يُفصِّل محمَّد بن بير علي البِرْكِوِي في كتاب «ذُخْر المتأهِّلين والنِّساء في تعريف الأطهار والدِّماء» أحكام الحيض والنِّفاس والاستحاضة على المذهب الحنفي، مبيِّنًا الفروق بينها وضوابط التَّمييز بين الدَّم الصَّحيح والدَّم الفاسد، وما يترتَّب على ذلك من أحكام الطَّهارة والعبادات والمعاشرة الزَّوجيَّة. ويشرح المصطلحات المتعلِّقة بهذه المسائل، ومنها الطُّهر الصَّحيح والفاسد والتَّامُّ والنَّاقص، والمرأة المبتدأة والمعتادة والمُضِلَّة التي نسيت عادتها، ثمَّ يقرِّر القواعد المعتمدة في تقدير مُدَد الحيض والنِّفاس والطُّهر، فيحدِّد أقلَّ الحيض بثلاثة أيَّام ولياليها وأكثره بعشرة أيَّام، وأكثر النِّفاس بأربعين يومًا دون تحديد لأقلِّه، وأقلَّ الطُّهر الفاصل بين الحيضتين بخمسة عشر يومًا. ويبحث في ثبوت العادة وانتقالها من حيث العدد والزَّمان، وأثر انقطاع الدَّم وعودته، وحكم الطُّهر المتخلِّل بين الدَّمين، وما إذا كان فاصلًا بين حيضتين أو ملحقًا بالدَّم المتوالي. ويبيِّن متى يبدأ حكم الحيض والنِّفاس والاستحاضة وينتهي، وأثر ظهور الدَّم أو احتباسه، واختلاف ألوان الإفرازات، وأحكام الدَّم المصاحب للولادة والسِّقط وتعدُّد المواليد. ويتناول أحوال المبتدأة والمعتادة عند موافقة الدَّم للعادات السَّابقة أو مخالفته لها، وما يترتَّب على تجاوز الدَّم أكثر مُدَّة الحيض أو النِّفاس من الرُّجوع إلى العادة أو انتقالها، مع تطبيق هذه الضَّوابط على مسائل متعدِّدة تختلف فيها مُدَد الدَّم والطُّهر وترتيبهما.
ويتوسَّع البِرْكِوِي في أحكام استمرار الدَّم وانقطاعه، فيبحث في التَّمييز بين الحيض والاستحاضة عند امتداد النَّزيف، وحكم المرأة التي استمرَّ بها الدَّم قبل استقرار عادتها أو بعد ثبوتها، وما يُعتمد عليه في تقدير أيَّام حيضها وطهرها. ويُفصِّل في أحوال المُضِلَّة التي نسيت عدد أيَّام عادتها أو موضعها من الشَّهر أو نسيتهما معًا، فيبيِّن أحكام التَّحرِّي والتَّيقُّن والاحتياط، وما يلزمها من صلاة وصيام وغُسل وقضاء، وكيفيَّة التَّعامل مع الأيَّام المشكوك في كونها حيضًا أو طهرًا. ويتناول أثر الحيض والنِّفاس في الصَّلاة والصِّيام وقراءة القرآن الكريم ومسِّ المصحف ودخول المسجد والطَّواف والجماع، وما يجب عند انقطاع الدَّم من الغُسل أو التَّيمُّم، ويفرِّق بين الأحكام المشتركة للحيض والنِّفاس والأحكام المختصَّة بالحيض، ومنها انقضاء العِدَّة والاستبراء وثبوت البلوغ والتَّمييز بين الطَّلاق السُّنِّيِّ والبِدْعيِّ. ويشرح كذلك أحكام الاستحاضة من جهة نقض الوضوء، وما يتعلَّق بصاحب العذر الدَّائم من شروط ثبوت عذره واستمراره وانقطاعه وأحكام طهارته وصلاته، مع بيان الفروق بين أحكام الحيض والنِّفاس والجنابة والحدث الأصغر.
ويشرح محمَّد أمين بن عمر ابن عابدين الدِّمشقي هذه المسائل في كتاب «منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهِّلين في مسائل الحيض»، فيحرِّر عبارات البِرْكِوِي ويكشف ما اختصره من الأحكام والقيود والاستثناءات، مستندًا إلى أقوال فقهاء الحنفيَّة ونصوص كتب المذهب المعتمدة. ويُناقش اختلاف الرِّوايات والتَّصحيحات الفقهيَّة، ويبيِّن ما استقرَّ عليه الاختيار للفتوى، مع تعليل الأحكام وتوضيح الفروق الدَّقيقة بين الصُّور المتشابهة. ويعتني خاصَّةً بقواعد ثبوت العادة وانتقالها، والطُّهر الفاصل وغير الفاصل، والحيض الحقيقيِّ والحكميِّ، وما يترتَّب على تغيُّر مُدَد الدِّماء والأطهار من تصحيح الأحكام السَّابقة. ويُفصِّل أحوال المبتدأة والمعتادة والمُضِلَّة، وأحكام استمرار الدَّم بعد الولادة أو انقطاعه وعودته، وما يتعلَّق بتقدير أوقات الطَّهارة والغُسل والصَّلاة والصِّيام، ويشرح الأمثلة الفقهيَّة التي أوردها البِرْكِوِي، مبيِّنًا وجه تطبيق القواعد عليها ومواضع الإشكال في حساب أيَّام الحيض والنِّفاس والاستحاضة.
ويستكمل هداية هارتفورد وأشرف منيب هذه المباحث في كتاب «إرشاد المكلَّفين إلى دقائق ذخر المتأهِّلين»، فيستخرجان من المتن وشرحه القواعد العامَّة المنظِّمة لأحكام الدِّماء، والقواعد الخاصَّة بالحيض والنِّفاس، ويطبِّقانها على أمثلة تفصيليَّة توضِّح أحوال المرأة عند اختلاف أيَّام الدَّم والطُّهر. ويُحلِّلان كلَّ مسألة بتحديد العادة السَّابقة، ومواقع الدَّم والطُّهر ومُدَدهما، ثمَّ بيان الحكم الإجماليِّ والتَّفصيليِّ لكلِّ يوم، وما يجب فيه من صلاة وصيام واغتسال، وما يحلُّ أو يحرم من المعاشرة الزَّوجيَّة. ويُوضِّحان كيفيَّة تصحيح الأحكام عند تجاوز الدَّم عشرة أيَّام في الحيض أو أربعين يومًا في النِّفاس، أو تخلُّل طُهر ناقص بين الدَّمين، وما قد يترتَّب على ذلك من قضاء العبادات. ويتناولان كذلك مسائل تجمع بين أحكام الحيض والنِّفاس، وحكم الدَّم المصاحب للسِّقط الذي لم يستبن خلقه، والتمييز بين الإفرازات الطَّبيعيَّة والإفرازات النَّاتجة عن الالتهابات، مع بيان طريقة ضبط العادة وتسجيل أيَّام الدَّم والطُّهر للاستعانة بها في تحديد الأحكام عند تغيُّرها.