كتاب الرزق أبوابه ومفاتحه لعبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن قاسم PDF
نبذة عن الكتاب:
يوازن عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن قاسم في هذا الكتاب بين مشروعيَّة السَّعي في طلب الرِّزق والكسب من الحلال وبين خطر استيلاء المال على القلب وانصراف الإنسان عن طاعة الله بسبب الحرص على الدُّنيا والتَّعلُّق بمتاعها. ويُبيِّن أنَّ الرِّزق مقدَّر بعلم الله وحكمته وأنَّ تفاوت النَّاس في الأموال والمعايش لا يُنافي وجوب العمل والأخذ بالأسباب المشروعة. ويستدلُّ بالآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة وأقوال الصَّحابة والتَّابعين وأخبار العلماء والزُّهَّاد على فضيلة الكسب الطَّيِّب وأهمِّيَّة القناعة والتَّوكُّل وحُسن التَّصرُّف في المال. ويجعل من سير السَّلف وأحوالهم في التِّجارة والمعاملات والإنفاق نماذج عمليَّة يُوضِّح بها معنى الورع في اكتساب الرِّزق وحفظ الحقوق واجتناب الشُّبهات والغشِّ والخداع. ويُقابل بين من يجعل المال وسيلة لإقامة مصالح الدِّين والدُّنيا ومن يستغرق في طلبه حتى يُصبح جمعه غاية تشغله عن العبادة والاستعداد للآخرة. ويعتمد في عرضه على المواعظ المباشرة والحكايات والأمثال والأشعار وأقوال العلماء في حقيقة الغنى والفقر وآثار الحلال والحرام. وقد انتقل في مباحثه من بيان ضرورة العمل وأسباب الرِّزق إلى أحوال السَّلف في التَّحرِّي والإنفاق ثمَّ إلى كثرة المال وفوائده وآفاته وترك التِّجارة للتَّفرُّغ للعبادة وأسباب التَّخلُّص من الحرص والطَّمع واكتساب القناعة.
ويفتتح المؤلِّف حديثه بتقرير أنَّ طلب المعاش من الأعمال التي يُستعان بها على طاعة الله وأنَّ الإسلام حثَّ على السَّعي في الأرض والتِّجارة والعمل وعمارتها ولم يجعل التَّديُّن سببًا لترك الكسب أو الاتِّكال على النَّاس. ويستشهد بالأمر بالانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله بعد صلاة الجمعة وما ورد عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تفضيل الاحتطاب والعمل على سؤال الآخرين أموالهم. ويُوضِّح أنَّ المال ليس مذمومًا لذاته وإنَّما يُذمُّ إذا اكتُسب من الحرام أو أُنفق في المعصية أو حُبست منه الحقوق الواجبة أو أصبح سببًا للتَّكبُّر والتَّفاخر والإعراض عن الدِّين. ويذكر أنَّ حاجة الإنسان إلى الطَّعام واللِّباس والمسكن وسائر ضرورات المعيشة تجعل تحصيل الكفاية من أسباب الاستقرار والتَّفرُّغ للعبادة والعلم. ويُؤكِّد وجوب النَّفقة على الزَّوجة والأولاد ومن تلزم الإنسان مؤونتهم ويستشهد بقصَّة عبد الله بن عمرو بن العاص حين أمر رجلًا أراد الإقامة للعبادة في بيت المقدس أن يرجع إلى أهله بعدما علم أنَّه لم يترك لهم ما يكفيهم. ويُورِد أقوال سفيان الثَّوريّ وأبي قلابة وأبي سليمان الدَّارانيّ وغيرهم في الحثِّ على طلب الرِّزق والاستغناء عن النَّاس ويذكر ما كان من عناية بعض العلماء بمعرفة موارد معيشة طلابهم قبل توجيههم إلى التَّفرُّغ لطلب العلم. ويُبيِّن أنَّ العمل والكسب قد يكونان من الطَّاعات إذا اقترنت بهما النِّيَّة الصَّالحة وكان المقصود منهما إعفاف النَّفس والإنفاق على الأهل والقيام بالحقوق.
