ابن الأبار القضاعي البلنسي
مُحمَّد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أحمد بن أبي بكر القُضَاعِيّ البَلَنْسِيّ، أبو عبد الله، المعروف بابن الأَبَّار: مُؤرِّخٌ ومُحَدِّثٌ وأديبٌ وشاعرٌ وكاتبُ إنشاءٍ، من كبار مُؤرِّخي الأندلس وأعلامها في القرن السَّابع الهجريّ، وأحد المُكْثِرين من التَّصنيف في تراجم الرِّجال والأخبار والأدب. وُلِد ببَلَنْسِيَة سنة 595هـ، وأصل أُسرته من أُنْدَة، من نواحي بَلَنْسِيَة، ونشأ في بيت علمٍ وأدبٍ، فكان أبوه أبو مُحمَّد عبد الله بن أبي بكر من أهل الفقه والقرآن والأدب، وأخذ عنه القرآن الكريم والحديث والأخبار والأشعار، ثمَّ تتلمذ لجماعةٍ من علماء الأندلس، منهم القاضي أبو عبد الله بن نُوح الغَافِقِيّ، وأبو الخَطَّاب بن وَاجِب، وأبو داود سُلَيْمَان بن حَوْط الله، وأبو عبد الله بن سَعَادَة، والحُسَيْن بن زَلَّال، والحافظ أبو الرَّبِيع سُلَيْمَان بن مُوسَى الكُلَاعِيّ، الذي لازمه أكثر من عشرين سنةً، وتخرَّج به في الحديث والرِّواية والأدب. ورحل في مدن الأندلس، ومنها قُرْطُبَة وإِشْبِيلِيَّة وبَطَلْيَوْس، ولقي علماءها، وسمع الحديث، واعتنى بتحصيل الأسانيد العالية والنَّازلة، وجمع أخبار الشُّيوخ والرُّواة وتراجمهم، حتَّى صار من الأئمَّة المعروفين بمعرفة رجال الحديث وتواريخهم وأنسابهم. وتولَّى الكتابة لبعض وُلَاة بَلَنْسِيَة من المُوَحِّدِين، وعمل في قضاء دَانِيَة مُدَّةً، ثمَّ اتَّصل بالأمير زَيَّان بن مَرْدَنِيش، صاحب بَلَنْسِيَة، فكان من كُتَّابه والمُقرَّبين إليه. ولمَّا حاصر النَّصارى بَلَنْسِيَة سنة 635هـ، أوفده زَيَّان على رأس وفدٍ إلى السُّلطان أبي زَكَرِيَّاء يحيى الحَفْصِيّ، صاحب إِفْرِيقِيَّة، يستنصره لنُصرة المدينة، فأنشده قصيدته السِّينِيَّة المشهورة، التي مطلعها: «أَدْرِكْ بِخَيْلِكَ خَيْلِ اللهِ أَنْدَلُسًا»، فاستجاب السُّلطان وأرسل المَدَد، غير أنَّه لم يُمْكِن إنقاذ بَلَنْسِيَة، فسقطت في أيدي النَّصارى سنة 636هـ. وغادرها ابن الأَبَّار إلى إِفْرِيقِيَّة، واستقرَّ بتونس، واتَّصل بأبي زَكَرِيَّاء الحَفْصِيّ، فأكرمه وولَّاه الكتابة في ديوانه ووَضْع العَلَامَة السُّلطانيَّة في صدور الرَّسائل، ثمَّ عُزل عن ذلك وأُعيد إليه بعد مُدَّة. ولمَّا تُوفِّي أبو زَكَرِيَّاء وخلفه ابنُه المَلِك المُسْتَنْصِر، قرَّب ابن الأَبَّار ورفع منزلته، ثمَّ ساءت العلاقة بينهما، فأُبعد إلى بَجَايَة، وعاد بعد ذلك إلى تونس. وكان ابن الأَبَّار واسع الاطِّلاع على علوم الحديث واللُّغة والأدب والتَّاريخ، بارعًا في النَّظم والنَّثر والتَّرسُّل، عارفًا بأخبار علماء الأندلس وأُدبائها ووُلَاتها، وقد أثنى عليه أهل العلم؛ فقال ابن عبد المَلِك المَرَّاكُشِيّ إنَّه كان مُحَدِّثًا مُكْثِرًا ضابطًا، وناقدًا يَقِظًا، وكاتبًا بليغًا، وشاعرًا مُجِيدًا. ومن أشهر مُؤلَّفاته «التَّكْمِلَة لكتاب الصِّلَة»، استدرك فيه على كتاب «الصِّلَة» لابن بَشْكُوَال، وترجم لعددٍ كبيرٍ من علماء الأندلس ومُحَدِّثيها وفُقَهائها وأُدبائها، وأورد أخبارهم وشيوخهم وتلاميذهم ومُؤلَّفاتهم ووفياتهم، و«الحُلَّة السِّيَرَاء»، في تراجم الأمراء والملوك والقادة وأعيان السِّياسة والأدب بالمغرب والأندلس، وما اتَّصل بهم من أخبارٍ وأشعار، و«المُعْجَم في أصحاب القاضي الإمام أبي عليّ الصَّدَفِيّ»، في تراجم أصحاب هذا المُحَدِّث ومَن أخذوا عنه، و«تُحْفَة القَادِم»، في تراجم الشُّعراء وأخبارهم وأشعارهم، و«إِعْتَاب الكُتَّاب»، في أخبار الكُتَّاب وما وقع لهم مع الملوك والأمراء من عَثَرَاتٍ أُقِيلُوا منها أو أُعِيدُوا بعدها إلى مناصبهم. وله «الغُصُون اليَانِعَة في محاسن شُعراء المِئَة السَّابِعَة» و«إِيمَاض البَرْق في أُدَباء الشَّرْق» و«قُطَع الرِّيَاض في مُتَخَيَّر الأَشْعَار» و«هِدَايَة المُعْتَرِف في المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف»، و«دُرَر السِّمْط في خبر السِّبْط»، في أخبار الحُسَيْن بن عليّ رضي الله عنهما وما اتَّصل بها من الحوادث، و«مَعَادِن اللُّجَيْن في مَرَاثِي الحُسَيْن»، وله في الحديث «الأَرْبَعُون»، أورد فيه أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا، من أربعين تصنيفًا، بأسانيدَ تنتهي إلى أربعين صحابيًّا رضي الله عنهم، كما خلَّف «دِيوَان شِعْر» ورسائلَ أدبيَّةً كثيرةً. وكان من المُكْثِرين من التَّأليف، حتَّى بلغت مُصنَّفاته نحو خمسةٍ وأربعين كتابًا، ضاع كثيرٌ منها. وانتهت حياته بمحنةٍ في بلاط المَلِك المُسْتَنْصِر الحَفْصِيّ، إذ نُقلت إلى السُّلطان أقوالٌ وأبياتٌ نُسبت إليه، فيها تعريضٌ به وهجاءٌ له، فغضب وأمر بقتله، فقُتِل طعنًا بالرِّماح بتونس في العشرين من المُحَرَّم سنة 658هـ، وأُحرقت جُثَّته وكثيرٌ من كتبه وأوراقه ودواوينه.