
نبذة عن الكتاب:
يدرس بريك محمد بريك أبو مايلة العمري في هذا الكتاب غزوة مؤتة والسرايا والبعوث التي وجَّهها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناطق الشماليَّة من الجزيرة العربيَّة، فيتتبَّع أسبابها وتواريخها ومواقعها وقادتها وأحداثها ونتائجها، مع نقد الروايات الواردة فيها وتمييز صحيحها من ضعيفها. ويجمع مادَّته من كتب الحديث والسيرة والمغازي والدلائل والتفسير والتاريخ وتراجم الرجال، ويقارن بين الأسانيد والمتون وأقوال أهل المغازي، مستعينًا بمنهج المحدِّثين في الحكم على الروايات وبالمنهج التاريخي في الجمع بين الأخبار المختلفة أو ترجيح بعضها على بعض. ويعتمد الروايات الثابتة في بناء الأحداث، ويستفيد من بعض الأخبار الضعيفة في استكمال صورتها التاريخيَّة عند الحاجة، مع التنبيه إلى درجتها وعدم الاعتماد عليها في تقرير المسائل العقديَّة والشرعيَّة.
ويمهِّد للدراسة ببيان صلة الجزيرة العربيَّة ببلاد الشام والدولة البيزنطيَّة والقبائل العربيَّة المتنصِّرة، وما كان بين المسلمين وأهل الكتاب من علاقات منذ العهد المكِّي، ثمَّ يتناول امتداد الدعوة الإسلاميَّة نحو الشمال بعد الهجرة النبويَّة. ويذكر غزوة دومة الجندل، ومراسلات النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل والمقوقس والنجاشي والمنذر بن الحارث الغسَّاني، وما واجهته بعض البعوث الدعويَّة من اعتداءات. ويربط بين هذه الأحداث وبين إرسال السرايا إلى شمال الحجاز وأطراف الشام، مع بيان ما يراه من أهدافها الدعويَّة والعسكريَّة والسياسيَّة.
ويبدأ الباب الأوَّل بسرايا زيد بن حارثة رضي الله عنه، فيدرس سريَّته إلى وادي القرى، ويعرِّف بالمنطقة وقبائلها ومواضعها، ثمَّ يناقش الخلاف في سبب السريَّة وتاريخها، وما إذا كان زيد رضي الله عنه قد خرج في سريَّتين إلى وادي القرى أم أنَّ بعض الرواة خلطوا بين رحلة تجاريَّة وسريَّة عسكريَّة. ويقارن بين روايات ابن إسحاق والواقدي وابن سعد وغيرهم، ويناقش ما ورد عن تعرُّض بني فزارة لزيد وأصحابه، وما أعقب ذلك من إرسال السريَّة، وما نُقل في شأن أمِّ قِرفة، مع نقد الأسانيد ومناقشة ما وقع في الأخبار من اختلاف أو مبالغة.
ثمَّ يتناول سريَّة زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى حِسمى، فيبحث تحديد موقعها وصلتها بقبائل جُذام، وما ورد في سبب خروج السريَّة وأحداثها. ويعرض أخبار الاعتداء على دِحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه في أثناء عودته من مهمَّته إلى هرقل، وما ترتَّب على ذلك من إرسال زيد إلى المنطقة، ثمَّ يناقش الروايات المتعلِّقة بسبي بعض أفراد القبيلة وردِّهم بعد مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم. ويواصل بسريَّة زيد إلى مَدْين، فيدرس موقعها وأسباب البعث إليها، وما ورد في أخبارها من اختلاف، مع بيان درجة الروايات التي اعتمد عليها أهل المغازي في وصف أحداثها.
وينتقل إلى السرايا والبعوث المتوجِّهة إلى فدك وما حولها، فيتناول سريَّة علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بني سعد، وما ورد في تحالف بعض القبائل مع يهود خيبر واستعدادها لمساندتهم في مواجهة المسلمين. ويشرح أخبار خروج السريَّة ومسيرها ومباغتتها القوم، وما ترتَّب عليها من نتائج، مع المقارنة بين الروايات في عدد المشاركين وتاريخ البعث وموقعه. ثمَّ يدرس سريَّة بشير بن سعد رضي الله عنه إلى بني مُرَّة، وما جرى فيها من قتال وإصابة قائدها ونجاته، ويناقش ما اتَّصل بها من روايات الثأر والتحرُّكات العسكريَّة في تلك المنطقة.