ويبحث المؤلِّف منزلة المال في حياة المسلم وما يتعلَّق به من المنافع والمفاسد فيستشهد بأقوال سعيد بن المسيَّب وابن قدامة وأبي إسحاق السَّبيعيّ في إمكان الاستعانة بالغنى على إقامة مصالح الدِّين والدُّنيا. ويذكر أنَّ امتلاك المال قد يحفظ الإنسان من ذلِّ السُّؤال ويُعينه على صلة الرَّحم والإنفاق على المحتاجين وخدمة العلم وأهله. ويُقابل هذه الفوائد بما ينشأ عن حبِّ المال من الحرص والطَّمع والتَّنافس والتَّعلُّق بزينة الحياة الدُّنيا. وينقل تشبيه المال بالحيَّة التي تشتمل على السُّمِّ والتِّرياق ليُوضِّح أنَّ من عرف منافعه وآفاته استطاع الانتفاع به مع الحذر من شرِّه. ويستشهد بأخبار عمر بن الخطَّاب وما كان يشعر به من الخوف عند اتِّساع الفتوح وكثرة الأموال خشية أن تكون السَّعة بابًا للفتنة. كما يذكر قول يحيى بن معاذ في تشبيه الدِّرهم بالعقرب الذي ينبغي معرفة رقيته وهي أخذه من حلِّه ووضعه في حقِّه. ويُنبِّه إلى أنَّ شدَّة محبَّة المال قد تدفع الإنسان إلى التَّهاون في المحرَّمات أو تأخير الحقوق أو الانشغال عن الطَّاعات. ويُوضِّح أنَّ الزُّهد لا يعني تحريم الطَّيِّبات ولا الامتناع عن التِّجارة وإنَّما يقوم على معرفة قدر الدُّنيا وعدم تقديمها على الآخرة. ويستشهد بحال عبد الله بن المبارك الذي كان يتَّجر ليصون وجهه ويحفظ كرامته ويستعين بماله على طاعة الله مع محافظته على الزُّهد في قلبه.
ويُخصِّص مبحثًا لأسباب الرِّزق فيجعل التَّقوى والاستغفار والتَّوبة وترك المعاصي من أبرز الأسباب التي دلَّت عليها الآيات والأحاديث. ويستشهد بالآيات التي تربط الإيمان والتَّقوى بفتح البركات من السَّماء والأرض وبما جاء في دعوة نوح عليه السَّلام إلى الاستغفار وما اقترن بها من الوعد بالأموال والبنين ونزول المطر. ويُورِد الأخبار التي تُحذِّر من أثر الذُّنوب في حرمان الرِّزق وما نُقل عن السَّلف من محاسبة أنفسهم عند وقوع المصائب أو ضيق المعيشة. ويُبيِّن أنَّ الاستغفار ليس مجرَّد لفظ يردِّده الإنسان دون أن يتغيَّر عمله بل يرتبط بالإقلاع عن المعاصي والعودة إلى طاعة الله. ويستشهد بأقوال الحسن بن صالح ووكيع بن الجرَّاح وغيرهما في الخوف من الذُّنوب والنَّظر إلى ما يقع من البلاء بوصفه باعثًا على مراجعة النَّفس. كما يُؤكِّد أنَّ الرِّزق لا يقتصر على المال بل يشمل نعمة الإسلام والصِّحَّة والعافية والأمن وسائر ما أنعم الله به على عباده. ويُورِد قول أبي حازم في أنَّ من أعظم ما يستغني به الإنسان الثِّقة بالله واليأس ممَّا في أيدي النَّاس. ويحثُّ على شكر النِّعم واستعمالها في الطَّاعة وصرف المال إلى أصحاب الحقوق وقضاء الحوائج. ثمَّ يُقرِّر أنَّ التَّوكُّل لا يعني القعود عن طلب الرِّزق بل يقتضي الأخذ بالأسباب مع الاعتقاد بأنَّ الله هو الرَّزَّاق وأنَّ ما قُدِّر للعبد لن يفوته بسبب ترك الحرام أو اجتناب الشُّبهات.
