
نبذة عن الكتاب:
يستخلص مرعي بن يوسف الكَرْمي في هذا الكتاب مسائل النَّسخ في القرآن الكريم من كلام المفسِّرين والأصوليِّين، جامعًا ما تفرَّق في مصنَّفاتهم ومختصرًا ما طال من مباحثهم، مع إضافة فوائد وترجيحات وتنبيهات قصد بها تقريب هذا العلم وتيسير الوقوف على مواضعه. وينطلق من أهميَّة معرفة النَّاسخ والمنسوخ في فهم الأحكام، لما يترتَّب على الجهل به من الخلط بين الأمر والنَّهي، والإباحة والحظر، ثمَّ يرتِّب كتابه على مقدِّمات تأصيليَّة يتبعها تطبيق على سور القرآن وآياته.
ويفتتح بتحرير معنى النَّسخ في اللُّغة واستعمالاته، فيذكر معاني الرَّفع والإزالة والتَّبديل والنَّقل، ثمَّ يناقش تنزيل هذه المعاني على اصطلاح النَّسخ في القرآن. ويعرض أقوال مكي بن أبي طالب وابن النَّحَّاس وصاحب «الإيجاز» في معنى النَّقل، ويميِّز بين نسخ القرآن من اللَّوح المحفوظ بمعنى نقله وبين النَّسخ الاصطلاحي الواقع في الأحكام بعد نزول القرآن، محاولًا رفع الخلاف بين الأقوال بحمل كلِّ قول على محلِّه.
ويقسِّم المنسوخ إلى صور متعدِّدة بحسب بقاء اللَّفظ والحكم أو ارتفاعهما؛ فيذكر ما رُفع رسمه وبقي حكمه، وما بقي رسمه ورُفع حكمه، وما رُفع حكمه ورسمه، وما بقي محفوظًا مع رفع حكمه، وما انتهى العمل به لزوال العلَّة التي عُلِّق عليها، وما نُسخ فيه مفهوم الخطاب مع بقاء اللَّفظ المتلو. ويضرب لكلِّ قسم أمثلة، كآية الرَّجم، وآيات العدَّة، وما ورد في الرَّضاع، وأحكام المهادنة، ومراحل تحريم الخمر.
ثمَّ يقسِّم النَّاسخ من جهة طبيعة الحكم، فيبحث انتقال المكلَّف من فرض إلى فرض آخر لا يجوز معه الرجوع إلى الأوَّل، ومن فرض إلى حكم أخفَّ مع بقاء جواز الإتيان بالأشدِّ، ومن فرض إلى التَّخيير مع بقاء الفعل الأوَّل أفضل في بعض الصُّور. ويورد لذلك أمثلةً من أحكام الزِّنى والمصابرة في القتال وقيام اللَّيل والصِّيام، كما ينقل قول من ألحق بذلك انتقال الحكم من النَّدب إلى الفرض، ويناقش هل يسمَّى هذا نسخًا حقيقةً.
ويفرد فصلًا لما يجوز أن يكون ناسخًا ومنسوخًا، فيثبت نسخ القرآن بالقرآن، ثمَّ يعرض الخلاف في نسخ السُّنَّة بالقرآن، ويحاول التَّوفيق بين المانعين والمجيزين بالتَّفريق بين السُّنَّة المستقلَّة والسُّنَّة المبيِّنة للقرآن. ثمَّ يناقش مسألة نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة، وينقل أدلَّة الفريقين، ويرجِّح المنع، ويجعل السُّنَّة في مثل آية الوصيَّة مبيِّنة للنَّاسخ القرآني لا ناسخةً بنفسها. كما يذكر اتِّفاق العلماء على وقوع نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة، ويتناول حكم دعوى النَّسخ بالإجماع أو القياس.
ويربط معرفة النَّاسخ والمنسوخ بمعرفة تاريخ النُّزول؛ لأنَّ المتأخِّر هو الذي ينسخ المتقدِّم، لا ترتيب الآيات في المصحف. ولذلك يعتني بتمييز المكِّي والمدني، وينقل علاماتٍ يستدلُّ بها العلماء على كلٍّ منهما، كصيغ الخطاب، وذكر المنافقين، والحدود والفرائض، وقصص القرون الماضية. ويجعل هذا التَّمييز أصلًا في تعيين المتقدِّم والمتأخِّر عند اختلاف الآيات في الأحكام.