ويتابع بسريَّة غالب بن عبد الله الليثي رضي الله عنه إلى الحُرَقات من بني مُرَّة، فيبحث سببها وتاريخها وأخبار القتال الذي وقع فيها، وما ورد في شأن الرجل الذي أظهر الإسلام عند إدراك المسلمين له. ويعرض الروايات المتعلِّقة بمقتل هذا الرجل، ويناقش اختلاف أهل المغازي في تحديد السريَّة التي وقع فيها الحادث، وصلته بأخبار أُسامة بن زيد رضي الله عنهما، وما يستفاد منه من أحكام عصمة الدم بإظهار الإسلام، مع نقد الأسانيد التي نُقلت بها تفاصيل الواقعة.
ويختتم السرايا السابقة لمؤتة بثلاث بعوث، أوَّلها سريَّة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومة الجندل، فيتناول وصيَّة النبي صلى الله عليه وسلم له، ودعوته أهل المنطقة إلى الإسلام، وما ورد في إسلام الأصبغ بن عمرو الكلبي وزواج عبد الرحمن من ابنته تماضر، ومناقشة ما يتعلَّق بذلك من روايات وأحكام. ثمَّ يدرس سريَّة بشير بن سعد رضي الله عنه إلى الجِناب، وما ورد في سبب إرسالها إلى تجمُّعات الأعراب المعادية للمسلمين، وأخبار مسيرها وما وقع فيها. ويعقبها بسريَّة كعب بن عمير الغفاري رضي الله عنه إلى ذات أطلاح، فيعرض ما ورد عن إرسالها للدعوة إلى الإسلام، ومقتل أفرادها بعد تعرُّضهم للغدر، وما وقع من اختلاف في تحديد موضع الحادث وتاريخه وعدد المشاركين فيه.
ويخصِّص الباب الثاني لغزوة مؤتة، فيبدأ بتحقيق اسم المعركة وموقعها، ويعرض أقوال الجغرافيِّين وأهل المغازي في تحديد مؤتة والمواضع المحيطة بها، ومنها معان ومآب والبلقاء. ثمَّ يناقش أسباب الغزوة، وفي مقدِّمتها مقتل الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه، رسول النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك بُصرى، وما ورد من أسباب أخرى تتعلَّق بمواقف القبائل العربيَّة المتحالفة مع الروم. ويبحث تاريخ المعركة، ويقارن بين أقوال أهل السيرة في الشهر والسنة اللذين وقعت فيهما، مرجِّحًا ما تسنده الروايات الأقوى والقرائن التاريخيَّة.
وينتقل إلى حشد الجيش الإسلامي، فيناقش عدد المقاتلين والأخبار الواردة في تجهيزهم وتوديعهم، وتولية زيد بن حارثة رضي الله عنه القيادة، ثمَّ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ثمَّ عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وما تضمَّنته الروايات من ترتيب القيادة عند استشهاد الأمراء. ويعرض ما ورد من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للجيش، ولا سيَّما ما يتعلَّق بالالتزام بأحكام القتال والنهي عن الاعتداء على غير المقاتلين، ويناقش أسانيد هذه الوصايا وألفاظها.
ثمَّ يدرس حشد القوات الرومانيَّة وحلفائها من القبائل العربيَّة المتنصِّرة، فيجمع الروايات المختلفة في أعدادهم وقادتهم ومواقع تجمُّعهم، ويناقش ما اشتهر في كتب المغازي من المبالغة في تقدير أعدادهم. ويفحص الأخبار المتعلِّقة بمشاركة هرقل أو بعض قادته في الاستعداد للمعركة، وأسماء القبائل العربيَّة التي انضمَّت إلى الروم، مع التمييز بين ما تدعمه الروايات والقرائن وما لا يثبت منها. ويبيِّن أثر اختلاف الأخبار في تصوُّر حجم الجيشين وطبيعة المواجهة.
