إنَّ كتاب «طريق الهجرتين وباب السَّعادتين» لابن قيِّم الجوزيَّة لكتاب نفيس نادر في بابه. فقد وضعه لبيان قواعد السُّلوك والسَّير إلى الله على الطَّريقة التي شرعها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. والمقصود بالهجرتين، كما فسَّر المؤلِّف في مقدِّمة هذا الكتاب وفي كتبه الأخرى: هجرة العبد إلى الله سبحانه بالتَّوحيد والإخلاص والإنابة والحبِّ والخوف والرَّجاء والتَّوكُّل والعبوديَّة، وهجرته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتابعته والتَّأسِّي به في كلِّ شأن من شؤون حياته من عقائده وعباداته ومعاملاته. وهذا هو مضمون الشَّهادتين اللَّتين لا يقوم الإيمان والإسلام إلَّا بهما.
ولا تخفى أهميَّة الهجرتين المذكورتين في باب الإحسان وتزكية النَّفس والسَّير إلى الله عز وجل. فإنَّ الصُّوفيَّة منذ أن جعلوه سرًّا مكتومًا، زاعمين أنَّه علم خُصَّ به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، ثمَّ حكَّموا فيه الذَّوق والوجدان والكشف والإلهام، فتحوا بابًا واسعًا للزَّيغ والانحراف والتَّأويل والتَّحريف. ثمَّ تعدَّوا إلى تقسيم الدِّين إلى شريعة وطريقة، وعلم الظَّاهر وعلم الباطن، وقرَّروا أنَّ الأوَّل حجاب دون الآخر، حتَّى صار التَّصوُّف في بعض صوره دينًا مناهضًا لدين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ثمَّ لم يكن شيخ الإسلام ابن تيميَّة وصاحبه الإمام ابن القيِّم رحمهما الله ليصرفا النَّظر، في المهمَّة العظيمة التي قاما بها لإصلاح الأمَّة وتجديد معالم الدِّين، عن الرَّدِّ على مزاعم الصُّوفيَّة، والكشف عن انحرافاتهم، وبيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التَّزكية والإحسان.
وقد أوتي الشَّيخان الرَّبَّانيَّان قدرةً عجيبةً على الخوض في غوامض علوم العارفين ودقائق أحوالهم والكلام عليها. وذلك لما فتح الله عليهما من علوم الكتاب والحكمة، ثمَّ وفَّقهما للظُّهور على معارج العبوديَّة والإشراف على مقامات الإحسان. ومن هنا أصبحت كتابات الشَّيخين في التَّصوُّف والسُّلوك، الجامعة بين خطر الموضوع، وسلفيَّة المنهج في التَّمسُّك بالكتاب والسُّنَّة دون تحيُّز لأحد كائنًا من كان، وقدرة على الخوض في الدَّقائق، وقوَّة البيان ووضوح التَّعبير، أصبحت منظومةً نادرةً في المكتبة الإسلاميَّة الزَّاخرة.
ومن أجلِّ تلك الكتب هذا الكتاب. وقد افتتحه ابن القيِّم رحمه الله بـ«باب الفقر والعبوديَّة، إذ هو باب السَّعادة الأعظم وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلَّا منه». ثمَّ تكلَّم على قواعد نافعة، منها قاعدة في الإنابة ودرجاتها، وقاعدة في الابتلاء، وقاعدة في ذكر طريق قريب موصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال، وقاعدة في أقسام العباد في سفرهم إلى الدَّار الآخرة. وختم الكتاب بباب جامع في مراتب المكلَّفين في الدَّار الآخرة وطبقاتهم فيها.
وقد تطرَّق الكلام في أثناء البابين والقواعد إلى مباحث عظيمة ومسائل مشكلة اقتضت أهميَّتها إشباع القول فيها، كمبحث القضاء والقدر الذي استغرق أكثر من مائتي صفحة. ولكن أهمَّ أقسام الكتاب وأنفسها، وهو من صميم الموضوع فلا يعدُّ استطرادًا، هو القسم الذي تكلَّم فيه المؤلِّف رحمه الله على علل مقامات السُّلوك. وقد اختار لبيان غلط المشايخ في هذا الباب كتاب «محاسن المجالس» لأبي العبَّاس ابن العريف الصَّنهاجي من أكابر صوفيَّة الأندلس. فتناوله فصلًا فصلًا بالنَّقد والنَّقض، وبيَّن ما له وما عليه، فتكلَّم على ما قاله في منزلة الإرادة مثلًا، من اثني عشر وجهًا، وعلى التَّوكُّل من خمسة عشر وجهًا، وعلى الخوف من ثلاثة عشر وجهًا، وهكذا.