
نبذة عن الكتاب:
يبيِّن ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب منزلة إخفاء الصَّدقة وما ورد في فضلها من القرآن والسُّنَّة، مستهلًّا بقوله تعالى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، ثمَّ يستدلُّ بحديث الرَّجل الذي تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه، وبالحديث الذي شبَّه الجهر بالقرآن بالجهر بالصَّدقة، والإسرار بالقرآن بالإسرار بالصَّدقة، وما ورد في تعظيم شأن المتصدِّق الذي يبلغ به الإخفاء غايته.
ويورد ما رُوي في أنَّ صدقة السِّر تُطفئ غضب الرَّب عزَّ وجلَّ وتدفع ميتة السُّوء، وما جاء في قصَّة أبي طلحة رضي الله عنه حين تصدَّق بحائطه، مستدلًّا بهذه النُّصوص على أصل فضيلة الإخفاء. ويتَّجه معنى هذه الفضيلة إلى إبعاد الصَّدقة عن دواعي الإعلان، وتحقيق السِّرِّيَّة فيها على الوجه الذي جاءت به النُّصوص، حتى يكون عمل المتصدِّق مستورًا ما أمكن.
ويحرِّر بعد ذلك مسألةً أدقَّ، وهي: هل إخفاء الصَّدقة أفضل في الزَّكاة المفروضة كما هو في صدقة التَّطوُّع، أم أنَّ لكلٍّ منهما حكمًا؟ فينقل عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ إعلان صدقة الفريضة أفضل من إسرارها، وأنَّ هذا المعنى يجري في الفرائض، بينما نقل عن سفيان الثَّوري أنَّ قوله تعالى في تفضيل الإخفاء محمول على صدقة التَّطوُّع. ويورد قول يزيد بن أبي حبيب في أنَّ الآية نزلت في اليهود والنَّصارى، مع نقله أنَّه كان يأمر بقسم الزَّكاة سرًّا.
ويعرض ما نُقل عن ابن جرير الطَّبري من الإجماع على أنَّ إظهار الواجب أفضل، ثمَّ يناقش القول بأنَّ إخفاء الزَّكاة كان أفضل في زمن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ العلماء استحسنوا بعد ذلك إظهار الفرائض حتى لا يُتَّهم صاحبها بمنعها. وينقل اعتراض ابن عطيَّة على هذا التَّعليل، وقوله بإمكان استحسان التَّستُّر بصدقة الفرض إذا كثر مانعوها وصار إخراجها مظنَّةً للرِّياء، ثمَّ يضعِّف ابن رجب هذا التَّوجيه، ويقيسه على الصَّلاة المكتوبة؛ فكما لا يكون انتشار ترك الصَّلاة سببًا لإخفاء الفريضة، لا يكون انتشار منع الزَّكاة موجبًا لجعل إخفائها أفضل.
ويناقش دعوى نسخ قوله تعالى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً}، ويحكم على دعوى النَّسخ بالضَّعف الشَّديد؛ لأنَّ الآية الثَّانية لا تعارض الأولى، وإنَّما تدلُّ على قبول النَّفقة سرًّا وعلانيةً، فلا موجب لإسقاط حكم إحداهما بالأخرى.
ويتناول ما حُكي في صلة قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} بإعطاء صدقة الفرض للأقارب المشركين، وينقل ردَّ ابن عطيَّة لهذا القول، وما نُقل عن ابن المنذر من الإجماع على عدم إعطاء أهل الذِّمَّة من صدقة المال. ثمَّ يذكر ما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما في تفسير المساكين في آية مصارف الزَّكاة بأهل الكتاب، وينبِّه إلى أنَّ إسناد هذا الأثر لا يثبت، محافظًا في عرض المسألة على التَّفريق بين ما يُحكى من الأقوال وما يصحُّ الاستناد إليه.
ويعرض كذلك ما رُوي في تشبيه الجهر بالقراءة والإخفاء فيها بالجهر بالصَّدقة والإسرار بها، ثمَّ ينقل تفسيرًا يجعل قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} في الزَّكاة المفروضة، وقوله: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} في صدقة التَّطوُّع، ويصف هذا التَّفسير بالغرابة. وبذلك يظلُّ البحث منصبًّا على التَّمييز بين صدقة الفرض والتَّطوُّع في حكم الإظهار والإخفاء، وعلى تمحيص ما نُقل في تفسير الآيات المتعلِّقة بهما.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














