نبذة عن الكتاب:
إنَّ “معالم التنزيل” المشهور بـ”تفسير الغوي” كتاب متوسط، نقل فيه مصنِّفه “الحسين بن مسعود البغوي” عن مفسري الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، وهو من أجلِّ الكتب وأنبلها وأسناها، حاوٍ للصحيح من الأقوال، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، مُحَلَّى بالأحاديث النبوية والاَثار الغالب عليها الصحة. قال العلامة تقي الدين ابن تيمية: “والبغوي تفسيره مختصر من الثعالبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة، والاَراء المبتدعة”، وقد سُئل عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري أم القرطبي، أم البغوي أو غير هؤلاء؟ فأجاب: “وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة: البغوي”. وقد بين “البغوي” شيئًا من ذلك في مقدمته إذ يقول: “فسألنى جماعة من أصحابي المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين: كتابًا في معالم التنزيل وتفسيره فأجبتهم إليه، معتمدًا على فضل الله وتيسيره، ممتثلًا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: “إن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا”، واقتداءً بالماضين من السلف في تدوين العلم، إبقاء على الخَلَف”. والحق أنه استجاب أجزل الله مثوبته لرغبة طلابه وأصحابه آخذًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقتديًا بالسلف الصالح في كتابه العَلَم حيث يقول: “فجمعت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوه كتابًا متوسطًا، بين الطويل الممّل، والقصير المخل، أرجو أن يكون مفيدًا لمن أقبل على تحصيله مريدًا”. ومن خلال البحث يمكننا أن نقف على منهج الإمام البغوي فنوجزه بما يلي:
1- يتعرض لتفسير الآية الكريمة بلفظ سهل موجز، لا تكلُّف في لغته ولا تطويل، فهو يكتفي بالوقوف على الكلمة الغريبة ليكشف عن معناها بالرجوع إلى أصلها ومصدرها، مستدلًا بالآيات والأحاديث وما أثر عن الصحابة والتابعين وبأقوال أهل اللغة.
2- يسلك السبيل القويم في بيان المعاني فيفسر القرآن بالقرآن أو بالحديث أو بأقوال الصحابة، ويستأنس بأقوال التابعين والمجتهدين، وذلك أن القرآن يفسر بعضه بعضًا فما أُجمل في موضع فُصِّل في موضع آخر، وقد تخصص آية عموم آية أخرى.
ونجده يعتمد الجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد، ليوضح معنى كلمة في الآية.
وأما اعتماد الإمام البغوي على السنة في تفسير القرآن الكريم فهو سمة واضحة في تفسيره. كيف لا وهو محيي السنة! ولذا فقد جاء تفسيره حافلًا بالأحاديث التي انتخبها فذكرها بأسانيدها، وقلَّ أن يذكر حديثًا بغير إسناد، أو يورد حديثًا ضعيفًا، وقد نجده يسوق عدة أحاديث عند الآية الواحدة.
3- يتعرض للقراءات من غير إسراف وذلك حين يجد أن القراءة يترتب عليها تَغَيُّرُ المعنى.
4- يعرض لرأي أهل السنة ولآراء مخالفيهم مع الانتصار لرأي أهل السنة مدللًا عليه بالمنقول والمعقول.
5- ويظهر بوضوح اهتمامه بالآراء الفقهية فكثيرًا ما نجده يبسط آراء الفقهاء ويرجِّح رأي الشافعية وهو من أبرز فقهائهم، وأحيانًا يورد الآراء بدون ترجيح والقارئ الكريم سيجد هذا المنهج من خلال قراءته لهذا التفسير.
6- يذكر أحيانًا بعض الإسرائيليات، ونراه يمر على بعضها -وهي قليلة مقارنة بالتفاسير الموجودة بين أيدينا- دون التعقيب عليها، كما فعل عند ذكره لقصة هاروت وماروت في مسخ المرأة الجميلة إلى كوكب الزهرة!
ويجدر بنا أن نشير إلى أن الإسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
ب- قسم يخالف شرعنا ويناقضه، وهو مردود ولا تصح روايته.
ت- قسم نتوقف فيه، فلا هو من القسم الأول، ولا من الثاني وهذا لا حرج من روايته إن كان موضوعه بعيدًا عن العقيدة والأحكام.
فقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة: باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وفي الاعتصام: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ}” [جزء من الآية 136 من سورة البقرة].
والخير للمفسر أن يقلع عن هذه الإسرائيليات -أي القسمين الأخيرين- وأن يعرض عما لا طائل منه ويعد صارفًا وشاغلًا عن الأصول المعتمدة في شرعنا وهذا أحكم وأسلم.
7- ويلاحظ أنه رحمه الله أكثر الرواية عن الكلبي: وهو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن عبد الحارث الكلبي، الكوفي، مات بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. قال معتمر بن سليمان عن أبيه: كان بالكوفة كذابان، أحدهما الكلبي.
والحق أن البغوي، وهو من أهل الحديث وتحرير الروايات، لم يجعل ما ينقله عن الكلبي مناط الجزم في معنى الآية ولكنَّ التوسع في النقل أحيانًا ليعلم الناس ما قيل في مفهوم الآية جعله يستشهد بأقوال الكلبي، علمًا أنه قد يقول كلامًا جيدًا في التفسير موافقًا لما ورد في المأثور. والكلبي معروفة رواياته، وموقف العلماء منها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لتظهر روابط القراءة والتحميل الخاصة بها: