
نبذة عن الكتاب:
يتتبَّع أبو الحسن الندوي في «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» التحوُّل الذي طرأ على حياة الإنسانيَّة منذ ظهور الإسلام وتولِّي المسلمين قيادتها، ثمَّ ما أعقب انحطاطهم وانسحابهم من ميدان التوجيه العالمي من تغيُّر في موازين الحياة واتجاه الحضارة. ولا ينظر إلى انحطاط المسلمين باعتباره سقوط دولة أو ضعف شعب كان قويًّا؛ بل يراه انحطاط رسالة كان لها أثر في الدِّين والأخلاق والاجتماع والسِّياسة ونظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم، ولذلك يجعل قضيَّة الكتاب بحثًا في مقدار ما خسرته الإنسانيَّة حين انتقلت القيادة من أمَّة تحمل رسالة دينيَّة وأخلاقيَّة إلى حضارة غلب عليها -في تحليله- الاتجاه المادِّي.
ويبدأ بتصوير العالم قبل بعثة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فيعرض أحوال الديانات والأمم والحضارات في القرنين 6 و7 الميلاديين، ويتناول أوضاع الدولة الرُّوميَّة وما شهدته من نزاعات دينيَّة واضطهاد واستبداد واختلال اجتماعي واقتصادي، ثمَّ ينتقل إلى فارس وما فيها من تفاوت طبقي واضطراب ديني واجتماعي، وإلى الهند وما رسخ فيها من الوثنيَّة ونظام الطبقات ومظاهر التفاوت بين فئات المجتمع، ويتناول اليهود وبعض الأمم الأوروبيَّة والعرب في الجاهليَّة. ويصف العرب بما اجتمع فيهم من مواهب كالفصاحة والشَّجاعة والأنفة وقوَّة الحفظ وحبِّ الحرِّيَّة، مع ما أصاب حياتهم الدينيَّة والاجتماعيَّة من الوثنيَّة والعصبيَّة والعادات الجاهليَّة، ليصل إلى عالم يراه فاقدًا للقيادة القادرة على الجمع بين صلاح الرُّوح وتنظيم الحياة.
ويعرض بعثة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بوصفها انقلابًا في الإنسان قبل أن تكون انقلابًا في موازين السِّياسة، فيشرح أثر التَّوحيد والإيمان بالآخرة في تحرير الإنسان من الخضوع لغير الله عزَّ وجلَّ، وفي تغيير نظرته إلى المال والجاه والقوَّة والحياة والموت. ويتتبَّع تربية الصَّحابة رضي الله عنهم على مراقبة الله تعالى، وتحكيم الوحي، ومقاومة الشَّهوات والمطامع، والتجرُّد من العصبيَّة، والشعور بالمسؤوليَّة، والطَّاعة في المعروف، ويستشهد بمواقف من السِّيرة تبيِّن مقدار ما أحدثه الإيمان في الأخلاق والسُّلوك والإرادة حتى نشأت جماعة تختلف في غاياتها وموازينها عن المجتمع الجاهلي الذي خرجت منه.
ويُفصِّل خصائص القيادة الإسلاميَّة في عصرها الأوَّل، فيجعل من مقوِّماتها الاحتكام إلى كتاب منزل وشريعة إلهيَّة، والتربية الخُلقيَّة والتزكية قبل تولِّي السُّلطة، والنظر إلى الحكم باعتباره أمانةً ومسؤوليَّة لا مغنمًا، ورفض جعل القيادة خدمةً لجنس أو شعب مخصوص. ويؤكِّد أنَّ الفتوحات -بحسب تصوُّره لرسالة الإسلام- لم يكن مقصدها إحلال سيادة العرب محلَّ سيادة الفرس والرُّوم، وإنَّما إخراج الإنسان من عبادة الإنسان إلى عبادة الله تعالى، وإقامة العدل بين الأجناس والشُّعوب. ويربط بذلك مشاركة غير العرب في بناء الحضارة الإسلاميَّة وظهور العلماء والفقهاء والمحدِّثين والقادة من أمم متعدِّدة، ويرى في هذا الاتساع أثرًا لمعيار ديني يتجاوز النَّسب واللَّون والوطن.
ثمَّ يبحث عن بداية التراجع داخل العالم الإسلامي، فلا يردُّها إلى سبب واحد، بل يعرض ضعف تمثيل المسلمين للإسلام، وفتور القيادة، وظهور البدع والضَّلالات، وقصور الاهتمام ببعض العلوم العمليَّة النَّافعة، ثمَّ ما أصاب الحياة العلميَّة والسِّياسيَّة والعسكريَّة من جمود. ويقف عند القرن 6 وما شهده من مقاومة وتجديد وظهور شخصيَّات وحركات أعادت قدرًا من القوَّة إلى المجتمع الإسلامي، ثمَّ يرى أنَّ القيادة عادت بعد ذلك إلى الافتقار إلى الحيويَّة التي صنعت العصور الأولى. ويتناول ظهور العثمانيين وقوَّتهم العسكريَّة ومزاياهم، ثمَّ ما لحقهم من جمود في العلم والأخلاق وصناعة الحرب، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتقدَّم سريعًا في علوم الطَّبيعة والصِّناعة والتنظيم ووسائل القتال.
