يُشخِّص مصطفى السباعي في كتابه «مقدِّمات حضارة الإسلام» أحوال الأمَّة الإسلاميَّة وأسباب ضعفها ومقوِّمات نهضتها، من خلال مقالاتٍ تتناول أثر الإسلام في بناء الحضارة وإصلاح المجتمعات، وما يواجه المسلمين من تحدِّياتٍ فكريَّة وسياسيَّة واجتماعيَّة. ويُبرز ما أحدثته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من تحوُّلٍ في العقائد والأخلاق والنُّظُم الاجتماعيَّة، ويُقرِّر أنَّ الحضارة الإسلاميَّة قامت على الإيمان والقيم الإنسانيَّة والعدل والأخوَّة، وأنَّ النُّهوض لا يتحقَّق بالتَّقدُّم المادِّي وحده، بل يحتاج إلى قوَّةٍ معنويَّة تستمدُّ أصولها من الدِّين. ويُؤكِّد دور الدَّعوة الإسلاميَّة والتَّربية والأخلاق في بناء المجتمعات، وأهمِّيَّة الاقتداء بالسِّيرة النبويَّة واستلهام دروسها في الإصلاح والعمل.
وينقد المؤلِّف مظاهر التَّفرُّق والتَّعصُّب والتَّنازع بين المسلمين، وما أصاب روابط الأخوَّة الإسلاميَّة من ضعف، ويُحذِّر من اتِّباع الأفكار الوافدة وتقليد المجتمعات الغربيَّة دون تمييز. ويُناقش مسؤوليَّة الدُّعاة والعلماء والقادة في توجيه الأمَّة وإصلاح أحوالها، وضرورة الجمع بين سلامة العقيدة وحُسن الخلق والعمل النَّافع. كما يستحضر مناسبات المولد النبوي والإسراء والمعراج والهجرة ورمضان لاستخلاص ما فيها من دروسٍ تتعلَّق بالإيمان والتَّضحية والوحدة والتَّربية، ويُشدِّد على ضرورة الانتقال من الاحتفاء بالمناسبات إلى العمل بما تقتضيه من التزامٍ وإصلاح.
ويتقصَّى السباعي أثر الاستعمار في إضعاف العالم الإسلامي وتمزيق وحدته، وما ارتبط به من محاولاتٍ لتشويه الإسلام وإثارة الخلافات بين المسلمين، ويُناقش الصِّراع الفكري والسِّياسي مع القوى الاستعماريَّة، مستشهدًا بأحداثٍ من تاريخ الجزائر وباكستان وغيرهما من البلاد الإسلاميَّة. ويُحذِّر من المؤامرات والتَّدخُّلات الأجنبيَّة، ويدعو إلى إدراك طبيعة الصِّراع ومواجهة أسبابه بالتَّضامن والوعي والعمل. ويبحث التَّوازن بين الأصالة والتَّبعيَّة في مشروعات النُّهوض، مؤكدًا ضرورة المحافظة على الهويَّة الإسلاميَّة والاستفادة من أسباب القوَّة والتَّقدُّم دون التَّخلِّي عن مبادئ الإسلام وقيمه.