
نبذة عن الكتاب:
يُقوِّم محمد بن أحمد بن هشام اللَّخمي الإشبيلي في هذا الكتاب الألفاظ الدارجة على ألسنة العامَّة، فيميِّز ما وافق منها كلام العرب ممَّا دخله التحريف والتصحيف، ويردُّ على مَن توسَّع من اللغويين في تخطئة الناس مع ثبوت ما يستعملونه في لغة فصيحة أو رواية صحيحة. وقد جعل تصحيح الألفاظ المستعملة أول ما ينبغي لطالب اللغة أن يبدأ به، لأنَّ مَن أحكم ما يجري على لسانه كان الانتقال إلى سائر أبواب العربيَّة أيسر عليه.
ويقسِّم الكتاب إلى ستة أقسام: الرد على أبي بكر الزبيدي في «لحن العامَّة»، والرد على ابن مكي الصِّقلي في «تثقيف اللسان»، ثمَّ ما جاء عن العرب فيه لغتان فأكثر، وما تلحن فيه العامَّة ولا يحتمل التأويل ولا يشهد له لسان العرب، وما وضعته العامَّة لشيء واحد وهو في العربيَّة واقع على شيئين أو أشياء، ثمَّ ما تمثَّلت به العامَّة من عبارات مأخوذة من أشعار المتقدِّمين.
ويبدأ بمراجعة ما خطَّأه الزبيدي، فيعرض العبارة التي أنكرها ثمَّ يختبر حكمه بما حفظته كتب اللغة والشِّعر والرِّواية. فإذا وجد الاستعمال ثابتًا عن العرب ردَّ التخطئة، ولو كان الاستعمال قليلًا أو مخالفًا للقياس الأقوى؛ إذ يجعل السَّماع حاكمًا في هذا الباب، ويقرِّر أنَّ ما تكلَّمت به العرب ونقله الثِّقات لا يصح أن يُجعل لحنًا لمجرَّد قلَّة شواهده. ومن أمثلة ذلك دفاعه عن إضافة «آل» إلى الضمير، وعن ألفاظ مثل «السَّطْل» و«الحَيْر» و«ضِيَع» و«غُرْنوق» و«نَبْلة» و«دِفتر» و«قُنْفُط» و«أرياح» حين وجد لكل منها أصلًا أو لغةً منقولة.
ثمَّ ينتقل إلى ابن مكي الصِّقلي فيناقش أحكامه في «تثقيف اللسان» بالطريقة نفسها، فيوافقه حيث يقوم الدليل على التخطئة، ويردُّ عليه حيث أهمل لغةً أخرى أو قصر اللفظ على وجه واحد مع تعدُّد وجوهه. ولا يجعل استعمال العامَّة معيار الخطأ بذاته، بل يبحث أولًا في كتب أئمَّة اللغة والرِّوايات والشواهد؛ فقد يكون اللفظ الذي عدَّه بعض المتفصِّحين عاميًّا لغةً صحيحة، وقد تكون العامَّة مستعملةً وجهًا أضعف مع وجود وجه أفصح منه، وقد يكون كلامها هو اللحن فعلًا.
ويفرد بعد ذلك بابًا لما ورد عن العرب على لغتين أو أكثر، ويذكر اللفظ ووجوه نطقه ومراتبها في الفصاحة إن ظهر له تفاوت بينها. فمن ذلك ما تنطق به العامَّة موافقًا للغة أضعف مع وجود الأفصح، أو ما تستعمل فيه أحيانًا الوجه الأقوى، أو ما تجمع فيه بين استعمال صحيح وآخر ملحون. ويشمل هذا الاختلاف حركات الحروف والهمز وتركه، والتخفيف والتشديد، وصيغ الأفعال والأسماء، والتذكير والتأنيث والجمع وغيرها.
ولا يقف عند إثبات تعدُّد اللغات، بل يشرح علل بعض الصيغ من جهة الصَّرف والاشتقاق، ويقارن بين ما حكاه سيبويه والخليل والأصمعي والكسائي والفراء وابن السِّكيت وابن دريد وابن سيده وغيرهم. ويستشهد بالقرآن الكريم والحديث والشِّعر والأمثال، مستفيدًا كذلك من كتب مثل «إصلاح المنطق» و«أدب الكاتب» و«العين» و«الغريب المصنف» و«الجمهرة» و«المحكم» و«الكامل» وكتب النوادر، ويكثر من الشواهد الشِّعريَّة والأمثال في تقرير صحة الاستعمال أو بطلانه.
ثمَّ يعقد بابًا مستقلًّا لما تلحن فيه العامَّة لحنًا لا يجد له تأويلًا ولا شاهدًا من كلام العرب، وهنا ينتقل من الدفاع عن بعض استعمالاتهم إلى التخطئة الصريحة. فيذكر اللفظ الدارج ويضع مقابله الصواب، مثل تصحيح «مُحَمَّص» إلى «مُحَمَّس» في الاستعمال الذي أورده، وضبط «المِلْح» بكسر الميم، و«المُرْقِد» بضم الميم وكسر القاف، ويتابع على هذا النمط في الألفاظ التي تغيَّرت أصواتها أو حركاتها أو أبنيتها حتى خرجت عمَّا نقله أهل العربيَّة.
ويكشف من خلال هذه الأمثلة جوانب من لهجة أهل عصره وبيئته؛ فهو لا يسجِّل اللحن مجرَّدًا، بل يذكر كثيرًا من الكلمات كما كانت تُنطق في الاستعمال اليومي، ثمَّ يردُّ بعضها إلى أصل عربي، أو يبيِّن أصلها الأعجمي وما يقابلها في العربيَّة، أو يفرِّق بين اللفظ الدخيل الذي استعملته العرب فصار مقبولًا وبين صورة أحدثتها العامَّة ولم يجد لها أصلًا.
ويخصِّص القسم الخامس للألفاظ التي ضيَّقت العامَّة دلالتها، فجعلتها لشيء واحد مع أنَّ العرب تستعملها في معنى أوسع. فمن ذلك «الصَّقر» الذي لا يختص عند العرب بنوع واحد، بل يقع على ما يصيد من سباع الطير، و«الأرجوان» الذي لا يختص بالصوف الأحمر، و«القِشر» الذي يقع على كل ملبوس، و«العجم» الذي لا يختص بالسودان بل يشمل غير العرب من الأمم. فيردُّ اللفظة إلى مجالها الدلالي الأوسع، ويبيِّن سبب الخط