ويعرض الكتاب نماذج من ورع السَّلف في المعاملات الماليَّة وما كانوا عليه من الدِّقَّة في التَّمييز بين الحلال والحرام. ويبدأ بأخبار أبي حنيفة النُّعمان وما اشتهر به من التِّجارة في الثِّياب والحرص على الأمانة وحُسن معاملة المشترين. ويذكر قصَّته مع رجل احتاج إلى ثوب من الخزِّ فباعه له بدرهم بعدما كان قد اشترى ثوبين وباع أحدهما بما يغطِّي معظم ثمنهما وبيَّن أنَّه لا يريد الرِّبح من صديقه. كما يذكر خبره مع رجل طلب منه أن يُحسن بيعه فعامل طلبه على أنَّه أمانة تستوجب بذل أقصى ما يستطيع من النُّصح والمنفعة. ويُورِد قصَّة شريكه حفص بن عبد الرَّحمن حين باع متاعًا ونسي أن يُبيِّن عيبًا في أحد الأثواب فلمَّا علم أبو حنيفة بذلك تصدَّق بثمن المتاع كلِّه لعدم معرفته بالمشتري الذي ينبغي ردُّ حقِّه إليه. ويذكر كذلك أخبار محمَّد بن سيرين وما نُقل عنه من ترك أرباح كبيرة خشية الوقوع في الشُّبهات وقول سفيان الثَّوريّ في ضرورة النَّظر إلى مصدر الدِّرهم قبل الانشغال بفضائل بعض الأعمال الظَّاهرة. ويُوضِّح أنَّ الورع في الكسب عند هؤلاء لم يكن مقصورًا على اجتناب المحرَّم الصَّريح بل شمل التَّحرُّز من المشتبهات والخوف من دخول المال إلى الذِّمَّة بغير وجه صحيح. ويستشهد بأقوال ميمون بن مهران وسهل بن عبد الله ووهب بن الورد وغيرهم ممَّن ربطوا صلاح العبادة بصلاح المطعم والمشرب.
ويستطرد المؤلِّف في أخبار الصِّدق والنُّصح في البيع والشِّراء فيذكر أنَّ محمَّد بن واسع عُرض عليه سؤال عن حمار أراد بيعه وهل يرضاه للسَّائل فأجاب بأنَّه لو رضي حاله لما عرضه للبيع. ويُورِد ما نُقل عن بعض السَّلف من المبادرة إلى بيان عيوب السِّلع قبل إتمام البيع ولو كانت ممَّا قد يغفل عنه المشتري. ويذكر خبر يونس بن عبيد حين باع أحد أقاربه ثوبًا بأكثر من الثَّمن الذي كان يراه مناسبًا فأخبر المشتري بحقيقة قيمته وخيَّره بين إمساكه بثمنه الأقلِّ أو ردِّه. كما يورد قصَّة حَسَّان بن أبي سِنان الذي اشترى سُكَّرًا بعد أن وصلته أخبار عن آفة أصابت قصب السُّكَّر في بلد آخر فارتفع ثمنه ثمَّ رجع إلى البائع وطلب منه فسخ البيع لأنَّه لم يُخبره بما علمه من أسباب ارتفاع الأسعار. ويُبيِّن أنَّ هذه المواقف تقوم على تقديم الأمانة وصفاء الذِّمَّة على الرِّبح السَّريع واستغلال جهل المشتري أو حاجة البائع. ويذكر كذلك أخبار الحَجَّاج بن دينار الذي أمر وكيله ببيع طعام عند وصوله إلى البصرة بسعر يومه فلمَّا أخَّر الوكيل بيعه طمعًا في زيادة الثَّمن أمر بالتَّصدُّق بما نتج عن المخالفة. وتتكرَّر في هذه الأخبار مسألة محاسبة النَّفس عند التِّجارة والاستعداد للتَّنازل عن بعض المكاسب إذا دخلها شكٌّ أو نشأت عن مخالفة الأمانة.
