّة الفضل بن عبَّاس مع المرأة الخثعميَّة ليُوضِّح ما يراه من ضرورة الحذر من الفتنة، ولو كان الإنسان مشتغلًا بالعبادة والطَّاعة.
ويُفصِّل الكتاب الآثار التي ينسبها المؤلِّف إلى تكرار النَّظر المحرَّم، فيتناول انشغال القلب بصورة المنظور إليه واستمرار التَّفكير فيه وتنامي الشَّهوة وما يصاحب ذلك من الحسرة والقلق والغفلة عن الطَّاعات. ويستشهد بكلام ابن القيِّم في أنَّ النَّظرة قد تُولِّد خاطرة، ثمَّ تتحوَّل الخاطرة إلى فكرة، والفكرة إلى شهوة، والشَّهوة إلى إرادة، ثمَّ تقوى الإرادة حتى تصبح عزيمة تدفع صاحبها إلى الفعل ما لم يمنعه مانع. ويضرب أمثلة على صعوبة التَّخلُّص من التَّعلُّق بعد تمكُّنه، ويؤكِّد أنَّ معالجة النَّظر عند بدايته أيسر من محاولة إزالة آثاره بعد استقرارها في القلب. ويعرض أيضًا جواب ابن القيِّم عن مسألة من أراد إعادة النَّظر إلى امرأة تعلَّق بها قلبه بحجَّة أنَّه قد يكتشف ما يُزيل إعجابه بها، فيذكر اعتراضه على هذه الحجَّة من وجوه متعدِّدة، منها أنَّ معاودة النَّظر قد تزيد التَّعلُّق بدلًا من إضعافه، وأنَّ ما كان سببًا في المرض لا يكون طريقًا مشروعًا لعلاجه. ويُورِد في هذا السِّياق الأشعار التي تُشبِّه النَّظرات بالسِّهام وتصف ما تُحدثه في القلوب من آثار، مع التَّحذير من استصغار الذُّنوب التي قد تؤدِّي إلى ما هو أعظم منها.
ويتناول المؤلِّف الأحكام والآداب المتعلِّقة بالنَّظر إلى غير المحارم، فيُبيِّن ما يراه من حدود النَّظر المشروع وما يجوز منه لحاجة معتبرة. ويذكر النَّظر إلى المخطوبة بقصد الزَّواج، وما تدعو إليه الحاجة في الشَّهادة والمعاملات والتَّعرُّف إلى الأشخاص، وما يباح للطَّبيب من النَّظر إلى موضع العلاج بقدر الضَّرورة. كما يعرض بعض الأحكام التي وردت في كتب الفقه القديمة بشأن النَّظر عند شراء الإماء، وينقل القيود التي ذكرها الفقهاء في هذه المسائل، ولا سيَّما منع اتِّخاذ الحاجة ذريعة للتَّمتُّع بالنَّظر المحرَّم. ويُحذِّر من التَّساهل في اختلاط الأقارب غير المحارم، ويذكر ما يتعلَّق بزوجة الأخ وزوج الأخت والخلوة بالأجنبيَّة، مستشهدًا بحديث النَّهي عن الدُّخول على النِّساء وما ورد في شأن الحمو. ويتناول كذلك النَّهي عن وصف المرأة لزوجها امرأة أخرى وصفًا يُثير رغبته في النَّظر إليها. ثمَّ يربط بين حفظ البصر وآداب الاستئذان ودخول المنازل، فيستدلُّ بحديث «إنَّما جُعل الاستئذان من أجل البصر»، ويُبيِّن ما ورد في النَّهي عن الاطِّلاع على بيوت النَّاس دون إذنهم وما يتَّصل بذلك من صيانة الخصوصيَّات وحفظ الحرمات.
ويعرض الكتاب أخبارًا عن الصَّحابة والتَّابعين والزُّهَّاد في غضِّ الأبصار ومجاهدة الشَّهوات، فيذكر ما نُقل عن سعيد بن المسيِّب وسفيان الثَّوري وعمرو بن مُرَّة وابن سيرين وحسَّان بن أبي سنان وغيرهم من المواقف التي تدلُّ على شدَّة احتياطهم في النَّظر ومراقبتهم لأنفسهم. ويُورِد قصَّة الرَّبيع بن خُثيم مع المرأة التي قيل إنَّ بعض النَّاس حاولوا إغراءه بها، وما رُوي عن عبيد بن عُمير في وعظه امرأة أرادت فتنته، فذكَّرها بالموت والقبر والحساب والميزان والصِّراط حتى انصرفت عن قصدها. كما يذكر أخبارًا عن أشخاص تركوا المعصية خوفًا من الله أو تابوا بعد أن همُّوا بها، ويستشهد بما نُقل عن بعض الصَّالحين في تعظيم مراقبة الله في الخلوة. ويُناقش أثر استحضار اطِّلاع الله على السِّرِّ والعلن في كفِّ النَّفس عن المحرَّمات، وينقل قول الحارث المحاسبي في معنى المراقبة، وما نُسب إلى الجنيد من التَّوجيه إلى استحضار سبق نظر الله إلى العبد قبل نظره إلى ما يشتهيه. ويُورِد كذلك أبياتًا من الشِّعر الجاهليِّ والإسلاميِّ في العفَّة وغضِّ الطَّرف، ومنها ما نُسب إلى عنترة بن شدَّاد في الامتناع عن النَّظر إلى الجارة، ليُبيِّن أنَّ صيانة البصر عُدَّت من مكارم الأخلاق قبل الإسلام أيضًا.
ويُخصِّص المؤلِّف جانبًا للوسائل التي تعين على غضِّ البصر وحماية القلب من الشَّهوات، فيذكر مراقبة الله ومجاهدة النَّفس وقطع أسباب الفتنة من بدايتها وتجنُّب تكرار النَّظر إلى المحرَّمات. ويعرض 10 فوائد لغضِّ البصر نقلها من كلام أهل العلم، منها تخليص القلب من الحسرة، وما يذكرونه من أنَّه سبب لنور البصيرة وصحَّة الفراسة وتيسير العلم وقوَّة القلب والثَّبات وانشراح الصَّدر والتَّحرُّر من أسر الشَّهوة. ويُؤكِّد أنَّ الامتناع عن الحرام مع القدرة عليه ابتغاء مرضاة الله يختلف عن تركه لعجز أو خوف من النَّاس أو عدم تيسُّر أسبابه. ثمَّ ينتقل إلى الزَّواج بوصفه من الوسائل التي تعين على العفَّة وحفظ البصر، فيستشهد بحديث الحثِّ على الزَّواج لمن استطاع الباءة، ويعرض ما ورد عن السَّلف في تيسير النِّكاح وتقديم الدِّين والعقل وحُسن الخلق على الاعتبارات المتعلِّقة بالمظهر والمال. ويذكر أخبارًا عن الحياة الزَّوجيَّة تتناول حُسن العِشرة والصَّبر على ما يقع بين الزَّوجين من خلاف والعدل بين الزَّوجات وصيانة الحقوق عند استمرار الزَّواج أو انتهائه. ويُورِد نماذج من حياة الصَّحابة وغيرهم في التَّعامل مع الأهل والزَّوجات، ثمَّ يعود إلى التَّحذير من التَّعلُّق بالصور المحرَّمة وما قد يسبِّبه من الانصراف عن الحقوق والواجبات.
ويُفرد الكتاب مواعظ للتحذير من سوء عاقبة الاسترسال مع الشَّهوات، فيذكر حكايات عن أشخاص بدأت محنتهم بنظرة ثمَّ انتهت بتعلُّق شديد أو ارتكاب معصية أو فقدان الاستقامة. ومن ذلك قصَّة العابد الذي يروي المؤلِّف أنَّ الشَّيطان أغواه بامرأة حتى ارتكب جرائم متتابعة وانتهى به الأمر إلى الكفر، وقصَّة الرَّجل الذي احتال على امرأة سألته عن طريق حمَّام منجاب ثمَّ تعلَّق بها حتى صار يردِّد ذكرها عند موته. كما يورد خبر مؤذِّن قيل إنَّه افتتن بامرأة نصرانيَّة فترك دينه رغبة في الزَّواج بها، وخبر شابٍّ كان معروفًا بالعبادة وقراءة القرآن ثمَّ تنصَّر بعد تعلُّقه بامرأة في أرض الرُّوم. ويسوق هذه الحكايات في سياق التَّحذير من سوء الخاتمة والاغترار بالاستقامة السَّابقة، دون أن يُفرد بحثًا مستقلًّا للتحقُّق من ثبوت كلِّ خبر. ويُقابل هذه الأخبار بمواعظ في التَّوبة والاستغفار والرُّجوع إلى الله بعد الوقوع في الذَّنب، ويستدلُّ بالآيات الدَّالَّة على المغفرة وعدم الإصرار على المعصية، ومنها قوله تعالى «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ». ويختم الكتاب بالتَّرغيب في نعيم الجنَّة وما أُعدَّ للمتَّقين من الأزواج المُطهَّرة، والحثِّ على استعمال نعمة البصر في قراءة القرآن والتَّفكُّر في خلق الله بدلًا من استعمالها فيما حرَّمه، ثمَّ يُتبِع الخاتمة بقائمة المصادر التي اعتمد عليها، وفي مقدِّمتها كتب ابن القيِّم وابن الجوزيّ والغزاليّ وأبي نعيم وابن أبي الدُّنيا وغيرهم.