كتاب رفقاء طريق لعبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن قاسم PDF
نبذة عن الكتاب:
ينتخب عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن قاسم في كتاب «رفقاء طريق» نماذج من أقوال السَّلف ومواقفهم في الصُّحبة الصَّالحة والأخوَّة الصَّادقة ليُبيِّن أثر الرَّفيق في استقامة الإنسان وأخلاقه وعلاقته بربِّه ومعاملته للنَّاس. ويستدلُّ بالآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة وأخبار الصَّحابة والتَّابعين والعلماء والزُّهَّاد على فضل التَّحابِّ في الله وما يترتَّب على اختيار الأصدقاء من صلاح أو فساد في الدُّنيا والآخرة. ويعرض صفات الصَّاحب الذي يُعين على الطَّاعة ويُذكِّر عند الغفلة ويقف إلى جانب أخيه في الشَّدائد ويحفظ مودَّته عند الغياب ويصون أسراره ويقبل عذره ويغفر زلَّته. ويُقابل هذه الصِّفات بما يقع من رفقاء السُّوء من إضاعة الأوقات وتزيين المعاصي وخيانة الأمانة وكثرة الخصومات والتَّخلِّي عن الأصدقاء عند انقطاع المصالح. ويجعل من أخبار السَّلف في الإيثار والنَّصيحة والوفاء والتَّسامح وسائل للتَّذكير بحقوق الأخوَّة التي ينبغي أن تتحوَّل من أقوال يتداولها النَّاس إلى أعمال تظهر في حياتهم. ويُكثر من مخاطبة القارئ ومقارنة أحوال المعاصرين بأحوال الصَّالحين مستعينًا بالحِكم والأشعار والمواعظ التي تدعو إلى محاسبة النَّفس وإصلاح العلاقات. وتتدرَّج موضوعاته من اختيار الرَّفيق وبيان منافع الصُّحبة إلى حقوق الأصدقاء وأحوالهم في الرَّخاء والشِّدَّة ثمَّ المحبَّة في الله وآداب النَّصيحة والعفو وحُسن الخُلُق والاعتدال في المزاح والعزلة وآداب المجالسة.
ويبدأ المؤلِّف ببيان حاجة الإنسان إلى الرَّفيق الذي يؤنسه في طريق الحياة ويُخفِّف عنه مشقَّة الأسفار ويُعينه عند نزول المصائب ويُشاركه أفراحه وأحزانه. ويُؤكِّد أنَّ الصُّحبة التي تقوم على الدِّين وحُسن الخُلُق من أسباب الألفة والمودَّة والتَّعاون بين المسلمين مستشهدًا بالآيات التي تذكر تأليف الله بين قلوب المؤمنين وتنهى عن التَّفرُّق. ويُوضِّح أنَّ التَّحابَّ في الله من القربات التي يتقرَّب بها الإنسان إلى ربِّه إذا التزم بحقوق الأخوَّة وصان مودَّته من أسباب الخصومة والقطيعة. ثمَّ يتناول معايير اختيار الأصدقاء فيذكر أنَّ الصَّاحب يُؤثِّر في دين صاحبه وأخلاقه وأفكاره ولذلك ينبغي التَّحرِّي فيمن يُخالطه الإنسان ويأتمنه على أسراره. ويُورِد 5 خصال ينبغي مراعاتها فيمن تُختار صحبته وهي العقل وحُسن الخُلُق والصَّلاح والبعد عن البدع وعدم الحرص على الدُّنيا. ويُفرِّق بين المنافع الدُّنيويَّة للصُّحبة مثل الاستئناس والانتفاع بالمال والجاه وبين منافعها الدِّينيَّة التي تشمل الاستفادة من العلم والعمل والتَّعاون على الطَّاعة والاستعانة بالصَّاحب على تجاوز الشَّدائد. ويستشهد بحديث الجليس الصَّالح وجليس السُّوء الذي شُبِّه فيه الأوَّل بحامل المسك والثَّاني بنافخ الكير ليُوضِّح أنَّ أثر المخالطة قد يظهر في الإنسان وإن لم يقصد التَّأثُّر بصاحبه. كما يذكر ما ورد في فضل المتحابِّين في الله وما يُرجى لهم من الثَّواب والظِّلِّ يوم القيامة ويُقابل ذلك بحال الأخلَّاء الذين تنقلب مودَّتهم إلى عداوة إذا كانت قائمة على المعصية والضَّلال.
ويعرض المؤلِّف اختلاف مراتب الأصدقاء بحسب ما يتحقَّق من صحبتهم من نفع أو ضرر فيستشهد بتقسيم المأمون للإخوان إلى من يُشبه الغذاء الذي لا يُستغنى عنه ومن يُشبه الدَّواء الذي تدعو الحاجة إليه في بعض الأوقات ومن يُشبه الدَّاء الذي لا يُرجى من قربه نفع. ويذكر تشبيه النَّاس بالأشجار التي تختلف في وجود الظِّلِّ والثَّمر ليُوضِّح أنَّ بعض الأصدقاء يُفيد صاحبه في شؤون الدُّنيا وبعضهم يُعينه على مصالح الآخرة وبعضهم يجمع بين النَّفعين وآخرون لا تُرجى من صحبتهم فائدة. ويُناقش أثر الغاية التي يجتمع عليها الأصدقاء فيُميِّز بين مجالس تقوم على مؤانسة الطَّبع وقضاء الأوقات دون فائدة ومجالس تقوم على التَّعاون على أسباب النَّجاة والتَّواصي بالحقِّ والصَّبر. ويُنبِّه إلى أنَّ الاجتماع على الخير قد تدخله آفات منها تزيين بعض الأصدقاء أعمال بعض والإفراط في المخالطة والكلام وتحويل مجالس الأصحاب إلى عادة تستغرق الوقت وتُبعدهم عن المقصود الأوَّل من صحبتهم. ويحثُّ على اختيار من يزيد الإنسان علمًا وعبادة ويُعينه على ترك المعاصي ويقبل منه النَّصيحة كما يقبل منه صاحبه النُّصح والتَّوجيه. ويذكر أنَّ عدم العثور على رفيق صالح يجعل الانفراد بالنَّفس والاشتغال بالقرآن والكتب النَّافعة والطَّاعات أولى من مخالطة من يُفسد القلب ويُضيِّع الوقت. ويستشهد بأقوال مالك بن دينار وإبراهيم بن أدهم وداود الطَّائيّ وغيرهم في اجتناب جليس السُّوء والتَّحرُّز من الصُّحبة التي لا تُثمر خيرًا.
ويُفصِّل حقوق الإخوان من خلال أخبار الإيثار وخدمة الأصدقاء وتقديم مصالحهم على الرَّاحة الشَّخصيَّة فيذكر قصَّة أبي عليّ الرِّباطيّ مع عبد الله الرَّازيّ حين اتَّفقا في سفرهما على أن يكون أحدهما أميرًا والآخر مطيعًا له. ويُبيِّن كيف تولَّى عبد الله حمل الزَّاد وخدمة صاحبه وامتنع عن تمكينه من حمل شيء من أمتعته ثمَّ وقف يحميه من المطر طوال اللَّيل مستعملًا سلطته في الرِّفقة لخدمته لا للتَّرفُّع عليه. ويستشهد بهذه القصَّة على أنَّ الصُّحبة الصَّادقة تقوم على التَّواضع والإيثار واحتمال المشقَّة في سبيل راحة الصَّاحب. ثمَّ يذكر موقف عليِّ بن الحسين حين زار محمَّد بن أسامة بن زيد في مرضه فرآه يبكي بسبب دَين يبلغ 15000 دينار فتعهَّد بقضائه عنه. ويُورِد أخبار أبي حنيفة الذي كان يتفقَّد من يلتقي بهم ويسأل عن أحوالهم فإذا علم بحاجة أحدهم أعانه وإذا مرض عاده حتى تنشأ بينهما المودَّة والصِّلة. كما يذكر ما نُقل عن بعض السَّلف من تفقد عيال أصدقائهم بعد وفاتهم وقضاء حوائجهم أعوامًا طويلة وفاءً لحقِّ الأخوَّة. ويُوضِّح أنَّ الصَّديق الصَّالح لا يقتصر نفعه على حياة صاحبه بل يستمرُّ بعد موته بالدُّعاء له والتَّرحُّم عليه والصَّدقة عنه والعناية بأهله. ويذكر أنَّ الأخ الحقيقيَّ قد ينفرد بالحزن على صاحبه والدُّعاء له بعد أن ينشغل أهله بتقسيم ميراثه وما تركه من مال.
ويبحث المؤلِّف في الحقوق اليوميَّة التي تحفظ المودَّة بين الأصدقاء فيُؤكِّد حُسن الاستقبال والتَّرحيب بالزَّائر والإقبال على حديثه والتَّوسُّع له في المجلس. ويستشهد بقول سعيد بن العاص في حقوق الجليس وبما ورد من الحثِّ على الإحسان إلى الأصدقاء ومراعاة أحوالهم. ويذكر أنَّ من تمام الشَّفقة ألَّا ينفرد الإنسان بما يسرُّه من طعام أو مناسبة سارَّة دون أن يُحبَّ مشاركة أخيه فيها. كما يتناول التَّباسط بين الأصدقاء وترك التَّكلُّف الذي يُضعف الألفة ويجعل العلاقة قائمة على المظاهر والتَّصنُّع. ويستشهد بما نُقل عن بعض السَّلف من دخول الإخوان منازل بعضهم وانتفاعهم بما فيها من غير استئذان في بعض الأحوال التي تحقَّق فيها الرِّضا والثِّقة المتبادلة. ويُورِد خبر فتح الموصليّ الذي دخل منزل صديق له أثناء غيابه وأخذ حاجته من صندوقه فلمَّا علم صاحب المنزل بذلك سُرَّ لما ظهر من الثِّقة بينهما. ويذكر ما نُقل عن بعض الأئمَّة من استحسان هذا التَّباسط بوصفه دليلًا على صدق الأخوَّة وقوَّة المودَّة. ويُؤكِّد أنَّ الأصدقاء ينبغي أن يتعاونوا في إصلاح عيوب بعضهم ومساعدتهم على تجاوز المصاعب كما تتعاون اليدان في تنظيف إحداهما الأخرى. ويجعل من الوفاء وحفظ السِّرِّ وستر العيب وإظهار المحاسن وتحمُّل الأذى علامات تميِّز الرَّفيق الصَّادق من صاحب المصلحة العارضة.
ويُبرز الوفاء في أوقات الشِّدَّة بوصفه معيارًا لمعرفة حقيقة الصُّحبة فيُبيِّن أنَّ كثرة الأصدقاء في الرَّخاء لا تدلُّ بالضَّرورة على صدق المودَّة لأنَّ الشَّدائد تكشف من يبقى إلى جانب الإنسان بعد ذهاب ماله أو مكانته أو قدرته على الإحسان. ويستشهد بالأشعار والحِكم التي تُفرِّق بين إخوان الرَّخاء وإخوان البلاء ويذكر ما ينبغي للرَّفيق من نصرة صاحبه ومواساته وتخفيف مصابه. ويُورِد قصَّة عبد الله بن المبارك حين كان يصحب جماعة إلى الحجِّ فيأخذ نفقات كلِّ واحد منهم ويكتب اسمه عليها ثمَّ يتولَّى الإنفاق عليهم طوال الرِّحلة ويوفِّر لهم ما يحتاجون إليه من مركب وطعام وهدايا. ويذكر أنَّه كان يُرسل من يُصلح منازلهم قبل عودتهم ثمَّ يجمعهم بعد الحجِّ ويُكرمهم ويعيد إلى كلِّ واحد منهم نفقته كاملة. ويُبيِّن أنَّ هذا التَّصرُّف يجمع بين الكرم والإيثار وحُسن الصُّحبة وتجنُّب إحراج الأصدقاء أو إشعارهم بأنَّهم عالة على غيرهم. كما يستشهد بأخبار من تحمَّلوا عن إخوانهم الدُّيون أو قضوا حوائجهم دون أن يطلبوا منهم مقابلًا. ويُوضِّح أنَّ الأخوَّة الدِّينيَّة تختلف عن العلاقات التي تُبنى على المنفعة أو الهوى لأنَّ استمرارها لا يتوقَّف على وجود مكسب مادِّيّ أو مصلحة مؤقَّتة. ويجعل من هذه المواقف دعوة إلى محاسبة النَّفس في مقدار ما يبذله الإنسان لأصدقائه وما يحتمله في سبيل بقاء مودَّتهم.
ويُناقش المؤلِّف أسباب فساد الصَّداقات وما يعتريها من جفاء واختلاف وسوء ظنٍّ وكثرة عتاب فيُؤكِّد أنَّ طلب صديق لا يقع منه خطأ أمر يتعذَّر تحقيقه لأنَّ النَّقص من طبيعة البشر. ويستشهد بقول الفضيل بن عياض في أنَّ من طلب أخًا بلا عيب بقي بلا أخ ويُورِد كلام ابن تيمية في أنَّ التَّهاجر عند كلِّ اختلاف بين المسلمين يُفضي إلى انقطاع روابط الأخوَّة بينهم. ويذكر أنَّ المحافظة على الصَّديق تقتضي الصَّبر على بعض زلَّاته والتَّماس الأعذار له وعدم تتبُّع عثراته أو تفسير تصرُّفاته دائمًا على أسوأ الوجوه. ويستشهد بخبر طلحة بن عبد الرحمن بن عوف حين شكت إليه زوجته أنَّ أصدقاءه يُكثرون زيارته في حال الغنى ويقلُّونها في حال العسر ففسَّر ذلك بأنَّهم يزورونه حين يستطيع إكرامهم ويُخفِّفون عنه مؤونة استقبالهم حين يعجز. ويُبيِّن أثر حُسن الظَّنِّ في منع الخصومات وحفظ المودَّة من الانقطاع بسبب الأوهام والتَّفسيرات المتعجِّلة. كما يعرض كلام ابن الجوزيّ في التَّمييز بين الإخوان الحقيقيِّين والأصدقاء في الظَّاهر والمعارف وضرورة إنزال كلِّ شخص منزلته بحسب ما يظهر من صدقه ووفائه. ويُورِد أخبار عبد الله بن المبارك في احتماله جفاء رفيق سيِّئ الخُلُق أثناء السَّفر ثمَّ بكائه بعد مفارقته شفقةً عليه لأنَّ سوء خُلُقه سيبقى معه ويؤذيه في مخالطته للآخرين. ويُؤكِّد أنَّ كمال الصُّحبة يظهر في احتمال الأذى والمسامحة والابتعاد عن سرعة الغضب والقطيعة.
ويعرض صفات حُسن الخُلُق التي تقوم عليها الصُّحبة الصَّالحة فيستشهد بأقوال الفضيل بن عياض ويوسف بن أسباط وغيرهما في بيان الفرق بين حسن المعاملة وسوئها. ويذكر من علامات حُسن الخُلُق قلَّة الخلاف وحُسن الإنصات وترك طلب العثرات والتَّماس المعذرة واحتمال الأذى ومحاسبة النَّفس والاشتغال بمعرفة عيوبها بدلًا من تتبُّع عيوب الآخرين. كما يذكر طلاقة الوجه ولطف الكلام والتَّواضع للكبير والصَّغير والرِّفق بمن هو دون الإنسان في المنزلة ومن هو فوقه. ويستشهد بالآيات التي تأمر بالعفو والمعروف والإعراض عن الجاهلين والاستعاذة بالله من نزغ الشَّيطان ويذكر ما تتضمَّنه من قواعد للتَّعامل مع النَّاس. ويُورِد موقف مجاهد بن جبر حين صحب عبد الله بن عمر قاصدًا خدمته فوجد ابن عمر هو الذي يخدمه ويُحسن إليه. ويذكر قول ابن عبَّاس في اختلاف معاملته لمن بلغه عنه أمر مكروه بحسب منزلته فيحفظ فضل من هو فوقه ويتفضَّل على نظيره ولا يجهل على من هو دونه. ويُحذِّر من التَّكبُّر واحتقار الآخرين والعبوس الدَّائم وكثرة التَّشكي والنَّظر إلى مساوئ النَّاس مع نسيان الإنسان أخطاءه. ويُبيِّن أنَّ حُسن الخُلُق ليس صفة خارجيَّة تُكتسب بالتَّظاهر وحده بل يظهر في قدرة الإنسان على ضبط نفسه عند الغضب وتجنُّب الإساءة حين يستطيع ردَّها.
ويُفرد مبحثًا للمحبَّة في الله فيجعلها من أوثق روابط الأخوَّة وأبقاها لأنَّها تقوم على الإيمان والطَّاعة لا على المنافع العارضة أو الأهواء المتقلِّبة. ويستشهد بالأحاديث التي تُبيِّن فضل محبَّة المؤمنين وحلاوة الإيمان وما ورد في أنَّ المرء يُحشر مع من أحبَّ. ويذكر أنَّ هذه المحبَّة تدفع المسلم إلى نصرة أخيه ومواساته والدُّعاء له وإرشاده إلى الخير مع المحافظة على صدق القصد في العلاقة. ويُورِد أقوال سفيان الثَّوريّ وعبد الله بن عمر وغيرهما في فضل محبَّة أهل الطَّاعة والحرص على صحبتهم. كما يذكر أخبارًا عن الرَّحمة المتبادلة بين الصَّالحين وحُسن معاملتهم لجيرانهم ومن يخالطونهم. ومن ذلك قصَّة جار أبي حمزة السُّكَّريّ الذي أراد بيع منزله فجعل لحُسن جواره قيمة تزيد على ثمن الدَّار فلمَّا علم أبو حمزة بذلك أعطاه مالًا وأمره بالبقاء في بيته. ويستشهد بما نُقل عن عمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطَّاب من الحثِّ على حمل كلام المسلم على المحمل الحسن ما دام يحتمل الخير. ويُورِد أقوالًا في التَّماس الأعذار للأصدقاء وإن لم تظهر أسباب تصرُّفاتهم لأنَّ الإنسان قد يجهل من أحوال غيره ما يُفسِّر ما صدر عنه. ويُؤكِّد أنَّ المحبَّة الصَّادقة لا تكتمل بمجرد إظهار الودِّ والثَّناء بل تحتاج إلى الرَّحمة والعدل والنَّصيحة وتجنُّب الظُّنون التي تُفسد العلاقات.
ويبحث المؤلِّف في نصيحة الصَّاحب الذي يقع في معصية أو يُقصِّر في حقوق الأخوَّة فيُبيِّن أنَّ واجب الرَّفيق الصَّادق توجيه أخيه برفق ومساعدته على العودة إلى الصَّواب بدلًا من التَّشهير به أو السُّخرية منه أو التَّخلِّي عنه عند أوَّل زلَّة. ويستشهد بأقوال العلماء في الفرق بين النَّصيحة والتَّوبيخ ويذكر أنَّ النُّصح في الخلوة أقرب إلى القبول وحفظ الكرامة من إظهار العيوب أمام النَّاس. ويُورِد خبر أبي الدَّرداء حين مرَّ برجل ارتكب ذنبًا فوجد قومًا يسبُّونه فأنكر عليهم وذكَّرهم بأنَّ الواجب إعانته على الخروج من المعصية كما يُعينون من سقط في بئر على النَّجاة منها. ويذكر قصَّة رجل من الصَّالحين سُئل عن أخ له انحرف عن الاستقامة وهل يُقاطعه فأجاب بأنَّه أحوج ما يكون إلى أخيه في تلك الحال ليأخذ بيده ويدعوه إلى التَّوبة. ويستشهد بموقف أبي حنيفة حين نصحه رجل بتقوى الله فتأثَّر بالنَّصيحة وشكره على تذكيره. كما يُورِد أخبار العلماء الذين كانوا يتواصون بالحقِّ ويُذكِّر بعضهم بعضًا بالموت وحفظ اللِّسان وغضِّ البصر وقصر الأمل. ويجعل من النَّصيحة الصَّادقة مقياسًا لفضل الصَّاحب على من يكتفي بإعطاء المال أو تقديم المنافع الدُّنيويَّة لأنَّ من يُذكِّر أخاه بحقِّ الله ويُعينه على الاستقامة ينفعه فيما يتَّصل بآخرته. ويُوضِّح أنَّ حفظ سرِّ الصَّديق وستر عيبه لا يمنع من نصحه وإنَّما يقتضي اختيار الأسلوب والوقت اللَّائقين مع تجنُّب التَّعيير والفضيحة.
ويتناول المؤلِّف المزاح والدُّعابة في مجالس الأصدقاء ويبحث حدود التَّرويح المشروع وما قد ينشأ عن الإفراط في الضَّحك والهزل من ضياع الأوقات وقسوة القلب وذهاب الوقار. ويستشهد بأخبار عدد من السَّلف الذين غلب عليهم الجدُّ والخوف من الآخرة فقلَّ ضحكهم وانصرفوا إلى العبادة والذِّكر وطلب العلم. ويُورِد أقوال عمر بن عبد العزيز والأحنف بن قيس وغيرهما في أثر كثرة المزاح على الهيبة والحياء وما قد يجرُّه من الكلام الذي يُؤذي الآخرين أو يُثير العداوة بينهم. ويذكر أخبار حمَّاد بن سلمة ووكيع بن الجرَّاح وطلحة بن مصرِّف وغيرهم ممَّن اشتهروا بالمحافظة على أوقاتهم وكثرة العبادة والخشية. ثمَّ يُناقش ما إذا كان المطلوب ترك الضَّحك والمزاح بالكلِّيَّة فينقل كلام الذَّهبيّ في التَّفريق بين التَّبسُّم المحمود والتَّصنُّع في العبوس والإفراط في الضَّحك. ويستشهد بالأحاديث التي تحثُّ على طلاقة الوجه والتَّبسُّم للمسلمين وما ورد من تبسُّم النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في وجوه أصحابه. ويُؤكِّد أنَّ الاعتدال هو المقصود فلا يتحوَّل المزاح إلى عادة تستغرق الوقت وتُسقط الوقار ولا يصبح الجدُّ سببًا للعبوس وسوء المعاملة. ويُبيِّن أنَّ صاحب الخُلُق الحسن يجمع بين البشاشة والرِّفق وبين معرفة قدر الوقت والمسؤوليَّة والاستعداد للآخرة.
ويُناقش في ختام الكتاب فوائد العزلة وحدودها فيجعلها وسيلة لحفظ القلب من مجالس الغِيبة والنَّميمة واللَّغو إذا لم يجد الإنسان من يُعينه على الخير. ويستشهد بأقوال عمر بن الخطَّاب وإبراهيم النَّخعيّ وأبي ذرٍّ وغيرهم في التَّخفُّف من مخالطة أهل السُّوء وتخصيص أوقات للخلوة بالذِّكر ومحاسبة النَّفس. ويُوضِّح أنَّ العزلة المحمودة لا تعني ترك صلاة الجماعة والجمعة أو التَّقصير في حقوق المسلمين وإفشاء السَّلام وردِّه وإنَّما تعني اجتناب المجالس الضَّارَّة والاقتصار من المخالطة على ما تتحقَّق به المصلحة. ويذكر أنَّ تلاوة القرآن والتَّأمُّل في معانيه والاشتغال بالكتب النَّافعة وأخبار العلماء قد تكون أنفع للإنسان من طول الجلوس مع من يضيِّعون أوقاتهم في الكلام عن النَّاس. ويستشهد بخبر عبد الله بن المبارك حين سُئل عن سبب انصرافه إلى كتبه بدلًا من مجالسة بعض النَّاس فأجاب بأنَّه يجد في آثار الصَّحابة والتَّابعين ما يُغنيه عن المجالس المشغولة بالغِيبة. ثمَّ يعرض آداب العشرة والمجالسة مع أصناف النَّاس فيحثُّ على التَّواضع والوقار والاعتدال في التَّصرُّفات وحفظ اللِّسان وتجنُّب كثرة السُّؤال والتَّدخُّل فيما لا يعني الإنسان. ويذكر آداب الجلوس في الطُّرقات وما يتَّصل بغضِّ البصر وردِّ السَّلام وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وإرشاد المحتاج والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. كما يتناول ما ينبغي مراعاته عند مجالسة أصحاب السُّلطة من حفظ الأسرار وتهذيب الكلام والابتعاد عن الكذب والغِيبة والإفراط في المداعبة. ويختم بالتَّذكير بصحبة أبي بكر الصِّدِّيق للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الدَّعوة والهجرة والجهاد وما بذله من مال ونفس في نصرته ويجعل من تلك الصُّحبة مثالًا أعلى للوفاء والإيثار ونصرة الحقِّ. وينتهي إلى أنَّ الرَّفيق الصَّالح هو من يثبت على مودَّته ويُعين صاحبه على طاعة الله ويُصلح عيوبه ويصون حقوقه في حضوره وغيابه ويكون له عونًا في الدُّنيا وسببًا من أسباب الخير في الآخرة.