أبو محمد القاسم بن علي الحريري

العلامة البارع ، ذو البلاغتين أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الحرامي الحريري ، صاحب المقامات . ولد بقرية المشان من عمل البصرة . وسمع من أبي تمام محمد بن الحسن بن موسى ، وأبي القاسم الفضل القصباني ، وتخرج به في الأدب . قال ابن افتخار : قدم الحريري بغداد ، وقرأ على علي بن فضال المجاشعي ، وتفقه على ابن الصباغ ، وأبي إسحاق الشيرازي ، وقرأ الفرائض على الخبري ، ثم قدم بغداد سنة خمسمائة ، وحدث بها بجزء من حديثه وبمقاماته ، وقد أخذ عليه فيها ابن الخشاب أوهاما يسيرة اعتذر عنها ابن بري . قلت : وأملى بالبصرة مجالس ، وعمل ” درة الغواص في وهم الخواص ” و ” الملحة ” وشرحها وديوانا في الترسل ، وغير ذلك ، وخضع لنثره ونظمه البلغاء . روى عنه ابنه أبو القاسم عبد الله ، والوزير علي بن طراد ، وقوام الدين علي بن صدقة ، والحافظ ابن ناصر ، وأبو العباس المندائي ، وأبو بكر بن النقور ، ومحمد بن أسعد العراقي ، والمبارك بن أحمد الأزجي ، وعلي بن المظفر الظهيري ، وأحمد بن الناعم ، ومنوجهر بن تركانشاه ، وأبو الكرم الكرابيسي ، وأبو علي ابن المتوكل ، وآخرون . وآخر من روى عنه بالإجازة أبو طاهر الخشوعي الذي أجاز لشيوخنا ، فعن الحريري قال : كان أبو زيد السروجي شيخا شحاذا بليغا ، ومكديا فصيحا ورد البصرة علينا ، فوقف في مسجد بني حرام ، فسلم ، ثم سأل ، وكان الوالي حاضرا ، والمسجد غاص بالفضلاء ، فأعجبتهم فصاحته ، وذكر أسر الروم ولده كما ذكرنا في ” المقامة الحرامية ” فاجتمع عندي جماعة ، فحكيت أمره ، فحكى لي كل واحد أنه شاهد منه في مسجد مثل ما شاهدت ، وأنه سمع منه معنى في فصل ، وكان يغير شكله ، فتعجبوا من جريانه في ميدانه ، وتصرفه في تلونه ، وإحسانه ، وعليه بنيت هذه المقامات . نقل هذه القصة التاج المسعودي عن ابن النقور عنه . قلت : اشتهرت المقامات ، وأعجبت وزير المسترشد شرف الدين أنوشروان القاشاني فأشار عليه بإتمامها ، وهو القائل في الخطبة : فأشار من إشارته حكم ، وطاعته غنم . وأما تسميته الراوي لها بالحارث بن همام ، فعنى به نفسه أخذا بما ورد في الحديث : كلكم حارث ، وكلكم همام فالحارث : الكاسب ، والهمام : الكثير الاهتمام ، فقصد الصفة فيهما ، لا العلمية . وبنو حرام : بحاء مفتوحة وراء ، والمشان بالفتح : بليدة فوق البصرة معروفة بالوخم . قال ابن خلكان وجدت في عدة تواريخ أن الحريري صنف المقامات بإشارة أنوشروان ، إلى أن رأيت بالقاهرة نسخة بخط المصنف ، وقد كتب أنه صنفها للوزير جلال الدين أبي علي بن صدقة وزير المسترشد ، فهذا أصح ، لأنه بخط المصنف . وفي ” تاريخ النحاة ” للقفطي أن أبا زيد السروجي اسمه مطهر بن سلار ، وكان بصريا لغويا ، صحب الحريري ، وتخرج به ، وتوفي بعد عام أربعين وخمسمائة ، سمع أبو الفتح المندائي منه ” الملحة ” بسماعه من الحريري . وقيل : إن الحريري عمل المقامات أربعين وأتى بها إلى بغداد ، فقال بعض الأدباء : هذه لرجل مغربي مات بالبصرة ، فادعاها الحريري ، فسأله الوزير عن صناعته ، فقال : الأدب ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها ، فانفرد وقعد زمانا لم يفتح عليه بما يكتبه ، فقام خجلا . وقال علي بن أفلح الشاعر : شيخ لنا من ربيعة الفرس ينتف عثنونه من الهوس. أنطقه الله بالمشان كما رماه وسط الديوان بالخرس. وكان يذكر أنه من ربيعة الفرس ، وكان يعبث بلحيته ، فلما رد إلى بلده ، كملها خمسين ونفذها ، واعتذر عن عيه بالهيبة . وقيل : بل كره المقامة ببغداد ، فتجاهل ، وقبل صغيرا بحلقة . وكان غنيا له ثمانية عشر ألف نخلة . وقيل : كان عفشا زري اللباس فيه بخل ، فنهاه الأمير عن نتف لحيته ، وتوعده ، فتكلم يوما بشيء أعجب الأمير ، فقال : سلني ما شئت ، قال : أقطعني لحيتي ، فضحك ، وقال : قد فعلت . توفي الحريري في سادس رجب سنة ست عشرة وخمسمائة بالبصرة ، وخلف ابنين : نجم الدين عبد الله ، وقاضي البصرة ضياء الإسلام عبيد الله ، وعمره سبعون سنة . المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.

كتب أبو محمد القاسم بن علي الحريري PDF