برهان الدين ابن القيم

إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي الزُرْعِي الحنبلي. وكتب التراجم تتفق في سرد نسبه إلى (سعد)، أما والد (سعد) فالذي عليه الأكثرون والمشهور على ألسنة أهل العلم أن أسمه: (حَرِيز) -بالحاء والراء المهملتين، ثم الياء المثناة، والزاي المعجمة-على وزن (فعيل) -بفتح الفاء- وفي بعض كتب التراجم (جرير) وفي بعضها (جريز)، وأما جده: (مكي) فمتحصل من ترجمة عمه: (عبد الرحمن بن أبي بكر) في الدرر الكامنة، وأما الزُرعي فهو بضم الزاي المشددة نسبة إلى قرية: (زُرْع) من أعمال حوران، وحوران: ناحية واسعة من نواحي دمشق. كنيته ولقبه: يُكني إبراهيم بن محمد بن أبي بكر: بـ(أبي إسحاق، أو ابن قيم الجوزية، أو ابن القيم)، وذلك أن جده (أبا بكر بن أيوب) كان قيمًا على المدرسة المعروفة بالجوزية –نسبة إلى منشئها وواقفها: محي الدين ابن الحافظ الجوز – الموجودة آنذاك بدمشق، فكان أبو بكر هذا يقوم على شئونها، حتى قيل له: قيم الجوزية، واشتهرت ذريته وحفدتهم بذلك، فصار الواحد منهم يدعي بابن قيم الجوزية. أما لقبه: فبرهان الدين. مولده: كثير من المراجع التي ترجمت له لم تؤرخ لمولده، وقد أُرخ له في بعضها على اختلاف في ذلك، فذهب ابن حجر في (الدرر الكامنة)، وابن مكي في (السحب الوابلة) إلى أنه ولد سنة ٧١٦ هـ، وهو كذلك في فهرس الخزانة التيمورية، وذكر عمر رضا كحالة أنه ولد سنة ٧١٩ هـ، وهذا يناسب رواية الأكثرين في سنة وفاته، وأنها ٧٦٧ هـ، عن ٤٨ سنة. جوانب من حياته: أما قيل فيه: لقد كانت المراجع حيال إبراهيم ابن قيم الجوزية وجوانب حياته بالغة الضنة، ولا تثريب عليها في ذلك، إذ أن المصادر الأساسية لم تمد إلا بالنزر اليسير من ذلك، فقد جاء في البداية والنهاية: أنه كان فاضلاً في النحو والفقه، وفنون أخرى، على طريقة أبيه، وأنه كان مدروسا بالصدرية، والتدمرية، وله تصدير بالجامع، وخطابه بجامع ابن صلحان، وذكر في الدرر الكامنة نحو ما تقدم، وقال: (حضر على أيوب الكحال، وابن الشحنة، واشتهر، وتقدمن وأفتى، ودرس). وقال عنه في شذرات الذهب: (سمع من ابن الشحنة وغيرهن واشتغل في أنواع العلوم وأفتى، ودرس، وناظر). ونقل النعيمي عن ابن مفلح قوله -في طبقات الحنابلة-: (حضر على أيوب بن نعمة الله النابلسي -أي الكحال-، ومنصور بن سليمان البعلي، وسمع من ابن الشحنة، واشتغل في أنواع العلوم … إلى آخر ما تقدم عن الشذرات. وقال عنه صاحب معجم المؤلفين: (عالم في النحو والصرف). هذا ما ذكروه عنه. ويمكن القول -بناء على غلبة الظن- في بعض الجوانب التي أغفلتها المصادر بعد عرض لمحة من حياة أبيه، وتلك أن أباه الشيخ العالم الرباني محمد ابن أبي بكر (المعروف بـ“ابن قيم الجوزية”) نشأ بدمشق من الفترة: ٦٩١ – ٧٥١ هـ، وهي ما يسمى بعصر سلاطين المماليك، وقد تميز هذا العصر بانتقال مركز الثقل العسكري والثقافي في العالم الإسلامي إلى القطرين: مصر، والشام، بعد نكبة بغداد وسقوطها على أيدي التتار، فكثرت معاهد التدريس، في هذين القطرين، فزخرت المساجد بحلق العلم، وأنشئت بجانبها المدارس، وأوقف على عمارتها ونظارتها وشيوخها وطلابها، ومن تلك المدارس: (المدرسة الجوزية) التي سبق ذكرها، وكان يقوم عليها جد إبراهيم هذا فنشأ إبراهيم ووالده من قبل، في ظلال هذه المدرسة، فمن المرجح أن يتلقى إبراهيم فيها العلوم الأساسية كحفظ القرآن الكريم وقسط كبير من السنة والمتون المشهورة، كما جرت على ذلك سنة العلماء قديماً وحتى زمن قريب، ولا سيما أنه توافر له ما لم يتوافر للكثير من طلاب العلم، فلأسرة عريقة في العلم، وتقوم على معقله، مع ما نسب إليها من صلاح وتقى وحب للعلم. أخلاقه: لم تأخذ سيرة الشيخ إبراهيم بن محمد ابن قيم الجوزية حظها من الذيوع والشهرة، وهذا شأن كثير من العلماء، ولا سيما أن بعضهم كان يتحاشى الشهرة والظهور في أعماله، حرصاً على سلامتها من داء الرياء، فإذا انقضت آجال هذا الصنف من العلماء المخلصين سَدَل الزمان على سيرهم ستورهن فلم يكد يوقف لهم على أثر أو خبر، أضف إلى ذلك ما لحق بالتراث الإسلامي عبر القرون من الاعتداء عليه بالنهب أو الحرق، وكل ما أشرت إليه ممكن بالنسبة لإبراهيم ابن قيم الجوزية، هذا وقد ذكرت المصادر التي ترجمت له شيئاً يسيراً من أخلاقه فذكرت أنه كان فاضلاً، وأن له أجوبة مسكتة، وذكرت بعض نوادره، ومن ذلك أنه وقع بينه وبين ابن كثير منازعة في بعض المحافل، فقال له ابن كثير: “أنت تكرهني لأنني أشعري”، فقال له: “لو كان من رأسك إلى قدميك شعر ما صدقك الناس في قولك، إنك أشعريّ وشيخك ابن تيمية”.  آثاره العلمية: من أهم آثار إبراهيم ابن قيم الجوزية: إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك، وله رسالة صغيرة مطبوعة اسمها: “اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية النميري”، جمع في هذه الرسالة ٩٨ مسألة من مسائل قيل إن شيخ الإسلام ابن تيمية انفرد بها خارقاً بها الإجماع، فقام إبراهيم ابن القيم بتتبع هذه المسائل وحصرها، ثم بين زيف الدعوى الموجهة ضد الشيخ، وأثبت أنه لم يعرف له مسألة خرق فيها الأجماع، ومن ادعى عليه ذلك فهو إما جاهل وإما كاذب. كما ذكر أن له كتاباً اسمه: (اختلاف المذهبين) تعرض فيه للمسائل الخلافية بين أحمد والشافعي، ولم نعثر له على خبر. جاء في تاريخ وفاة إبراهيم ابن قيم الجوزية رحمه الله روايتان: الأولى: تفيد أنه توفي سنة ٧٦٧ هـ، وعليها أكثر المراجع القديمة والحديثة. والثانية: تفيد أنه توفي سنة ٧٦٥ هـ، وهي رواية التنوكي، وحاجي خليفة وقد توفي -رحمه الله- يوم الجمعة مستهل صفر، ببستانه بالمزة، وصلي عليه بجامع المزة، ثم صلي عليه بجامع جراح، ودفن عند أبيه بباب الصغير، وحضر جنازته القضاة والأعيان، وكانت حافلة، وقد كان مثرياً، ترك مالاً جزيلاً يقارب مائة ألف درهم، وقد بلغ من العمر ٤٨ سنة.

كتب برهان الدين ابن القيم PDF