
نبذة عن الكتاب:
يستنبط ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب ما يدلُّ عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} من ارتباط العلم بالخشية، ويجعل البحث قائمًا على ثلاثة أصول: ثبوت الخشية للعلماء، ونفيها عمَّن لم يتحقَّق بالعلم، ونفي حقيقة العلم النَّافع عمَّن خلا قلبه من خشية الله عز وجل. ويبدأ بتحرير دلالة «إنَّما»، وما إذا كانت تفيد الحصر، وموقع «ما» منها، وأقوال النُّحاة والأصوليِّين في دلالتها على الإثبات والنَّفي.
ويُطيل في تقرير إفادة «إنَّما» للحصر، ويناقش الاعتراضات الواردة على ذلك من الآيات والأحاديث التي قد يبدو ظاهرها مخالفًا للحصر، مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، وحديث «إنَّما الرِّبا في النَّسيئة»، وحديث «إنَّما الشَّهر تسع وعشرون». ويبيِّن أنَّ الحصر قد يكون لجميع أفراد الجنس، وقد يتعلَّق بالحقيقة الكاملة أو بالمقصود الأعظم من الاسم، فلا يلزم من استعماله نفي كلِّ ما عدا المذكور نفيًا مطلقًا.
ثمَّ يعود إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، فيقرِّر أنَّ حصر الخشية في العلماء يدلُّ على اختصاص الخشية الحقيقيَّة بهم، ويبحث إمكان الحصر من الطرفين، بحيث يكون كلُّ خاشٍ لله تعالى عالمًا، ويكون العلم التَّامُّ مقتضيًا للخشية. ويشرح في هذا الموضع الفرق بين السَّبب والشَّرط والمانع، ليبيِّن أنَّ العلم سبب مقتضٍ للخشية، وأنَّ تخلُّف أثره إنَّما يكون لعارض يمنع تمام مقتضاه.
ويستشهد بعد ذلك بتفسير السَّلف للآية؛ فينقل عن ابن عبَّاس أنَّ الخشية ثمرة معرفة جبروت الله عز وجل وعزَّته وجلاله وسلطانه، وعن مجاهد والشَّعبي أنَّ العالم من خاف الله تعالى، وعن ابن مسعود أنَّ الخشية كافية في الدَّلالة على العلم، كما ينقل آثارًا تجعل علامة العالم العمل بما علم، وترك الحسد والتَّكبُّر وابتغاء الدُّنيا بالعلم. ويجعل هذه الآثار بيانًا عمليًّا لمعنى العلم في الآية، لا مجرَّد معرفة ذهنيَّة منفصلة عن أثرها في القلب والعمل.
ثمَّ يذكر وجوهًا متعدِّدة يثبت بها أنَّ العلم يوجب الخشية. فأوَّلها أنَّ معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته وعظمته وكبريائه وجبروته تستلزم إجلاله والخوف منه، ويستدلُّ لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم إنَّه أعلم النَّاس بالله تعالى وأشدُّهم له خشية، وبالأحاديث والآثار التي تربط زيادة المعرفة بعظمة الله تعالى بازدياد الخوف والبكاء والانكسار. ويجعل التَّفكُّر في آيات الله عز وجل المقروءة والمشاهدة ومخلوقاته من جملة ما يقوِّي هذه المعرفة ويمنع من التَّفريط في أوامره.
والوجه الثَّاني عنده أنَّ العلم بأوامر الله تعالى ونواهيه، وما رتَّبه على الطَّاعة والمعصية من ثواب وعقاب، مع استحضار مراقبته واطِّلاعه، يوجب فعل المأمور واجتناب المحظور. ويقابل ذلك بالغفلة التي تُضعف هذا الاستحضار، ويرى أنَّ اجتماع الغفلة مع الشَّهوة أصلٌ لكثير من المعاصي؛ لأنَّ الشَّهوة إذا واجهها علم حاضر بمراقبة الله تعالى ووعيده انكفَّت، أمَّا إذا غاب هذا العلم عن القلب ضعفت الخشية وغلب الهوى. ويربط هذا بزيادة الإيمان ونقصانه بحسب الذِّكر والغفلة.
ويضيف أنَّ مجرَّد حفظ الخبر والتَّصديق به لا يساوي حضور حقيقته في القلب؛ فقد يعرف المرء الحكم ولا يستحضر ما يترتَّب عليه من خوف أو رجاء، فيبقى العلم على اللِّسان ولا يبلغ القلب. ومن هنا يستشهد بالتَّفريق بين علم القلب الذي ينفع صاحبه، وعلم اللِّسان الذي يكون حجَّةً عليه، ثمَّ يبيِّن أنَّ بعض الذُّنوب ينشأ من الجهل بحقيقة قبحها أو شدَّة الوعيد الوارد فيها، وإن كان مرتكبها يعلم أصل تحريمها.
ويفسِّر بهذا كذلك إمكان توبة الإنسان من ذنب دون آخر؛ فقد يكون علمه بقبح أحدهما أكمل، أو تكون الشَّهوة المانعة فيه أضعف، بينما يبقى في الآخر نقص في العلم أو غلبة في الهوى. ثمَّ يقرِّر أنَّ العاقل لا يُقدم عادةً على ما يجزم بأنَّ ضرره راجح، وأنَّ أصل الوقوع في السَّيِّئات يرجع إلى جهل بحقيقة ضررها، أو إلى ظنِّ منفعة فيها، ولذلك وُصِفَت حال المعصية بالجهالة في مواضع من القرآن.
وينتهي إلى جمع نوعين من العلم: العلم بالله تعالى في جلاله وعظمته، والعلم بأوامره ونواهيه وأحكامه وشرائعه. ويرى أنَّ أكمل العلماء من جمع بينهما؛ لأنَّ الخشية حينئذ تنشأ من معرفة المعبود سبحانه ومن معرفة ما يحبُّه ويكرهه معًا. وعلى هذا يجعل العلماء الكاملين هم الذين اجتمع لهم العلم بالله عز وجل والعلم بدينه، فتتحقَّق فيهم الخشية من جهاتها المختلفة، وهو المعنى الذي يختم به تقريره لدلالة الآية.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