ويعود إلى التَّاريخ الأوروبي ليبحث في تكوين الحضارة الغربيَّة الحديثة، فيتتبَّع الميراث اليوناني والرُّوماني، ودخول المسيحيَّة أوروبا، وانتشار الرَّهبانيَّة، والصراع بين الكنيسة والسُّلطة، وما ينسبه إلى المؤسَّسات الكنسيَّة من اضطهاد للعلم والتضييق على الفكر. ويرى أنَّ الثَّورة الأوروبيَّة على الكنيسة لم تقف عند مقاومة الانحراف الديني، بل تجاوزته شيئًا فشيئًا إلى إقصاء الدِّين عن توجيه الحياة، حتى اتَّجه الفكر الغربي إلى المادِّيَّة. ويناقش أثر عدد من الفلسفات والنَّظريَّات الحديثة في تشكيل هذا الاتجاه، ويتوقَّف عند نظريَّة داروين وما يراه من امتداد بعض تصوُّراتها إلى الفكر والاجتماع، ثمَّ عند سيادة المنفعة والقوَّة بوصفهما من الموازين المؤثِّرة في الحضارة الحديثة.
ويربط القوميَّة الأوروبيَّة بهذا المسار، فيعرض نمو العصبيَّة الجنسيَّة والوطنيَّة وتحويل الأمَّة والوطن إلى غاية عليا تتقدَّم عند التعارض على الاعتبارات الأخلاقيَّة والإنسانيَّة. ويميِّز بين ما يسمِّيه «حكم الجباية» و«حكم الهداية»، ويناقش الاستعمار والتنافس بين الدُّول الكبرى واستغلال الشُّعوب والموارد والأسواق، ثمَّ الحروب التي فجَّرتها المنافسات القوميَّة. ويشدِّد على اختلال التوازن بين تضخُّم القدرة العلميَّة والصِّناعيَّة وبين نمو الضَّمير الأخلاقي، حتى امتلك الإنسان وسائل هائلة للتدمير من غير أن تتقدَّم قدرته الأخلاقيَّة بالمقدار نفسه، ويجعل القنبلة الذَّريَّة والحروب الحديثة من أبرز الشواهد التي يستدلُّ بها على خطورة انفصال القوَّة عن الهداية الخُلقيَّة.
ويناقش الخسارة التي أصابت العالم من انتقال مركز القيادة إلى هذا النموذج الحضاري كما يصوِّره، فيرى أنَّ التقدُّم العلمي والصِّناعي لم يمنع القلق الاجتماعي والتنافس الاقتصادي والحروب والاستعمار واضطراب العلاقات بين الأمم. ولا ينكر قيمة العلم أو الصِّناعة أو التنظيم؛ بل يعترض على تحوُّل الوسائل إلى غايات وعلى استخدام القدرة المادِّيَّة بلا مرجعيَّة خُلقيَّة تضبطها. ولهذا لا يجعل البديل رجوع المسلمين إلى التخلُّف المادِّي، وإنَّما يطالبهم بالجمع بين الإيمان والأخلاق من جهة، والعلم والصِّناعة والقوَّة والتنظيم من جهة أخرى.
ويتتبَّع كذلك أثر الغلبة الأوروبيَّة في الشُّعوب الآسيويَّة والعالم الإسلامي، فيرى أنَّ الاستعمار لم ينقل نظمًا سياسيَّة واقتصاديَّة فحسب، بل نقل تصوُّرات عن الإنسان والحياة والتقدُّم، وأنَّ كثيرًا من الأمم التي قاومت السيطرة الأجنبيَّة تبنَّت في الوقت نفسه الفلسفة الحضاريَّة للغرب ومقاييسه. ويصف المسلمين بأنَّهم أصبحوا تابعين لمسار حضاري لم يصوغوه بأنفسهم، حتى غلب التقليد على جوانب من التَّعليم والسِّياسة والاجتماع، وانفصلت قطاعات من الحياة العامَّة عن الرُّؤية الإسلاميَّة التي كانت في نظره سرَّ تميُّزهم التاريخي.
ويجعل معالجة الأزمة مرتبطةً بعودة العالم الإسلامي إلى حمل رسالته، لا بمجرد زيادة الثَّروة أو استعادة النُّفوذ السِّياسي. ويحدِّد هذه الرِّسالة بالدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم والإيمان باليوم الآخر، وإخراج الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى ومن ضيق الدُّنيا إلى سعتها ومن الجور إلى العدل. غير أنَّه لا يكتفي بالاستعداد الرُّوحي؛ بل يطالب بالاستعداد الصِّناعي والعسكري، والاستقلال الاقتصادي والتجاري، واكتساب العلوم الحديثة، وبناء تنظيم علمي جديد، لأنَّ أمَّةً تعتمد على غيرها في ضرورات حياتها ووسائل قوَّتها لا تستطيع -في تصوُّره- أن تستقلَّ بقيادتها أو تحمل رسالتها إلى غيرها.
ويعطي التربية موقعًا مركزيًّا في هذه النَّهضة، فيدعو إلى إنشاء جيل يجمع الإيمان العميق بالرسالة الإسلاميَّة إلى المعرفة والقوَّة والكفاية العمليَّة، ويرى في القرآن وسيرة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم مصدرين لإحياء الثِّقة والعزيمة والشعور بالمسؤوليَّة. ويطالب الشباب بالتضحية والخروج من حياة الدَّعة والاستسلام للأوضاع القائمة، مع العناية بالقوَّة البدنيَّة والفروسيَّة والاستعداد العسكري، حتى لا يبقى الإيمان منفصلًا عن القدرة على حماية المجتمع واستقلاله. فاستعادة الدور الذي ينشده للعالم الإسلامي مشروطة عنده بإنسان يجمع قوَّة العقيدة والخُلُق إلى العلم والصِّناعة والتنظيم والاستقلال، ويملك من أدوات العصر ما يمكِّنه من توجيهها إلى الغاية التي يؤمن بها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:





