علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحَلَبي: أبو الحارث، وأبو الحسن، باحث وداعية سلفي أثري، فلسطيني يافي الأصل، أردني المولد والنشأة، منسوب إلى حلب. كانت أسرته في يافا بفلسطين، ثم هاجرت بعد احتلالها سنة ١٣٦٨هـ / ١٩٤٨م، واستقر أبوه وجده في الأردن. وُلد في مدينة الزرقاء يوم الأحد ٢٩ جمادى الآخرة سنة ١٣٨٠هـ، الموافق ١٨ ديسمبر سنة ١٩٦٠م.
نشأ في الأردن، وبعد إتمام دراسته الثانوية التحق بالجامعة العربية لدراسة المحاسبة، لكنه لم يكملها، وقُبل بعد ذلك لدراسة الطب في جامعة بوسطن، غير أن همته اتجهت إلى طلب العلم الشرعي. وكانت من أوائل محطات تعلقه بالعلم اطلاعه على كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة لمحمد ناصر الدين الألباني، فأعجبه تنبيهُه على الأحاديث الضعيفة المشتهرة بين الناس. ثم أخذ في الزرقاء شيئًا من التجويد والفقه عن بعض مشايخها.
التقى محمد ناصر الدين الألباني سنة ١٩٧٨م حين كان الألباني يزور الأردن، ثم لازمه مدة طويلة بعد استقراره فيها سنة ١٩٨١م، وتأثر بمنهجه وطريقته العلمية، وصار من أخص طلبته وأقربهم إليه. درس عليه نخبة الفكر ومنتخبات من نزهة النظر، وكان يعرض عليه إشكالات الباعث الحثيث وغيرها من كتب المصطلح. ومنذ منتصف الثمانينيات توثقت علاقته به، وشارك في مراجعة كثير من مشاريعه العلمية، حتى قال عن نفسه إن كتب الألباني التي طبعت بعد المجلد الرابع من السلسلة الصحيحة والثالث من السلسلة الضعيفة قد مرت عليه مراجعة أو خدمة.
ومن شيوخه أيضًا: عبد الودود الزراري، ومحمود إدريس في التجويد، ونعمان أبو عياد، وعبد الرؤوف العنبوشي في الفقه، وحماد الأنصاري، وعلي بن عبد الرحمن الحذيفي، وعاصم القريوتي، كما حضر مجالس عبد العزيز بن باز ومحمد بن صالح العثيمين في مواسم الحج والعمرة، وأُجيز من عدد من أهل العلم، منهم بديع الدين السندي، ومحمد السالك الشنقيطي، وجمع إجازاته في ثبت سماه مسالك بداية المستفيد في الرواية والإجازة والأسانيد.
تفرغ للبحث والتأليف والتحقيق منذ بواكير طلبه، وبلغت مصنفاته أكثر من مئتي مصنف بين تأليف وتحقيق وتعليق. كما عمل في مؤسسة الرسالة، فرع عمان، في التحقيق العلمي بصحبة شعيب الأرناؤوط، وشارك في تأسيس مجلة الأصالة، وكتب في جريدة المسلمون الصادرة في لندن ضمن زاوية السنة، كما كتب في مجلة الجامعة السلفية بالهند، ومجلة أمتي بالكويت، وغيرها.
كان له نشاط دعوي وعلمي واسع؛ فشارك في رحلات علمية ودعوية داخل الأردن وخارجها، في السعودية ومصر والكويت والإمارات وإندونيسيا وأمريكا وهولندا وأوكرانيا وغيرها. وأسّس مع إخوانه مركز الإمام الألباني في عمان، وأشرف على منتدى كل السلفيين، وكانت له دروس ومحاضرات في المساجد والجامعات والقنوات، ودُعي إلى محاضرات في الجامعة الأردنية، وجامعة اليرموك، وجامعة الزيتونة، وغيرها.
عُرف بقربه من طلبة العلم، وبذل وقته لهم، وفتح بيته ومكتبته للزائرين، وكثرة إجابته عن الأسئلة والاستفتاءات. كما عُرف بالتواضع، وسعة الصدر، وطلاقة الوجه، وحرصه على وحدة صف أهل السنة، مع اشتغاله بالرد على أهل البدع والمناهج المخالفة. ووقع له خلاف مع بعض أهل العلم في مسائل متعلقة ببيان حقيقة الإيمان واشتراط العمل فيه، ورد عليه بعضهم في ذلك، ومنهم اللجنة الدائمة، مع بقاء عنايتهم ببيان خطئه دون إهدار جهوده في الدعوة والتعليم.
من مؤلفاته: الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي، والرد العلمي على حبيب الرحمن الأعظمي، والسلفية لماذا؟ معاذًا وملاذًا، والعقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون، والفئة الضالة، والفوائد المختصرة في أحكام العمرة، والقول المأمون في تخريج ما ورد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، والمنح الصحيحة في أصول النقد والنصيحة، والمنظومة النونية في مآثر ورثاء مجدد علوم السنة النبوية، والموت عظاته وأحكامه، والنكت على نزهة النظر، وإنها سلفية العقيدة والمنهج، والكشف المعلم بأباطيل كتاب تنبيه المسلم، ودلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق، ورؤية واقعية في المناهج الدعوية، وفقه الواقع بين النظرية والتطبيق، وكلمة تذكير بمفاسد الغلو في التكفير، ومجمل تاريخ الدعوة السلفية في الديار الأردنية نشأة وانتشارًا.
وله شروح ودروس كثيرة، منها: شرح تجريد التوحيد للمقريزي، وشرح العقيدة الواسطية، وشرح العقيدة الطحاوية، وشرح شرح السنة للبربهاري، وشرح النبذ في أصول الفقه لابن حزم، وشرح بعض كتب صحيح البخاري، وشرح الموقظة للذهبي، وشرح الباعث الحثيث، وشرح نخبة الفكر، وشرح نزهة النظر، وشرح الإبانة الصغرى لابن بطة، وشرح منهج السالكين للسعدي. ومن آخر ما شرع فيه شرح الشمائل للترمذي بعنوان اللطائف العلمية على صحيح الشمائل النبوية، ولم يتمه.
ابتُلي في شبابه بالسجن بسبب إطلاقه اللحية في الجيش، فحُكم عليه بثلاثة أشهر، ثم خُفف الحكم إلى ثمانية وثلاثين يومًا. ثم كانت من محنه ما ناله من طعن بعض مخالفيه في عقيدته ومنهجه، وقد قابل ذلك بالصبر والرد العلمي والدعوة إلى الرفق بين أهل السنة.
توفي يوم الأحد ٢٩ ربيع الأول سنة ١٤٤٢هـ، الموافق ١٥ نوفمبر سنة ٢٠٢٠م، بعد إصابته بفيروس كورونا. ومن آخر ما كتبه: سبحان الله العظيم، لا يغني حذر من قدر. وصُلّي عليه بعد العصر في مسجد مستشفى الأمير حمزة، ودُفن في مقبرة الهملان بعمّان، بجوار شيخه محمد ناصر الدين الألباني، رحمهما الله.