ويُورِد المؤلِّف نماذج من الأمانة التي تظهر في الخلوة بعيدًا عن رقابة النَّاس فيذكر قصَّة مبارك والد عبد الله بن المبارك حين كان يعمل في بستان ولم يذق من ثماره لأنَّ صاحب البستان لم يأذن له بالأكل منها. ويصف كيف طلب منه صاحب البستان أن يأتيه برمَّان حلو فلم يعرف التَّمييز بين الحلو والحامض لامتناعه عن تذوُّق الثِّمار طوال عمله. ولمَّا عرف صاحب البستان سبب ذلك أُعجب بأمانته وعرض عليه الزَّواج من ابنته بعد أن استشاره في اختيار الزَّوج المناسب. ويذكر أنَّ مباركًا جعل الدِّين معيارًا للاختيار وانتهى الأمر بزواجه منها وولادة عبد الله بن المبارك. ثمَّ يعرض قصَّة الفتاة التي أمرتها أمُّها بمزج اللَّبن بالماء لزيادة مقداره فامتنعت لأنَّ عمر بن الخطَّاب نهى عن ذلك ولأنَّ الله يراها وإن لم يرها أمير المؤمنين. ويذكر ما كان من إعجاب عمر بموقفها وتزويجها من ابنه عاصم وما اتَّصل بهذه الأسرة من نسب عمر بن عبد العزيز. ويستشهد بهذه الأخبار على منزلة مراقبة الله والامتناع عن الغشِّ ولو تعذَّر اكتشافه من النَّاس. كما يعرض ما نُقل عن نساء وأبناء الصَّالحين من الحثِّ على التَّحرِّي في المطعم ورفض المال الحرام ولو ترتَّب على ذلك ضيق المعيشة. ويجعل من مواقف هؤلاء مثالًا على أنَّ الأمانة ليست خُلُقًا يقتصر على الفقهاء والتُّجَّار بل تشمل جميع أفراد الأسرة ومن يتصرَّف في مال غيره أو يعمل لحسابه.
ويبحث أثر الحرام والشُّبهات في حياة الإنسان وعلاقته بعبادته فيستشهد بما ورد في أخبار الغلول وأخذ أموال المسلمين بغير حقّ. ويذكر الحديث الوارد في رجل عُدَّ من الشُّهداء يوم خيبر ثمَّ أخبر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه عُذِّب بسبب بُردة أخذها من الغنيمة بغير حقّ. ويستدلُّ بذلك على خطورة الاستهانة بالمال القليل إذا كان مأخوذًا من الحرام. ويُورِد أقوال بشر الحافيّ وعبد الله بن المبارك وغيرهما في تفضيل ترك المال المشتبه فيه على التَّوسُّع في الصَّدقات مع التَّهاون في مصدر الكسب. ويذكر ما نُقل عن بعض العلماء من شدَّة مراقبة مطاعمهم ومساكنهم وأموالهم وما كانوا يسألون عنه من أحوال المعاملات قبل الانتفاع بها. ويُبيِّن أنَّ بعض السَّلف كانوا يفضِّلون القليل من الحلال على الكثير المختلط بالشُّبهات وإن فاتتهم بذلك أرباح كبيرة. ويتناول كذلك أثر الحرام في قسوة القلب والغفلة وضعف الخشية وما قد يجرُّه من فساد الأخلاق والمعاملات. ويستشهد بأخبار من كانوا يحاسبون أنفسهم على الدَّرهم الواحد ويحرصون على براءة الذِّمَّة قبل الإقبال على النَّوافل وأعمال التَّطوُّع. ويصل بين التَّحرِّي في الكسب وبين صدق التَّوكُّل لأنَّ من آمن بأنَّ الرِّزق مقدَّر لم يحتج إلى مخالفات الشَّريعة لتحصيل ما يظنُّ أنَّه سيفوته.