ويتابع مسير الجيش الإسلامي إلى مؤتة، فيذكر توقُّفه في معان بعد وصول أخبار حشود الروم وحلفائهم، وما جرى من مشاورة بين القادة والمقاتلين بشأن الاستمرار في المسير أو مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم لطلب الإمداد. ويعرض موقف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في الحثِّ على المضيِّ إلى المواجهة، ثمَّ يتناول تحرُّك الجيش إلى ساحة القتال، وتنظيم الصفوف، وما ورد في ترتيب القيادة وأدوار المقاتلين.
ويفصِّل أخبار المعركة واستشهاد القادة الثلاثة، فيبدأ بزيد بن حارثة رضي الله عنه وما ورد في حمله الراية وقتاله حتى استُشهد، ثمَّ انتقالها إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وما نُقل من شدَّة قتاله وإصاباته، ثمَّ تولِّي عبد الله بن رواحة رضي الله عنه الراية واستشهاده. ويقارن بين الروايات في ترتيب الوقائع وما ورد فيها من أوصاف القتال، ويناقش الأخبار المتعلِّقة بمدَّة المعركة وما اشتهر من استمرارها أيَّامًا متعدِّدة، مع نقد ما لا يثبت من تفاصيلها.
ثمَّ يتناول انتقال القيادة إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه، وما جرى من اجتماع المسلمين على إمارته بعد استشهاد القادة، ويشرح ما ورد في مهارته العسكريَّة وإعادة تنظيم الجيش ومواجهة الروم وحلفائهم. ويناقش الروايات المتعلِّقة بتبديل مواقع المقاتلين وإحداث حركة أوهمت العدوَّ بوصول مدد جديد، وما ترتَّب على ذلك من تمكُّن الجيش الإسلامي من الانسحاب المنظَّم، مع عرض الأخبار الواردة في شدَّة القتال وانكسار السيوف في يد خالد رضي الله عنه.
ويبحث نتائج مؤتة، فيبدأ بما ثبت من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم باستشهاد زيد وجعفر وابن رواحة رضي الله عنهم، ثمَّ تولِّي خالد رضي الله عنه الراية، وتسميته «سيفًا من سيوف الله». ويتناول الروايات التي تفيد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين بالخروج لإمداد إخوانهم في مؤتة، ويناقش أسانيدها ودلالتها على سير الأحداث. ثمَّ يذكر شهداء المسلمين وما وقع من اختلاف في أسمائهم وعددهم، ويشير إلى ما ورد في خسائر الطرف الآخر، مع بيان حدود المعلومات المتاحة في المصادر.
ويعرض الخلاف بين أهل المغازي في نتيجة المعركة، فيذكر الأقوال القائلة بانتصار المسلمين وهزيمة الروم، والأقوال التي عدَّت ما جرى هزيمة للمسلمين، والرأي الذي يرى أنَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه أنقذ الجيش من الإبادة بانسحاب منظَّم. ويناقش أدلَّة كلِّ قول، وما ورد في الحديث الصحيح من وصف ما جرى بأنَّه «فتح»، وما نُقل عن استقبال أهل المدينة للجيش العائد. ويرجِّح أنَّ خالدًا رضي الله عنه نجح في الانسحاب بالجيش من ميدان المعركة، دون أن يحقِّق المسلمون حينئذٍ إخضاع الروم وحلفائهم في المنطقة، ويرى أنَّ المحافظة على الجيش كانت من أبرز النتائج العسكريَّة للمعركة.
ويتناول بعد ذلك حزن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم على شهداء مؤتة، وما ورد في أخبار آل جعفر رضي الله عنهم، ثمَّ يستخرج الأحكام المتعلِّقة بتأمير القادة وترتيب الخلافة في القيادة، وجواز اختيار الجيش أميرًا عند الحاجة، وأحكام الانحياز في القتال، والتعامل مع أهل الشهداء، وما يتعلَّق بالوصايا النبويَّة للجند. ويعقب ذلك بالدروس التي يستخلصها من أحداث المعركة في الصبر والثبات والشورى وحسن التدبير العسكري، وأثر القيادة في حفظ الجيش عند اختلال موازين القوَّة.