ويفرِّق بين النَّسخ والتَّخصيص والاستثناء؛ فالنَّسخ عنده يرفع حكمًا سابقًا بانتهاء زمن العمل به، أمَّا التَّخصيص فيبيِّن أنَّ بعض أفراد اللَّفظ العام لم يدخل في الحكم أصلًا، ولذلك يلخِّص الفرق بأنَّ التَّخصيص يتعلَّق ببيان الأعيان، والنَّسخ ببيان الأزمان، في حين يكون الاستثناء متَّصلًا بالكلام الذي أخرج بعض أفراده.
ويبحث بعد ذلك المجالات التي يدخلها النَّسخ، فيذكر الخلاف في دخوله الأخبار، ويميِّز بين الخبر المحض الذي لا يحتمل التَّغيُّر وبين ما تضمَّن حكمًا أو معنى الأمر والنَّهي. كما يقرِّر جواز انتقال الحكم من الأخفِّ إلى الأثقل ومن الأثقل إلى الأخفِّ بحسب ما يعلمه الله تعالى من مصالح عباده، ثمَّ يفصِّل الفرق بين النَّسخ والبداء؛ فالنَّسخ لا يستلزم تجدُّد علمٍ لله تعالى، لأنَّ ابتداء الحكم وانتهاءه معلومان له سبحانه من الأصل، بخلاف البداء الذي ينشأ عند المخلوق من ظهور ما لم يكن معلومًا له قبل ذلك.
وبعد هذه المقدِّمات ينتقل إلى التطبيق، فيصنِّف سور القرآن بحسب دخول النَّاسخ والمنسوخ فيها؛ فيذكر السُّور التي اجتمع فيها الأمران، والسُّور التي دخلها المنسوخ دون النَّاسخ، والسُّور التي دخلها النَّاسخ دون المنسوخ، وما خلا منهما بحسب ما نقله واعتمده. ويضع قبل التَّفصيل ضوابط عامَّة استعملها المتقدِّمون في هذا الباب، ولا سيَّما ما يتعلَّق بآيات القتال والعفو والصَّفح والمهادنة وبعض العبادات.
ثمَّ يسير على ترتيب سور القرآن، فيذكر لكلِّ سورة ما يتعلَّق بمكِّيَّتها ومدنيَّتها وعدد آياتها، ثمَّ يورد الآيات التي قيل بنسخها أو نسخها لغيرها، ويعيِّن الآية النَّاسخة حيث ذُكرت، وينقل أقوال المفسِّرين في مواضع الاتِّفاق والخلاف. ولا يكتفي بترديد دعوى النَّسخ دائمًا؛ بل يعترض عليها في مواضع، فيحكم ببقاء بعض الآيات محكمةً إذا أمكن الجمع بينها وبين غيرها، أو يجعل ما سمَّاه بعضهم نسخًا من باب التَّخصيص أو التَّوقيت أو الاستثناء. ومن أمثلة ذلك بحثه في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾، وفي آية التَّوجُّه في الصَّلاة، حيث يناقش دعوى النَّسخ ويرجِّح بقاء الحكم بحسب دلالة السِّياق وسبب النُّزول.
ويستمرُّ بهذه الطَّريقة في نحو مائتين وعشرين آية بين ما نُقل الاتِّفاق على نسخه وما وقع فيه الخلاف، جامعًا أقوال السَّلف والمفسِّرين ومميِّزًا - عند الحاجة - بين النَّسخ الحقيقي وبين التَّخصيص أو البيان أو انتهاء الحكم بانتهاء علَّته. وبذلك ينتظم القسم التَّطبيقي للكتاب سورةً سورة، حتى يضع أمام القارئ خلاصةً مرتَّبة لما تناوله علماء النَّاسخ والمنسوخ من آيات القرآن، مقرونةً بما اختاره المؤلِّف من اعتراض أو جمع أو ترجيح في عدد من المواضع.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