وينتقل المؤلِّف إلى كثرة المال ونتاجه فيُحذِّر من الاغترار باتِّساع الرِّزق واعتقاد أنَّ كثرة الأموال دليل على رضا الله عن صاحبها. ويذكر ما ورد في القرآن من ذمِّ التَّرف والمترفين وما يترتَّب على الاستغراق في الشَّهوات من الغفلة عن الآخرة. ويستشهد بأخبار الحسن البصريّ وغيره في الخوف من أن تكون السَّعة استدراجًا لمن لا يشكر الله ولا يؤدِّي حقوقه. ويُورِد أقوالًا في أنَّ رزق الإنسان وأجله مقدَّران وأنَّ عليه أن يهتمَّ بما أُمر به من الطَّاعة أكثر من اضطرابه بسبب ما ضُمن له من المعاش. وينقل مثالًا عن انتقال أسباب غذاء الإنسان من حال الجنين في بطن أمِّه إلى الرَّضاعة ثمَّ إلى الطَّعام والشَّراب بعد الفطام ليُوضِّح أنَّ انقطاع وسيلة من وسائل الرِّزق قد يعقبه فتح وسيلة أخرى. ويربط هذا المثال بفكرة أنَّ الإنسان قد يجهل ما في المنع من مصلحة أو ما يُدَّخر له من الخير. كما يستشهد بأقوال يحيى بن معاذ وابن السَّمَّاك وغيرهما في التَّحذير من ضياع العمر في جمع المال والخوف من الفقر مع الغفلة عن الموت والحساب. ويذكر أخبار بعض الزُّهَّاد الذين استغنوا بالقليل من الطَّعام واللِّباس ولم يحرصوا على الاستكثار من الممتلكات. ويُقابل بين السُّرور بزيادة المال والحزن على نقصه وبين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الاهتمام بزيادة الطَّاعات والخوف من ضياع الأوقات والأعمال الصَّالحة.
ويُفصِّل في فوائد المال فيُقسِّمها إلى منافع دنيويَّة وأخرى دينيَّة ويجعل المنافع الدِّينيَّة في 3 أنواع رئيسة. أوَّلها ما يُنفقه الإنسان على نفسه فيما يُعينه على العبادة من الطَّعام واللِّباس والمسكن والحجِّ والجهاد وسائر الحاجات المشروعة. وثانيها ما يصرفه إلى الآخرين من الصَّدقة والهديَّة والضِّيافة والإعانة وحفظ المروءة وصيانة العرض ودفع أجور من يقوم بالأعمال التي يحتاج إليها صاحب المال حتى يتفرَّغ لما هو أولى به من علم وعبادة. وثالثها ما يُخصَّص للمنافع العامَّة كبناء المساجد والقناطر والأوقاف التي ينتفع بها النَّاس. ويُوضِّح أنَّ المال يصبح وسيلة للخير إذا استُعمل في هذه الأبواب ولم يستعبد قلب صاحبه. ويُورِد تقسيمًا للأموال بحسب طرق اكتسابها ووجوه إنفاقها فيُقابل بين المال المكتسب بطاعة الله والمصروف في حقِّه وبين المال المكتسب من الحرام والمُستعمل في المعصية. ويذكر ما يترتَّب على المال الذي اكتُسب بطريق مباح ثمَّ أُنفق في باطل أو المال الذي اختلطت به شبهة من أحكام ومسؤوليَّات تتعلَّق بمصدره ومصروفه. ويُؤكِّد أنَّ سؤال الإنسان عن ماله يوم القيامة يشمل الجهتين معًا فلا يكفي أن يكون الإنفاق في وجه حسن إذا كان أصل المال مأخوذًا بغير حقّ.
