يتتبَّع أبو بكر محمَّد زكريَّا في كتاب «الشِّرك في القديم والحديث» حقيقة الشِّرك وأنواعه، ونشأته في البشريَّة، وصوره عند الأمم السَّابقة والعرب في الجاهليَّة، وما وقع منه في الأمَّة الإسلاميَّة والعصر الحديث. ويؤصِّل لمعنى التَّوحيد وأقسامه الثَّلاثة: توحيد الرُّبوبيَّة، وتوحيد الأسماء والصِّفات، وتوحيد الألوهيَّة والعبادة، موضِّحًا الفروق بين الرَّبِّ والإله، وحقيقة العبادة التي تجمع المحبَّة والخضوع والذُّلَّ، وما يترتَّب على إفراد الله تعالى بها. ويناقش تعريفات الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة والماتريديَّة وطوائف المتصوِّفة للتَّوحيد، وما نشأ عنها من اختلاف في فهم الشِّرك المتعلِّق بالاعتقاد والقصد والعمل. ويبيِّن أقسام الشِّرك الأكبر والأصغر، وصوره في الرُّبوبيَّة من التَّعطيل وإثبات الأنداد، وفي الألوهيَّة من صرف العبادة لغير الله تعالى، ثمَّ يستدلُّ بالقرآن الكريم والسُّنَّة والفطرة على أنَّ الأصل في بني آدم التَّوحيد، وأنَّ الشِّرك طرأ عليهم بعد ذلك.
ويبحث في نشأة الشِّرك عند قوم نوح عليه السلام بسبب الغلوِّ في الصَّالحين وتعظيم صورهم، ثمَّ يستعرض ما وقع في الأمم التي بُعث إليها هود عليه السلام وصالح عليه السلام وإبراهيم عليه السلام وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، متتبِّعًا عبادة الأصنام والكواكب والأجرام السَّماويَّة، واتِّخاذ المعبودات والشُّفعاء من دون الله تعالى، وما ظهر من إنكار بعض خصائص الرُّبوبيَّة أو إثباتها للمخلوقين. ويميِّز بين الشِّرك في الرُّبوبيَّة والشِّرك في العبادة عند تلك الأمم، مع بيان ما واجه به الأنبياء عليهم السلام أقوامهم من دعوة إلى إخلاص العبادة لله عزَّ وجلَّ. وينتقل إلى العرب قبل الإسلام، فيبيِّن أنَّهم كانوا على ملَّة إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام قبل انتشار الوثنيَّة، ويناقش أسباب ظهور الشِّرك بينهم، ودور عمرو بن لُحَيٍّ في نشر عبادة الأصنام، وما عرفوه من تعظيم الأحجار والأوثان والكواكب، والتَّقرُّب إلى المعبودات بالذَّبح والنُّذور والسُّجود والطَّواف والدُّعاء، واعتقاد شفاعتها وقربها من الله تعالى. ويعرض أسباب الشِّرك القديم، وفي مقدِّمتها الغلوُّ في المخلوقات، وإساءة الظَّنِّ بالله تعالى، واتِّخاذ الوسائط في العبادة.
ويُفصِّل في تحذير النَّبي صلى الله عليه وسلم أمَّته من الشِّرك، وسدِّه الذَّرائع المؤدِّية إليه، ونهيه عن الغلوِّ في الصَّالحين، واتِّخاذ القبور مساجد، وما يتعلَّق بالشِّرك الخفيِّ في الأقوال والأفعال والنِّيَّات. ويبحث في ظهور الانحرافات العقديَّة بين بعض المسلمين، وما وقع من الشِّرك في الرُّبوبيَّة والعبادة، مع بيان جهود الصَّحابة رضي الله عنهم ومَن جاء بعدهم من العلماء في مقاومة تلك الانحرافات والرَّدِّ عليها، والتَّفريق بين الحكم على الأقوال والأفعال والحكم على الأشخاص بأعيانهم، وما يقتضيه ذلك من مراعاة الشُّروط والموانع.
ويتوسَّع في بيان مظاهر الشِّرك في العصر الحديث، فيتناول إنكار الخالق وتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، ويناقش المذاهب والاتِّجاهات التي ربطها بهذه الصُّور، ومنها الشُّيوعيَّة والوجوديَّة وبعض الاتِّجاهات الفلسفيَّة والكلاميَّة. ويعرض صور اتِّخاذ الأنداد في الرُّبوبيَّة، كإثبات القدرة الكاملة أو العلم المحيط بالغيب لبعض المخلوقين، وإسناد حقِّ التَّشريع المطلق إلى غير الله تعالى، وما يتعلَّق بذلك من اعتقادات الفرق والنِّحل التي تناولها بالنَّقد. ثمَّ يبحث في الشِّرك المتعلِّق بالعبادة، فيفصِّل أحكام المحبَّة والخوف والرَّجاء والتَّوكُّل والطَّاعة والنِّيَّة والإرادة، وما يقع فيها من صرف حقوق العبادة لغير الله تعالى، ويتناول صور التَّقرُّب بالسُّجود والرُّكوع والذَّبح والنَّذر، والشِّرك في الدُّعاء والاستغاثة والاستعانة والاستشفاع. ويناقش شبهات المتعلِّقين بالقبور والأولياء، ويفرِّق بين التَّوسُّل المشروع والممنوع، وبين طلب الدُّعاء من الحيِّ ودعاء الأموات والاستغاثة بهم، مستعرضًا الأدلَّة التي يحتجُّ بها المخالفون والرُّدود عليها. ويبيِّن وجوب الإخلاص في الدِّين، وما ينافيه من الشِّرك الظَّاهر والخفيِّ والرِّياء والتَّعلُّق بالدُّنيا وحبِّ الشُّهرة والرِّياسة.
ويقارن بين الشِّرك في القديم والحديث من حيث أنواعه وأسبابه، مبيِّنًا أوجه التَّشابه والاختلاف بين ما وقع في الأمم السَّابقة وما ظهر في العصور المتأخِّرة، وأنَّ الغلوَّ في المخلوقات وإساءة الظَّنِّ بالله تعالى من أبرز الأسباب المشتركة بينهما. ويُفصِّل في أدلَّة بطلان الشِّرك من القرآن الكريم والسُّنَّة والفطرة والعقل، فيعرض الاستدلال بخلق السَّماوات والأرض، والشَّمس والقمر، والرِّياح والمطر والنَّبات، وما تدلُّ عليه من انفراد الله عزَّ وجلَّ بالخلق والتَّدبير. ويشرح الأمثال القرآنيَّة التي تبيِّن عجز المعبودات من دونه، وتُقابل بين حال الموحِّد والمشرك، وبين كلمة التَّوحيد وكلمة الشِّرك، ويستدلُّ بالقصص القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة على بطلان عبادة غير الله تعالى، ثمَّ يقرِّر مخالفة الشِّرك للفطرة والعقل، مستعرضًا الأدلَّة العقليَّة القرآنيَّة المتعلِّقة بكمال الخالق وعجز المخلوقات عن استحقاق العبادة.