يُمَيِّز ناصر بن سليمان العُمَر في هذا الكتاب بين السَّعادة الحقيقيَّة والسَّعادة الوهميَّة، مُوَضِّحًا أنَّ النَّاس، على اختلاف أديانهم وأحوالهم ومقاصدهم، يشتركون في طلب السَّعادة، لكنَّ كثيرًا منهم يُخْطِئ الطَّريق إليها، فيَلْتَمِسُها فيما لا يُحَقِّق له الطُّمأنينة وراحة النَّفس. ويُعَرِّف السَّعادة بأنَّها شعورٌ مستمرٌّ بالغِبْطَة والطُّمأنينة والأَرْيَحِيَّة والبَهْجَة، يقوم على ثلاثة أركانٍ: خَيْرِيَّة الذَّات، وخَيْرِيَّة الحياة، وخَيْرِيَّة المصير. ويُبَيِّن أنَّ السَّعادة الحقيقيَّة لا تَنْفَصِل عن الإيمان بالله تعالى والعمل الصَّالح، وأنَّ ما يَظْهَر على الإنسان من ثراءٍ أو شهرةٍ أو مكانةٍ اجتماعيَّةٍ لا يَلْزَم منه أن يكون سعيدًا.
ويَعْرِض أبرزَ الأوهام المتعلِّقة بالسَّعادة، وفي مقدِّمتها اعتقادُ أنَّها تتحقَّق بجَمْع الأموال وتَكَاثُر الثَّروات، مُوَضِّحًا ما قد يُصَاحِب الغِنَى من خوفٍ على المال، وقَلَقٍ من فَقْدِه، وانشغالٍ بتحصيله وحفظه. ويَسْتَشْهِد بقصَّة قارون، ويَسْرُد أخبارًا عن بعض الأثرياء، ومنها قصَّة كريستينا أوناسيس، لبيان أنَّ وفرة المال لا تَضْمَن السَّعادة. ويَتَنَاوَل وَهْمَ السَّعادة في الشُّهْرَة، ولا سيَّما شُهْرَة الرِّياضيِّين والفنَّانين، وما قد يَعْتَرِي حياتَهم من اضطرابٍ وخوفٍ من زوال الشُّهْرَة، ثمَّ يَنْتَقِل إلى الاعتقاد بأنَّ نَيْل الشَّهادات العُلْيَا أو الوصول إلى المناصب الرَّفيعة كافٍ لتحقيق السَّعادة. ويُورِد في ذلك قصصًا وأمثلةً من حياة أشخاصٍ اشتهروا بالغِنَى أو الفنِّ أو السُّلْطَان، مُبَيِّنًا ما أصاب بعضَهم من الشَّقاء رغم ما امتلكوه من أسباب النَّعيم الدُّنْيَوِيِّ.
ويُوَضِّح موانعَ السَّعادة وأسبابَ الشَّقاء، فيَذْكُر الكُفْرَ بالله تعالى، وارتكابَ المَعَاصِي والآثام، والحَسَدَ والغَيْرَة والحِقْدَ والغِلَّ والغَضَب، والظُّلْمَ والخوفَ من غير الله تعالى، والتَّشَاؤُم وسُوءَ الظَّنِّ والكِبْر، وتَعَلُّقَ القلب بغير الله تعالى، وتَعَاطِي المُخَدِّرَات والمُسْكِرَات. ويَرْبِط هذه الموانعَ بما تُحْدِثه في النَّفس من قَلَقٍ واضطرابٍ وضِيقٍ، مُسْتَدِلًّا بالآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة، ومُورِدًا أقوالًا وقصصًا تُوَضِّح آثارَها في حياة الإنسان.
ويُبَيِّن بعد ذلك أسبابَ السَّعادة الحقيقيَّة وصفاتِ أهلها، فيَجْعَل في مُقَدِّمَتِها الإيمانَ بالله تعالى والعملَ الصَّالح، والإيمانَ بالقضاء والقَدَر، والرِّضا بما قَسَمَه الله تعالى، وتَحْصِيلَ العلم الشَّرعيِّ، والإكثارَ من ذِكْر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم. ويَذْكُر انشراحَ الصَّدر وسلامتَه من الأحقاد، والإحسانَ إلى النَّاس، والنَّظرَ إلى مَن هو دون الإنسان في أمور الدُّنيا، وإلى مَن هو فوقه في أمور الآخرة، وقِصَرَ الأمل وعدمَ التَّعلُّق بالدُّنيا والاستعدادَ للموت. ويُؤَكِّد أنَّ سعادة المؤمن الكاملة إنَّما تكون في الآخرة، ويُبَيِّن أثرَ مُصَاحَبَة الأخيار والرِّفْقَة الصَّالحة، والعَفْو عمَّن أساء، ومُقَابَلَة السَّيِّئَة بالحَسَنَة، والكلمةِ الطَّيِّبَة، والالتجاءِ إلى الله تعالى وكثرةِ الدُّعاء. ويَسُوق لتوضيح هذه المعاني أخبارًا عن عددٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم والعلماء والصَّالحين، مُبْرِزًا ما كان لهم من ثباتٍ وطُمأنينةٍ عند الابتلاء، وما أَثْمَرَه الإيمانُ في نفوسهم من صَبْرٍ ويقينٍ. وتَنْتَهِي مباحثُ الكتاب إلى الدَّعوة إلى التَّحَرُّر من أوهام السَّعادة الدُّنْيَوِيَّة، والتَّمَسُّك بأسباب الحياة الطَّيِّبَة القائمة على الإيمان والطَّاعة، وابتغاء السَّعادة الباقية في الآخرة.