
نبذة عن الكتاب:
يُحرِّر محمد بن عبد الحميد الأسمندي في هذا الكتاب مسائلَ الخلاف بين الحنفية وغيرهم، ولا سيما الشافعي، فيقرِّر مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ويقيم دليله، ويستخرج الوصف المؤثِّر في الحكم، ثمَّ يورد ما يمكن أن يعترض به الخصم من منعٍ أو معارضةٍ أو فرقٍ أو نصٍّ مخالف، ويجيب عن ذلك حتى يستكمل وجه الاستدلال. ولذلك يأتي بناء المسألة في الغالب على نسق متكرر: ذكر موضع الخلاف، ثمَّ «الوجه فيه»، وبيان العلة وتأثيرها، ثمَّ «فإن قيل» لعرض اعتراض المخالف، وأخيرًا «الجواب» لتفكيك الاعتراض والرد عليه.
ويبدأ بكتاب الطَّهارة، فيناقش نواقض الوضوء، والنية والترتيب فيه، وما تزال به النجاسة، فيربط الفروع بأوصاف مؤثِّرة كالنجاسة والطَّهارة والحاجة إلى رفع المانع من العبادة. ومن أوائل مسائله خلافه في الخارج النجس من غير السبيلين، إذ يبني الحكم على كون خروج النجاسة وصفًا مؤثِّرًا في إيجاب الوضوء، ثمَّ يورد اعتراض المخالف بأن النص ورد في السبيلين وأن الحكم تعبدي، ويجيب عنه بتقرير معقولية المعنى والفرق بين الصور.
ثمَّ ينتقل إلى الزَّكاة، فيبحث زكاة الحلي، والمال الضِّمار، وضم المال المستفاد إلى النصاب، وأثمان الأموال المزكاة، وأثر الدَّين في الوجوب، وسقوط الزَّكاة بهلاك النصاب، ودفع القيمة، وزكاة مال الصبي والمجنون. ويظهر في هذه المسائل اعتماده على تعليل الأحكام بمعاني النماء والثمنية والمالية والملك والقدرة، ثمَّ اختبار هذه العلل بالنقوض والفروق والنصوص.
ويبحث في الصوم مسائل النية ووقتها، وحكم المجنون إذا أفاق في بعض رمضان، والنذر بصيام الأيام المنهي عنها، والكفارة في الإفطار بالأكل والشرب، وحكم المنفرد برؤية الهلال، وتداخل الكفارات، وإفساد صوم التطوع. ويكثر هنا من التفريق بين حقيقة العبادة وسببها ومصلحتها، وبين أصل الوجوب ووجوب الأداء، وبين ما ثبت بالنص وما يمكن تعديته بالاستدلال.
ثمَّ يفصِّل مسائل النكاح، فيبدأ بالمفاضلة بين الاشتغال بالنكاح والتخلِّي لنوافل العبادة، ثمَّ يتناول الولاية والإجبار والكفاءة والشهادة والخلوة والمهر وغير ذلك من الأحكام التي يتنازع فيها الحنفية والشافعية. ولا يقتصر على تقرير الحكم، بل يردُّ كل مسألة إلى أصلها: هل الأمر للوجوب أو الندب، وهل العقد موضوع لمصلحة مخصوصة، وما أثر الأهلية والرضا والولاية في انعقاده ونفاذه.
ويتبع ذلك بالطلاق والعتاق والأيمان، فيناقش أثر الزوج الثاني في عدد الطلقات السابقة، وتداخل العدد، وأحكام التعليق والرجعة، ثمَّ مسائل العتق وصيغ التحرير وما يترتب على الألفاظ من ملك أو حرية، وأحكام الأيمان والكفارات. ويستعمل في هذه المواضع مباحث الحقيقة والمجاز، والسبب والشرط، والمانع، ودلالة الصيغ، وتعلُّق الأحكام بالمقاصد أو بالألفاظ.
ويخص الحدود والسرقة بمباحث واسعة في شروط الإحصان، والشبهات المانعة من الحد، والوطء بعقد فاسد أو شبهة، ومقادير ما يوجب القطع، وما يؤثِّر في قيام الجناية أو سقوط العقوبة. ويحرص على بيان أنَّ العقوبات لا تثبت مع الشبهة، ثمَّ يناقش حقيقة الشبهة وسبب تكوُّنها ومدى صلاحية العقد أو الملك أو الاعتقاد لإثباتها.
وفي كتاب السِّير يتناول أحكام الجهاد والأمان والغنائم والخمس ودار الإسلام ودار الحرب، ومن ذلك الخلاف في سهم ذوي القربى من خمس الغنيمة؛ فينقل مذهب أبي حنيفة وأصحابه في قصره على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، ومذهب الشافعي في إثبات سهم لذوي قربى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يجعل مدار الخلاف على علة الاستحقاق: أهي القرابة أم الفقر.
ويتناول بعد ذلك الغصب والوديعة والعارية والصيد والهبة والبيوع والصرف والشُّفعة والإجارات، فيناقش ضمان المنافع والزوائد، وأحكام الأمانة والتعدي، وانتقال الملك والبدل والقيمة، والشروط المؤثِّرة في صحة العقود وفسادها، وما يعتبر فيه القبض أو التسليم أو القدرة عليه. ويعتمد في ذلك على تحليل حقيقة الملك والضمان والبدل والمماثلة، وربط كل حكم بالمعنى الذي يناسبه.
ثمَّ يأتي بكتب الشهادات والدعوى والإقرار والوكالة والكفالة والحوالة والصُّلح والرهن، فيبحث حجية البيِّنات، والتهمة في الشهادة، وعدد الشهود، وشهادة الرجل والمرأتين، ونفاذ حكم القاضي، وما يثبت بالإقرار، وأثر النيابة والالتزام ونقل الحقوق والديون. ومن ذلك مسألة انعقاد النكاح وظهوره بشهادة رجل وامرأتين، حيث يفصل بين انعقاد العقد وبين ظهوره والقضاء به، ويبني الحكم في كل منهما على وظيفة الشهادة في إظهار الحق وصيانته من التجاحد.
ويبحث كذلك الأشربة والإكراه والحجر والمأذون، وما يتصل بأهلية التصرُّف والإجبار والرضا والاختيار، ثمَّ ينتهي إلى كتاب الجنايات، فيناقش أحكام القتل والقصاص والدِّيات وما تتحمله العاقلة، والفروق بين الحر والعبد في الضمان، وأثر العمد والخطأ في موجبات الجناية.
وتأتي من آخر مسائله دية العبد المقتول خطأ، فيقرر أنَّها لا تبلغ دية الحر كاملةً، ويناقش هل الواجب في العبد بدل الدم أم قيمة المال، وما يترتب على ذلك من مقدار الضمان وتحمله. ثمَّ يختم الكتاب بالمسألة الثانية بعد المائتين في القتل العمد: هل يوجب الكفارة؟ فينفي وجوبها، ويستدل بآية جزاء القاتل عمدًا، ثمَّ يجيب عن قياس العمد على الخطأ، ويقرر أنَّ الكفارة في الخطأ لا تستلزم ثبوتها في العمد، وينتهي بقوله: «والله أعلم بالصواب».