عبد السلام محمد هارون
عبد السَّلام بن مُحمَّد بن هَارُون، من آل عبد الرَّزَّاق: لُغَوِيٌّ ونَحْوِيٌّ وأديبٌ مصريٌّ، من كبار المُحقِّقين للتُّراث العربيّ والإسلاميّ في العصر الحديث، وأستاذُ النَّحو ورئيسُ قسمه بكلِّيَّة دار العلوم بجامعة القاهرة، والأمينُ العامُّ لمجمع اللُّغة العربيَّة بالقاهرة. وُلِد بمدينة الإسكندريَّة في 18 يناير سنة 1909م، ونشأ في أسرةٍ عُرفت بالعلم والقضاء؛ فجدُّه لأبيه الشَّيخ هَارُون بن عبد الرَّزَّاق، عضو جماعة كبار العلماء، وأبوه الشَّيخ مُحمَّد بن هَارُون، رئيس التَّفتيش الشَّرعيّ بوزارة الحقَّانيَّة، وكان ابنَ خال المُحقِّقَيْن أحمد مُحمَّد شَاكِر ومحمود مُحمَّد شَاكِر. وانتقل مع أسرته إلى القاهرة، وحفظ القرآن الكريم في صِغَره، ثمَّ التحق بالأزهر سنة 1921م، ودرس فيه العلوم الشَّرعيَّة والعربيَّة، وانتقل إلى تجهيزيَّة دار العلوم سنة 1924م، وحصل على شهادة البكالوريا سنة 1928م، ثمَّ أتمَّ دراسته بدار العلوم العليا، وتخرَّج فيها سنة 1932م. وبدأ اشتغاله بتحقيق النُّصوص وهو في السادسة عشرة من عمره، فأخرج «متن أبي شُجَاع» سنة 1925م، ثمَّ نشر الجزء الأوَّل من «خزانة الأدب» لعبد القادر البَغْدَادِيّ سنة 1927م، وأتمَّ أربعة أجزاءٍ منه وهو لا يزال طالبًا. وعمل بعد تخرُّجه مُدرِّسًا بالتَّعليم الابتدائيّ، ثمَّ عُيِّن مُدرِّسًا بكلِّيَّة الآداب بجامعة الإسكندريَّة سنة 1945م، بعد أن اشتهر بجهوده في تحقيق التُّراث، وانتقل أستاذًا مساعدًا إلى كلِّيَّة دار العلوم سنة 1950م، وترقَّى إلى درجة الأُستاذيَّة، وتولَّى رئاسة قسم النَّحو بها سنة 1959م. واختير سنة 1966م مع جماعةٍ من أساتذة الجامعات المصريَّة للمشاركة في إنشاء جامعة الكويت، فتولَّى تأسيس قسم اللُّغة العربيَّة وقسم الدِّراسات العليا ورئاستهما حتَّى سنة 1975م. وانتُخب عضوًا بمجمع اللُّغة العربيَّة بالقاهرة سنة 1969م، وشارك في لجانه العلميَّة، ولا سيَّما لجان المعجم الكبير والأُصول وإحياء التُّراث والأدب، ثمَّ انتُخب أمينًا عامًّا للمجمع في 7 يناير سنة 1984م. وكان عضوَ شرفٍ بمجمع اللُّغة العربيَّة الأُرْدُنِّيّ، وأشرف على رسائل جامعيَّة وناقش عددًا كبيرًا منها، وشارك في المؤتمرات والنَّدوات العلميَّة. وعُنِي بتحقيق أُمَّهات كتب اللُّغة والنَّحو والأدب والأخبار والأنساب، ومقابلة نُسَخها المخطوطة، وضبط نُصوصها وتوثيق شواهدها، وصناعة الفهارس العلميَّة لها. واختاره طه حُسَيْن سنة 1943م عضوًا بلجنة إحياء تُراث أبي العَلَاء المَعَرِّيّ، فشارك في إخراج «تعريف القُدَمَاء بأبي العَلَاء» وشروح ديوان «سَقْط الزَّنْد». ومن أشهر تحقيقاته «كتاب سِيبَوَيْه» و«خزانة الأدب ولُبّ لُبَاب لسان العرب» للبَغْدَادِيّ، و«مَقَايِيس اللُّغة» لابن فَارِس، و«الاشتقاق» لابن دُرَيْد، و«مجالس ثَعْلَب»، و«أمالي الزَّجَّاجِيّ»، و«مجالس العلماء» له، و«الحَيَوَان» و«البيان والتَّبيين» و«البُرْصَان والعُرْجَان والعُمْيَان والحَوْلَان» و«رسائل الجَاحِظ» و«العُثْمَانِيَّة» للجَاحِظ، و«جُمْهَرَة أَنْسَاب العرب» لابن حَزْم، و«وَقْعَة صِفِّين» لنَصْر بن مُزَاحِم، و«شَرْح القصائد السَّبع الطِّوَال الجاهليَّات» لابن الأَنْبَارِيّ. وشارك أحمد مُحمَّد شَاكِر في تحقيق «المُفَضَّلِيَّات» و«الأَصْمَعِيَّات»، وأحمد أَمِين في تحقيق «شَرْح ديوان الحَمَاسَة» للمَرْزُوقِيّ، وله تحقيقاتٌ أُخرى في المعاجم والدَّواوين وكتب التُّراث. ومن مؤلَّفاته «تحقيق النُّصوص ونشرها»، وهو من الكتب المُبكِّرة المُؤسِّسة لقواعد تحقيق المخطوطات العربيَّة، و«الأَسَالِيب الإِنْشَائِيَّة في النَّحو العربيّ» و«معجم شواهد العربيَّة» و«تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب» و«كُنَّاشَة النَّوَادِر» و«قواعد الإملاء» و«المَيْسِر والأَزْلَام» و«حَوْل ديوان البُحْتُرِيّ» و«التُّراث العربيّ» و«قُطُوف أَدَبِيَّة» و«معجم مُقَيَّدَات ابن خَلِّكَان»، وهذَّب بعض كتب التُّراث، منها «سيرة ابن هشام» و«إحياء علوم الدِّين» للغَزَالِيّ، واختار «الأَلْف المُخْتَارَة من صحيح البُخَارِيّ». وبلغت آثاره العلميَّة من المؤلَّفات والتَّحقيقات عشرات الكتب، فضلًا عن بحوثه ومقالاته في اللُّغة والأدب. ونال الجائزة الأُولى لمجمع اللُّغة العربيَّة في التَّحقيق والنَّشر سنة 1950م، وجائزة الملك فيصل العالميَّة في الأدب العربيّ سنة 1981م، وجائزة الدَّولة التَّقديريَّة في الآداب سنة 1987م. تُوفِّي في 28 شعبان سنة 1408هـ، الموافق 16 أبريل سنة 1988م.