ويعرض الكتاب أخبار الإمام البخاريّ ووالده إسماعيل في التَّحرِّي عند اكتساب المال وما كان لذلك من أثر في الانتفاع به وتوجيهه إلى المصالح. ويذكر ما نُقل عن إسماعيل من أنَّه لم يكن يعلم في ماله درهمًا من حرام أو شبهة وما ترتَّب على ذلك من اطمئنان البخاريّ إلى المال الذي ورثه عنه. ويُبيِّن أنَّ البخاريّ استعمل بعض ماله في المضاربة والتِّجارة حتى يتفرَّغ لطلب الحديث ونشره ومساعدة طلاب العلم. ويُورِد ما نُقل عنه من الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحدِّثين وطلبة العلم مع اجتناب التَّرف والإسراف. كما يذكر قصَّته مع رجل كان مدينًا له بمبلغ كبير وامتناعه عن الاستعانة بأصحاب السُّلطة للتَّضييق عليه وإجباره على الوفاء بالدَّين. ويعرض ما وقع من محاولات بعض أصحابه لاسترداد المال وما أظهره البخاريّ من كراهية استعمال نفوذ الولاة في المطالبة بحقِّه حتى انتهى الأمر إلى التَّسامح مع المدين وقبول السَّداد على أقساط يسيرة. ويتناول كذلك أخبار قيس بن سعد بن عبادة حين عفا عمَّن كانوا مدينين له بعدما علم أنَّهم امتنعوا عن زيارته حياءً ممَّا عليهم من الأموال. ويُورِد قصصًا عن أناس جعلوا أرباح التِّجارة وسيلة للصَّدقة وإعانة المحتاجين ومنهم عتبة الغلام الذي كان يعمل برأس مال قليل فينفق بعض ربحه على نفسه ويتصدَّق ببعضه الآخر. ويجعل من هذه النَّماذج شاهدًا على أنَّ المال الصَّالح قد يكون سببًا في نفع صاحبه ونفع غيره إذا اقترن بالأمانة والسَّخاء والرَّحمة.
ويُخصِّص مبحثًا لترك التِّجارة من أجل العبادة فيعرض أقوال من رأوا أنَّ الانشغال المستمرَّ بجمع المال قد يصرف القلب عن الذِّكر والاستعداد للآخرة. ويستشهد بالآيات التي تنهى عن انشغال المؤمن بأمواله وأولاده عن ذكر الله ويُورِد أخبارًا عن أبي الدَّرداء وما نُقل عنه من ترك التِّجارة بعد أن وجد صعوبة في الجمع بينها وبين التَّفرُّغ للعبادة. ويذكر أنَّه كان يخشى شدَّة الحساب ولو كانت تجارته قريبة من المسجد وتُدرُّ عليه أرباحًا ينفقها في وجوه الخير. كما يعرض ما ورد عن الرَّبيع بن أبي راشد في تأثير تذكُّر الموت في انصرافه عن التِّجارة وما قاله بعض الزُّهَّاد في تفضيل العبادة على كثرة الأموال. ويستشهد بأخبار الفضيل بن عياض وأبي حازم ومالك بن دينار وغيرهم ممَّن حذَّروا من استغراق القلب في مصالح الدُّنيا. ويذكر قصَّة عبد الرَّحمن بن مهديّ حين ترك بعض مصالح التِّجارة ابتغاء وجه الله ثمَّ عاد إليه المال من طريق آخر. ولا يجعل هذه الأخبار إبطالًا لمشروعيَّة العمل والكسب التي قرَّرها في بداية الكتاب بل يوردها للتَّحذير من الحالة التي تتحوَّل فيها التِّجارة إلى شاغل دائم يستولي على أوقات الإنسان ويُضعف عنايته بالعبادة. ويُوضِّح اختلاف أحوال النَّاس في ذلك فمنهم من يُصلحه الغنى إذا أحسن التَّصرُّف فيه ومنهم من يكون تقليل المال والتَّخفُّف من أعبائه أصلح لقلبه ودينه.
ويبحث المؤلِّف غوائل المال وآفاته فيقسِّم ما يتعلَّق بالدِّين منها إلى 3 أوجه. أوَّلها أنَّ المال يمنح صاحبه قدرة على تحصيل بعض الشَّهوات المحرَّمة وقد يجرُّه إلى المعاصي إذا لم يضبط نفسه بالتَّقوى. وثانيها أنَّه يُعوِّده التَّوسُّع في المباحات حتى تصير مألوفة يصعب تركها وقد تدفعه المحافظة عليها إلى طلب المكاسب المشبوهة أو المداهنة والنِّفاق والخصومات. وثالثها أنَّ كثرة الممتلكات والمشاغل قد تُلهيه عن ذكر الله وتُشتِّت قلبه بكثرة التَّفكير في حفظ المال وتنميته ومحاسبة العمَّال والشُّركاء ومواجهة الخسائر والمنازعات. ويضرب لذلك أمثلة بصاحب الضَّيعة الذي ينشغل بأحوال الفلَّاحين والمياه والحدود والخراج وصاحب التِّجارة الذي يستغرق في مراقبة شريكه والخوف على رأس ماله وصاحب الأموال المكنوزة الذي لا يفارقه القلق على حفظها. ويذكر ما يترتَّب على هذه الأحوال من الهمِّ والحزن والتَّعب والخوف إضافة إلى المسؤوليَّة عن المال يوم القيامة. ويُؤكِّد أنَّ الإفراط في طلب الدُّنيا قد يجعل الإنسان يحزن على نقصان دراهمه أكثر ممَّا يحزن على فوات طاعته أو نقص عمره. ويربط علاج هذه الآفات بأخذ الكفاية من المال وصرف الفضل في وجوه الخير وعدم جعل امتلاكه مقياسًا لنجاح الإنسان أو سعادته. ويستشهد بأقوال أبي الدَّرداء والحسن البصريّ ويحيى بن معاذ وغيرهم في أنَّ المال قد يفارق صاحبه عند الموت بينما تبقى عليه تبعة اكتسابه وإنفاقه.
ويختتم الكتاب ببيان علاج الحرص والطَّمع والطَّريق إلى اكتساب القناعة فيجعل أساس العلاج الصَّبر والعلم والعمل ويُفصِّله في 5 أمور. أوَّلها الاقتصاد في المعيشة والرِّفق في الإنفاق وتقليل النَّفقات التي لا تدعو إليها حاجة حتى لا يضطرَّ الإنسان إلى الاستكثار من المال لتلبية مطالب اعتادها ويمكنه الاستغناء عنها. وثانيها قصر الأمل وعدم المبالغة في الخوف من المستقبل إذا تيسَّرت كفاية الحاضر مع اليقين بأنَّ الرِّزق مقدَّر وأنَّ على المسلم أن يطلبه من وجوهه المشروعة دون استعجال يدفعه إلى المعصية. وثالثها معرفة ما في القناعة من عزِّ الاستغناء وما في الطَّمع من الذُّلِّ والحاجة إلى النَّاس وما تقتضيه القناعة من الصَّبر على ترك المشتهيات وفضول المعيشة. ورابعها التَّفكُّر في أحوال الأنبياء والصَّالحين وموازنتها بأحوال من جمعوا الأموال واستغرقوا في التَّرف حتى يُدرك الإنسان أنَّ كثرة الممتلكات لا تعني بالضَّرورة كمال الحال أو صلاح العاقبة. وخامسها استحضار أخطار المال وآثاره على القلب ومحاسبة النَّفس والنَّظر إلى من هو دونه في الدُّنيا وإلى من هو فوقه في الدِّين والعمل الصَّالح. ويُؤكِّد أنَّ الصَّبر على ضيق العيش المؤقَّت أهون من التَّفريط في حقوق الله طلبًا لمتاع زائل وأنَّ القناعة تُعين على طمأنينة النَّفس والتَّحرُّر من الخوف المستمرِّ من الفقر. وينهي كلامه بالتَّذكير بأنَّ الغاية من الرِّزق ليست مجرَّد امتلاك المال وإنَّما تحصيل الحلال والانتفاع به في الطَّاعة والإنفاق منه في وجوه البرِّ وحفظ القلب من الحرص والطَّمع مع الدُّعاء بالرِّزق الطَّيِّب المبارك الذي يكون عونًا على طاعة الله.