الشيخ محمد علي علي السايس العلَّامة الفقيه الحنفي الأصولي، ذو العِمادتَيْن؛ لعمادته كلية أصول الدين، وكلية الشريعة، وُلِد في مدينة مطوبس التابعة لمحافظة كفر الشيخ عام 1319هـ، الموافق يوم 16 أغسطس 1899م، حفظ القرآن الكريم كلَّه في سِنِّ التاسعة، والتحق بالأزهر، وتتلمذ فيه على يد كوكبة من العلماء منهم الشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ عيسى منون، والشيخ محمد الخضر حسين، وتدرَّج في التعليم حتى حصل على العالميَّة في سِنِّ الثامنة والعشرين، في شهر ذي القعدة سنة 1345هـ/1927م، ثم نال تخصص القضاء الشرعي في شهر ذي الحجة سنة 1350هـ، الموافق أبريل 1932م. عُيِّنَ فضيلة الشيخ السايس مدرسًا في كليَّة أصول الدين، التى انتقل إليها بعد أن عُيِّن في مدينة أسيوط عقب حصوله على العالميَّة، وترقَّى في درجاتها العلميَّة والوظيفيَّة حتى صار عميدًا لها عام 1954م. وبعد مُكْثه في عمادة كليَّة أصول الدين ثلاث سنوات تقلَّد عمادة كليَّة الشريعة والقانون سنة 1958م ؛ ليصير صاحب العمادتَيْن. عُيِّن الشيخ عضوًا في جماعة كبار العلماء بناءً على الأمر الملكي رقم (35) لسنة 1952م، الصادر في 20 من شعبان سنة 1371هـ، الموافق 14 مايو سنة 1952م، الذي شمل تعيين ثمانية علماء ضمن جماعة كبار العلماء، هم: الشيخ عبد الله غسان موسى، والشيخ محمد عبد الله يوسف الجهني، والشيخ رزق محمد الزلباني، والشيخ محمد عبد اللطيف السبكي، والشيخ عبد القادر محمد خليف، والشيخ صالح موسى شرف، والشيخ الطيب حسن حسين النجار. وفي أثناء عضويَّته في هيئة كبار العلماء صدر قرار مجلس الوزراء في الرابع عشر من شهر فبراير سنة 1954م بتعيين فضيلته عضوًا في المجلس الأعلى للأزهر لمدة ثلاث سنوات، وكانت تُجدَّد عضويته فيه حتى وفاته؛ فمن ذلك قرار التجديد الصادر من رئاسة الجمهوريَّة في 23 من جمادى الأولى سنة 1387هـ، الموافق 29 من أغسطس سنة 1967م، بتجديد عضويته في المجلس الأعلى للأزهر لمدة سنتين. وعقب إلغاء هيئة كبار العلماء عام 1961م نال الشيخ عضويَّة مجمع البحوث الإسلاميَّة في 5 يوليو سنة 1961م، وتفيد الوثيقة الصادرة من رئاسة الجمهورية في 23 من جمادى الأولى سنة 1387هـ، الموافق 29 من أغسطس سنة 1967م، التي تنصُّ على تعيين فضيلته عضوًا في المجلس الأعلى للأزهر لمدة سنتين، بأنَّه كان عضوًا في مجمع البحوث الإسلاميَّة حتى عام 1967م، وقد ظلَّ عضوًا به حتى وفاته، وشغل الشيخ السايس منصب الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة حتى تاريخ إحالته إلى المعاش في 16/ 8/ 1964م، بعد بلوغه سن الخامسة والستين. خلَّف الشيخ آثارًا علميَّة جليلة نافعة، منها: 1- تاريخ التشريع الإسلامي، وهو من أوائل ما صُنِّف في تاريخ التشريع الإسلامي بوصفه علمًا مستقلًّا، وقد ألَّفه الشيخ بالاشتراك مع الشيخ عبد اللطيف السبكي والشيخ محمد البربري. 2- نشأة الفقه الاجتهادي وأطواره، وكان الشيخ وقتها عضوًا في المجمع، وقدَّم للكتاب فضيلةُ الشيخ عبد الحليم محمود، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية آنئذٍ، ويتكوَّن الكتاب من مائة وثلاث عشرة صفحة، بدأها الشيخ السايس ببيان مفهوم الشريعة والاجتهاد والفقه، ثم أتبعه بالحديث عن اجتهاد الرسول ﷺ والصحابة، والحكمة من اجتهاده ﷺ، ثم تطرَّق إلى التشريع في عصر النبوة، وعرَض لتاريخ الاجتهاد بدءًا من عصر الخلفاء الراشدين حتى العصر العباسي، مُلخِّصًا أصول المذاهب الأربعة، وعمل العلماء بعد عصر الاجتهاد. 3- تاريخ الفقه الإسلامي (كلمات في تاريخ التشريع الإسلامي، تتناول نشأته وتطوُّره، وتُطْلِعك على مصادر التشريع ومذاهبه، وتكشف لك عن مزاياه ومقاصده)، وقد أُلِّفت مادة الكتاب وفقًا لمنهج طلاب السنة الثانية من كليَّة الشريعة الإسلاميَّة بالأزهر الشريف وقتئذٍ ، وعَمَلُ الشيخ السايس في هذا الكتاب هو: الإشراف على مراجعته وتصحيحه وتهذيبه. 4- مقارنة المذاهب في الفقه، وقد ألَّفه الشيخ لطلاب كليَّة الشريعة بالاشتراك مع فضيلة الشيخ محمود شلتوت، عضو هيئة كبار العلماء وقتئذٍ، وجاء توصيف الشيخ السايس على غلاف الكتاب: «الأستاذ بكليَّة الشريعة»، وقد طُبِع الكتاب أكثر من مرة، وعدَّه الكاتبان نوعًا جديدًا من دراسة الفقه، أساسه وضع المسألة وذِكْر حكمها في كلِّ مذهب من المذاهب، وعَرْض أدلة المذاهب ووجهات النظر التي كانت منشأ اختلاف الأئمة في الحكم، ومناقشة هذه الأدلة؛ ليتخذ المدرِّس من نفسه حَكَمًا عَدْلًا مُجَرَّدًا من المذهبيَّة التي أَلِفَها؛ بغية الوصول إلى الحق. 5- توحيد بداية الشهور القمريَّة، وهو بحثٌ منشورٌ في العدد الثالث من مجلة مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعرض فيه الشيخ إلى أقوال علماء المذاهب فيما يثبت به الهلال في حالتي الصحو والغيم، وآراء العلماء في مطالع القمر، وبيَّن أنواع الحساب الفلكي وآراء العلماء في الاعتداد بقول أهل الحساب والفلكيين في تحديد الشهور القمريَّة، منتهيًا إلى ما يجب على الدول الإسلاميَّة القيام به في شأن إثبات الشهور القمريَّة. 6- ملكيَّة الأفراد للأرض ومنافعها في الإسلام، وهو بحثٌ شارك به الشيخ السايس في المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلاميَّة بالأزهر الشريف، في شهر شوال سنة 1383هـ/ مارس 1964م، الذي ناقش قضية: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة. 7- مذكرة في تاريخ التشريع الإسلامي بالاشتراك مع الشيخ عبد الرحمن تاج. 8- تفسير آيات الأحكام، وأصله مذكِّراتٌ قرَّرتها كليَّة الشريعة على طلابها في مختلف الفرق وفق المنهج المرسوم، ولم تُسَلَّم نسبة الكتاب إلى الشيخ السايس؛ فقد طُبِعَ أكثرَ من مرَّة دون اسم مؤلِّفه، غير أن الطبعة الصادرة عام 1373هـ/ 1953م حملت اسم الشيخ بوصفه المشرف على تنقيحه وتصحيحه، وزادت طبعاتٌ أخرى فأشركت مع الشيخ في التنقيح والتصحيح كُلًّا من: الشيخ عبد اللطيف السبكي، والشيخ محمد إبراهيم محمد كرسون. وقد كُتب عددٌ من الرسائل والبحوث العلميَّة عن الشيخ السايس كلها ينطلق من ثبوت نسبة كتاب «تفسير آيات الأحكام» إليه، وقد رأينا من الواجب إثباتها، وهي: 1- منهج السايس والصابوني في التفسير من خلال آيات الأحكام – دراسة مقارنة، رسالة ماجستير للباحثة حنان محمد محمود الهادي، قسم التفسير، كليَّة الشريعة والدراسات الإسلاميَّة، جامعة أفريقيا العالميَّة، عام 1434هـ/ 2013م. 2- منهج الشيخ محمد علي السايس في كتابه تفسير آيات الأحكام، بحث للدكتور عبد الله أحمد حسين الزيوت، مجلة العلوم الإسلاميَّة – تركيا، عام 2014م. 3- المسائل النحويَّة في تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد علي السايس، رسالة دكتوراه للباحث عبدالرحمن مركح خطيب، قسم الدراسات النحويَّة واللغويَّة، كليَّة اللغة العربيَّة، جامعة أم درمان الإسلاميَّة، السودان، عام 2014م. 4- منهج الشيخ محمد علي السايس في كتابه تفسير آيات الأحكام، رسالة ماجستير للباحث مصطفى عبد السلام محمد محمد، قسم الدراسات الإسلاميَّة، كلية الآداب، جامعة المنيا، عام 1439هـ / 2018م. أمَّا عن النشاط الأكاديمي والعلمي للشيخ السايس فقد أشرف وناقش عددًا كبيرًا من الرسائل العلميَّة، من أبرز أصحابها: الشيخ محمد حسين الذهبي، وكانت له جلسات علميَّة مع بعض المشايخ بقاعة الإمام محمد عبده؛ كالشيخ عبد الرحمن تاج، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد أبي زهرة، والشيخ محمد دراز، وغيرهم. وتقديرًا لمكانة فضيلة الشيخ محمد علي السايس وجهوده العلميَّة حاز عددًا من الأوسمة؛ منها الوسام الملكي في عهد الملك فاروق، ووسام الشرف لجمهوريَّة مصر من الطبقة الأولى في عهد الثورة، كما كُرِّم اسمُ الشيخ -بعد وفاته- خلال فعاليات احتفال الأزهر بعيده الألفي عام 1403هـ/ 1983م؛ ففي أثناء انعقاد مؤتمر مجمع البحوث الإسلاميَّة بهذه المناسبة منحه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى. بعد حياة حافلة بالعطاء، وفي يوم الأربعاء غُرَّة شهر ذي الحجة 1396هـ، الموافق 24 نوفمبر 1976م، لقي فضيلة الشيخ محمد علي السايس –رحمه الله– وجه ربِّه، عقب مناقشته إحدى رسائل الدكتوراه بثلاث ساعات، عن سبعة وسبعين عامًا أفناها في خدمة العلم وطلابه، رحمه الله رحمة واسعة، وأنزله منازل الأبرار.