ويخصِّص الباب الثالث للسرايا والبعوث التي تلت مؤتة، فيبدأ بسريَّة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى ذات السلاسل، فيناقش اسم الموضع وموقعه وتاريخ السريَّة وسبب إرسالها، وما ورد في تجمُّع قبائل قضاعة وغيرها من القبائل الشماليَّة. ويعرض أخبار خروج عمرو وطلبه الإمداد من النبي صلى الله عليه وسلم، وإرسال أبي عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه في جماعة من المهاجرين، وما وقع من تفاهم بين القائدين بشأن الإمارة، ثمَّ يتناول مسير السريَّة وأحداثها ونتائجها.
ويبحث الأحكام المستفادة من سريَّة ذات السلاسل، ومنها ما ورد في تيمُّم عمرو بن العاص رضي الله عنه في الليلة الباردة وصلاته بأصحابه، وما ورد في صلاته بالجيش مع ما اتصل بذلك من أحكام الطهارة والإمامة. كما يناقش أخبار منع إشعال النيران أو ملاحقة العدوِّ في بعض مراحل السريَّة، وما استُخلص منها من مسائل تتعلَّق بطاعة القائد وحسن تقديره للموقف العسكري، مع الموازنة بين الروايات التي نقلت هذه الأحداث.
ثمَّ ينتقل إلى سريَّة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الأُكَيدِر صاحب دومة الجندل، فيبحث تاريخها وموقعها وما ورد في سبب إرسالها، ثمَّ يدرس أخبار خروج خالد وأسره الأُكيدِر وما جرى من صلح أو عهد بينه وبين المسلمين. ويناقش اختلاف الروايات في ديانة الأُكيدِر، وما نُقل بشأن بقائه على النصرانيَّة أو إسلامه، وما يتعلَّق بذلك من أحكام الجزية والأمان والصلح. ويعرض كذلك ما ورد في الغنائم والهدايا التي وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبار الأُكيدِر بعد هذه السريَّة، مع نقد الروايات التي تناولت مصيره.
ويختم بسريَّة أُسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى أُبْنَى، فيعرِّف بالموضع ويبحث تاريخ إعداد الجيش، وما ورد في تكليف أُسامة بقيادته رغم صغر سنِّه، وما أثاره هذا الاختيار من كلام بعض الناس، وردِّ النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. ويذكر ما يتصل بتجهيز الجيش وأسماء بعض المشاركين فيه، وما ورد في وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لقائده، ثمَّ يتناول ما طرأ على مسير السريَّة بسبب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، وإصرار أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه على إنفاذ الجيش، وما ترتَّب على ذلك من أحداث ونتائج.
ويستخلص المؤلف من مجموع الدراسة أنَّ غزوة مؤتة والسرايا الشماليَّة كانت، في تقديره، جزءًا من سياسة نبويَّة متدرِّجة تستهدف توسيع مجال الدعوة ومواجهة القوى التي تحول دون انتشارها، ولم تكن مجرَّد حملات انتقاميَّة فرضتها حوادث منفردة. ويؤكِّد ما ظهر له من عناية النبي صلى الله عليه وسلم باختيار القادة، وجمع المعلومات عن العدوِّ، وإرسال العيون والأدلَّاء والطلائع، والمباغتة وتنظيم القوَّات، وما تضمَّنته وصاياه العسكريَّة من ضوابط للقتال. كما يبيِّن أثر مؤتة والسرايا الشماليَّة في تعريف المسلمين بقوَّة الروم وحلفائهم وأساليبهم، وما أفادوه من تجارب عسكريَّة في المواجهات اللاحقة، داعيًا إلى التوسُّع في نقد الروايات التاريخيَّة وفق مناهج الحديث والتاريخ وأصول الفقه.














