
نبذة عن الكتاب:
يواجه محمد الغزالي في «قذائف الحق» المحاولات الرَّامية إلى إقصاء الإسلام عن توجيه الحياة العامَّة وحصره في العبادات الفرديَّة، وينطلق من أنَّ جانبًا من الإسلام عُطِّل أو جُمِّد، وأنَّ الصِّراع الدَّائر في المجتمعات الإسلاميَّة يتجاوز الخلاف على بعض الأحكام إلى الخلاف على بقاء الإسلام عقيدةً وشريعةً ونظامًا للحياة. ويؤكِّد أنَّ الإسلام ليس اعتقادًا فرديًّا فحسب، بل عقيدة وشريعة، وعبادات ومعاملات، وأنَّ للمسلمين حقًّا في أن ينظِّموا مجتمعاتهم وفق تعاليم دينهم مع حفظ حرِّيَّة غير المسلمين في معتقداتهم.
ويجعل الغزو الفكري والثَّقافي أحد المحاور الكبرى للكتاب، فينتقد النُّخب التي ورثت عن الغرب تصوُّراتٍ تُبعد الوحي عن التَّربية والقانون والحياة الاجتماعيَّة، ويعترض على حصر الدِّين في المسجد أو الضَّمير الفردي. كما ينتقد المناهج والتوجيه الإعلامي حين يؤدِّيان إلى جهل المسلمين بدينهم أو تصوير الالتزام به تخلُّفًا، ويدعو إلى إعادة بناء التَّعليم والدَّعوة بحيث يجتمع التَّكوين العلمي مع التَّربية الخُلُقيَّة والدِّينيَّة.
ويخصِّص جانبًا واسعًا للرَّد على النَّشاط التَّبشيري والخطاب النَّصراني الموجَّه إلى المسلمين، فيناقش عقائد التَّثليث والتجسُّد والصَّلب والفداء والخطيئة الموروثة، ويقابلها بالتَّوحيد ومسؤوليَّة الإنسان الفرديَّة عن عمله وإمكان التوبة المباشرة إلى الله تعالى. وينقل نصوصًا من العهد القديم والعهد الجديد ومنشورات تبشيريَّة معاصرة له، ثمَّ يكشف ما فيها من تناقض مع تنزيه الله تعالى وعدله، وانتقاص لمقام الأنبياء عليهم السَّلام، وتحميل الإنسان خطيئة غيره.
ويتوقَّف عند عدد من روايات العهد القديم المتعلِّقة بالأنبياء عليهم السَّلام وأسرهم، ويرفض ما تنسبه إليهم من شرب أو زنا أو خداع أو عنف، ويبيِّن أنَّ القرآن قدَّم مقام النُّبوَّة منزَّهًا عن هذه المطاعن. ومن هنا يجعل الخلاف العقدي مع النَّصرانيَّة أعمق من مسألة وقوع الصَّلب وحدها؛ إذ يردُّه إلى حقيقة المسيح عيسى عليه السَّلام: أهو عبدٌ رسول كما يقرِّر الإسلام، أم ذو طبيعة إلهيَّة كما تقول العقيدة النَّصرانيَّة، وإلى مسألة الفداء في مقابل التوبة والعمل والمسؤوليَّة الشَّخصيَّة.
وينتقد الاعتماد على الخوارق والحكايات الشَّعبيَّة في تثبيت الاعتقاد، ويعرض مثال ما عُرف بتجلِّي العذراء في الزَّيتون، ناقلًا التفسير العلمي للظَّاهرة بوصفها ظاهرةً ضوئيَّة أو كهربائيَّة طبيعيَّة. ويستعمل هذه الواقعة لتأكيد أنَّ العقيدة لا تُبنى على الإشاعات والانفعالات، وأنَّ العقل والعلم لا ينبغي تعطيلهما عند النَّظر في القضايا الدِّينيَّة.
ويمتدُّ نقده إلى العلاقة بين الكنائس الغربيَّة والاستعمار والحروب الصَّليبيَّة القديمة والحديثة، فيستعرض وقائع وأمثلة تبيِّن استخدام الدِّين في الصِّراع السِّياسي والعسكري، وينقد التناقض بين شعارات المحبَّة والسَّلام وبين الممارسات العدوانيَّة تجاه المسلمين. وفي مقابل ذلك يؤكِّد إمكان التَّعايش بين المسلمين والنَّصارى والوحدة الوطنيَّة ما دام كلُّ طرف يحترم عقيدة الآخر ولا يحاول إضعافها أو استغلال السُّلطة والثَّقافة للطَّعن فيها.
ويتناول القوميَّة العربيَّة وعلاقتها بالإسلام، فيرفض الصِّيغة التي تجعل العروبة بديلًا من الدِّين أو تشترط إبعاده عن تكوين المجتمع، ويؤكِّد أنَّ التَّاريخ والثَّقافة العربيَّين لا يمكن فصلهما عن الأثر العميق للقرآن والإسلام. وفي الوقت نفسه لا يجعل مجرَّد الشِّعار القومي كافيًا للنُّهوض، بل ينتقد التَّنازع بين القوميَّات والمصالح الحكوميَّة والتَّصوُّرات المستوردة التي تحوِّل الوحدة إلى لافتة لا إلى مشروع حضاري.
ويعرض قضيَّة فلسطين والصِّراع مع إسرائيل، فيربط قيام المشروع الصُّهيوني بالتفسيرات الدِّينيَّة اليهوديَّة وبالدَّعم الغربي السِّياسي والعسكري، وينتقد انحياز القوى الغربيَّة إلى إسرائيل على حساب العرب وحقوقهم. كما يناقش العلاقة بالقوى الدُّوليَّة الأخرى من منظور المصلحة والعدل، فيصرِّح برفضه الإلحاد من جهة، وبإمكان تقدير موقف سياسي أو عسكري يسهم في دفع العدوان من جهة أخرى، فلا يجعل الانتماء العقدي وحده معيارًا للحكم على كلِّ موقف سياسي.
ويردُّ جانبًا كبيرًا من ضعف المسلمين إلى أسباب داخليَّة كذلك، فلا يحصر المشكلة في خصوم الخارج؛ إذ ينتقد الجهل، وسوء التَّربية، وفساد الإدارة، والفراغ الفكري، والتعلُّق بالمظاهر، وضعف الصِّلة بين العلم والأخلاق. ويؤكِّد أنَّ امتلاك الوسائل الحديثة والقوَّة المادِّيَّة لا يكفي إذا بقيت النُّفوس بلا بناء خلقي وإيماني، وأنَّ بناء الإنسان يسبق الانتفاع الحقيقي بالمصانع والجيوش والمؤسَّسات.
ويقترح في جانب الدَّعوة إصلاح مناهج التَّعليم الدِّيني، ورفع مستوى إعداد الدُّعاة، وتوسيع آفاق الخطاب الإسلامي ليشمل ميادين الحياة المختلفة، وإقامة تعاون بين الجامعات والمؤسَّسات الإسلاميَّة، ومتابعة الأنشطة التَّبشيريَّة المنظَّمة، ورعاية المسلمين خارج بلادهم، وربط العمل الدَّعوي بدراسة الواقع بدل الاكتفاء بخطاب محدود لا يواجه التَّحدِّيات الجديدة.
ويعود في أواخر الكتاب إلى التَّعليم والتَّربية بوصفهما من مفاتيح النُّهوض، فينتقد اختزال العلم في الشَّهادة والوظيفة وتحسين مستوى المعيشة، ويؤكِّد أنَّ المعرفة التي لا تغيِّر السُّلوك ولا تهذِّب المقاصد تترك المجتمع قادرًا على تحديث وسائله مع بقاء علله الخُلُقيَّة والفكريَّة. ولذلك يربط مستقبل المجتمع باجتماع العلم والتَّربية، وبحضور قيم الإسلام في تكوين الإنسان، لا بمجرد تكديس المعلومات أو استيراد النُّظم.
ويتحرَّك «قذائف الحق» بين الرَّد العقدي والنَّقد الثَّقافي والسِّياسي والاجتماعي، مستعملًا المقالة والحوار والنَّقل من الكتب والصُّحف والمنشورات والوقائع المعاصرة، ومعبِّرًا في كثير من مواضعه بلغة سجاليَّة حادَّة تناسب الظُّروف التي كُتب فيها. وتدور قضيَّته الكبرى حول ضرورة إعادة الإسلام إلى موقعه في العقيدة والأخلاق والتَّشريع والتَّربية، ومقاومة تحريف الدِّين أو استغلاله، والغزو الفكري والسِّياسي الذي يستهدف الأمَّة وهويَّتها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:








