العالم الجليل والمجتهد القدير: محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، وقيل: اسمه أحمد، والأول هو المشهور. أما نسبه: فهو العمادي، والآمدي، والإسكليبي نسبة إلى قرية إسكليب، وهي قرب القسطنطينية. أما عن ألقابه: فيلقب بـ: شيخ الإسلام، المولى المعظم، والمفتي المفخم، ومفتي التخت السلطاني، الإمام الكبير، عالم الروم، ومفتي الدهر، ومفتي الأنام، ومفتي التخت العثماني. قلت: كثرة هذه الألقاب تدل على علو مكانته ومنزلته رحمه الله. أما كنيته: فيكنى بأبي السعود، هذا ما اشتهر عنه. مولده، ونشأته العلمية، والمناصب التي تقلدها، وثناء العلماء عليه، ومذهبه الفقهي، والعقدي: العلامة أبو السعود من أسرة مشهورة بالعلم والأدب، والتقوى والصلاح، والنزاهة وحسن الخلق، وطيب السريرة؛ فإن والدته كانت امرأة تقية صالحة، وهي بنت أخي العلامة علاء الدين بن القوشجي، ووالده من العلماء المشهود لهم بعلو المنزلة في العلم والعمل والتدريس والتصنيف، وكان معلمًا للسلطان بايزيد خان بن السلطان محمد الفاتح، ومن كتبه التي وصلت إلينا أسماؤها: تعليقات على تفسير البيضاوي، رسالة في أحوال السلوك في التصوف، وحقيقة الحقائق في كشف أسرار الدقائق. أولًا: ولد العلامة أبو السعود رحمه الله في قرية إسكليب القريبة من القسطنطينية سنة هـ، على أصح الآراء وأوثقها، ودرج في بيت محفوف بالأخلاق الفاضلة، والسجايا الكريمة، والعادات الحميدة. وكان لأبويه تأثير كبير في تنشئته تنشئة صالحة، وتربية إسلامية صحيحة، قائمة على الخلق الرفيع البعيد عن مزالق الحياة المشينة والمرذولة، كما تقدم. توجه منذ مطلع حياته إلى اكتساب المعارف، وكان لوالده دور كبير في ذلك؛ فقد حفظه كتبًا، منها: مفتاح العلوم للسكاكي، وحاشية التجريد، وشرح المفتاح، وشرح المواقف للشريف الجرجاني، كما كان لتلقيه عن علماء عصره دور كبير في ذلك أيضًا، والإكثار من الحفظ الدقيق والفهم العميق لعلوم اللغة العربية وآدابها، ولا سيما التفسير، والقراءات، والحديث، والفقه، وأصول الدين، والنحو، والصرف، والبلاغة، واللغة، والنقد، والعروض، والتاريخ، والجغرافية، والفلسفة، وعلوم الرياضة، والكيمياء، والفلك، وغيرها… كما كانت مكتبة والده الغنية بالمصادر وأمهات الكتب في شتى صنوف المعرفة عونًا له في القراءة والمتابعة واستنباط ما يروق له في الحفظ والتأليف. ثانيًا: بعد تفتح مواهبه العلمية، وبلوغه درجة سامية في العلم والمعرفة، أصبح مؤهلًا لأن يكون مدرسًا ناجحًا وهو في عنفوان الشباب، وقد طارت سمعته، وفاضت شهرته، وعظم صيته عند الذين جلسوا بين يديه في حلقات الدرس أو مجالس العلم التي كان يحضرها ويشارك فيها، حتى قيل: إنه حاز قصب السبق بين أقرانه، ولم يقدر أحد أن يجاريه في ميدانه. قال الحسن بن محمد البوريني: فاق وبرع، وإلى أرفع المواطن ارتفع، كانت الدولة تباهي به الملوك، وتفاخر به افتخار المالك على المملوك، والعجيب أن غالب ما رأيناه من قضاة دمشق من تلامذته، وكأنهم ينتسبون إلى حضرته، ويتشرفون بنسبته، ويرجعون في المناصب إلى ملازمته؛ اهـ. وقال العيدروسي: امتاز في صغره بفصاحة العرب العرباء، واشتغل بفنون الآداب، ودخل إلى الفضائل من كل باب، وأخذ عن جماعة من علماء عصره، وانتهت إليه رياسة الفتيا والتدريس، ولما جمع السلطان سليمان رحمه الله العلماء بمجلسه وأمرهم بالمناظرة رجح المشار إليه في بحثه، وتبين فضله، واستحق التقديم وكان أهله، وكان قبل ذلك قد ولي التدريس في مواضع متعددة، ثم ولي قضاء بروسا، ثم ولي قضاء إسطنبول؛ اهـ. وقال الشيخ قطب الدين المفتي ت هـ: اجتمعت به في الرحلة الأولى وهو قاضي إستانبول سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة هـ، فرأيته فصيحًا، وفي الفن رجيحًا، فعجبت لتلك العربية ممن لم يسلك ديار العرب، ولا محالة أنها منح الرب؛ اهـ. ومن أشهر مدارس إستانبول التي تولى التدريس فيها العلامة أبو السعود: مدرسة إسحاق باشا، ومدرسة علي باشا، ومدرسة مصطفى باشا، ثم نقل إلى مدرسة السلطان محمد بمدينة بروسة، ثم نقل منها إلى إحدى المدارس الثماني. ثالثًا: لما توسعت آفاق معرفته، وازدادت قدراته العلمية في علوم الشريعة الإسلامية، نقلته الدولة إلى وظيفة القضاء في بروسة، ثم القضاء في القسطنطينية، ثم القضاء للعسكر في ولاية روم إيلي، ودام في ذلك ثمانية أعوام، وقد نهض لهذه المهنة الشريفة بهمة عالية، وقام بأدائها خير قيام من غير أن يبخس الناس حقوقهم، بل كان رائده العدل والإنصاف والحق، لا يهاب من شيء، ولا يخشى في الله لومة لائم، ومن هنا كسب ثقة الجميع. رابعًا: توجهت الأنظار بعد ذلك إلى هذا الشيخ الجليل، الأمين، المنصف، المحقق، المدقق، العلم الراسخ، والطود الراسخ، فأناطت به الدولة وظيفة الإفتاء بعد وفاة المولى سعد الله بن عيسى بن أمير خان سنة هـ، فتولى أعباءها على أحسن ما تتطلبه هذه الوظيفة، من حيث النزاهة، والدقة العلمية، والبراعة في الأحكام، وفقًا لما شرعه الله في قرآنه المجيد، وما جاء في سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وذكروا عنه أنه كان يكتب جواب الفتوى على منوال ما يكتبه السائل من الخطاب، فإن كان السؤال نثرًا مسجعًا، كان الجواب مثله، وإن كان بلغة العرب، فالجواب بلغة العرب، وإن كان بلغة الترك، فالجواب بلغة الترك. قال ابن العماد الحنبلي: وقد سارت أجوبته في جميع العلوم، وجميع الآفاق، سير النجوم، وجعلت رشحات أقلامه تميمة نحر، لكونها يتيمة بحر، يا له من بحر!… وحصل له من المجد والإقبال والشرف والأفضال ما لا يمكن شرحه بالمقال… وكان ذا مهابة عظيمة، واسع التقرير، سائغ التحرير، يلفظ الدرر من كلمه، وينشر الجوهر من حكمه، بحرًا وطودًا باذخًا؛ اهـ. وقال البوريني: هو المولى العلامة، الكامل الفهامة، شيخ الإسلام على الإطلاق، ومفتي الدهر بالاتفاق، الذي اشتهر صيته في الآفاق، وبرع على علماء عصره وفاق؛ اهـ. وقال نجم الدين الغزي: كان المولى أبو السعود عالمًا عاملًا، وإمامًا كاملًا، شديد التحري في فتاويه، حسن الكتابة عليها… وافر الإنصاف، دينًا خيرًا… سالم الفطنة، جيد القريحة، لطيف العبارة، حلو النادرة؛ اهـ. قلت: كل هذا مما يشهد للعلامة أبي السعود بسعة الأفق، وغزارة المادة العلمية في شريعة الإسلام السمحة، وباطلاعه على اللغات الثلاث العربية، والتركية، والفارسية، وقد بقي العلامة أبو السعود في هذه الوظيفة الرفيعة ثلاثين عامًا؛ أي: إلى يوم وفاته وانتقاله إلى بارئه الكريم سنة هـ، وبذلك يكون العلامة أبو السعود قد تقلد ثلاثة مناصب، هي: التدريس، القضاء، الإفتاء. أما عن مذهبه الفقهي: فالعلامة أبو السعود من كبار الحنفية، وانتهت إليه رياستهم في عصره، لا يشك في ذلك كل من طالع فتاويه، وتفسيره، ومصنفاته. يقول الإمام اللكنوي: أبو السعود بن محيي الدين محمد العمادي، شيخ كبير، عالم نحرير، لا في العجم له مثيل، ولا في العرب له نظير، انتهت إليه رياسة الحنفية في زمانه؛ اهـ. قلت: وكان العلامة أبو السعود متعصبًا لمذهبه الفقهي حينًا، كما سيتضح في الأطروحة عند استنباطه لجواز الحيل والرخص على الإطلاق، وأحيانًا أخرى كان ينتصر لغير الأحناف، كما فعل عند استنباطه لجواز نسخ الأمر قبل وقوعه. أما عن مذهبه العقدي: فالعلامة أبو السعود سني على مذهب أهل السنة والجماعة، وأدل دليل على ذلك: رفضه للمسائل الاعتزالية وغيرها، ودفاعه عن مذهب أهل السنة والجماعة، كما سيتضح عند الكلام عن منهجه في تفسيره إن شاء الله. شيوخه وتلاميذه: شيوخه وأساتذته: لمعرفة مكون هذه العقلية الفذة الواسعة وأساسها، ومدى ما تتمتع به من العلوم الغزيرة والفنون الكثيرة، وجب علينا التمهل أمام أساتذة وشيوخ هذه العبقرية العلمية، الذين أثروا فيه أعظم تأثير، وأخذ عنهم هذا العلم، ويأتي في مقدمتهم: والده: محمد بن مصطفى العمادي، توفي سنة هـ. عبدالرحمن بن علي الحنفي، المعروف بـ: ابن المؤيد الشهير بمؤيد زاده، توفي سنة هـ. شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال، المعروف بـ: ابن كمال باشا، توفي سنة هـ. سعد الدين بن عيسى بن أمير خان، المعروف بـ: سعدي جلبي، توفي سنة هـ. عبدالقادر الشهير بـ: قادري جلبي، توفي هـ. قلت: لا نستطيع أن نجزم أن هؤلاء فقط هم شيوخ وأساتذة العلامة أبي السعود؛ فمن الطبيعي أنه قد أخذ عن غيرهم من العلماء، ولكن لم يترجم لهم ولم تذكر أسماؤهم في كتب التراجم؛ وذلك لأنه رحمه الله تعددت مواهبه، ومجالات معرفته، حتى صار إلى ما صار إليه، وأصبح منارًا يقتدى به ويصبو إليه كل من أراد معرفة طريق الحق المستقيم، وصار لديه تلامذة يطلبون العلم على يديه، عرفوا بالعلم والصلاح، وقد تصدر قسم منهم التدريس والقضاء، وتركوا عددًا من المؤلفات، وهاك بيانهم. تلاميذه: محمد بن عبدالوهاب بن عبدالكريم الحنفي، المعروف بـ: عبدالكريم زاده، توفي في السابع والعشرين من رمضان سنة هـ. عبدالرحمن جمال الدين الحنفي، المعروف بـ: الشيخ زاده، توفي سنة هـ. حسن بن سنان، توفي ليلة العيد من ذي الحجة سنة هـ. حسن بن يوسف الصمداني، توفي عاشر ذي الحجة سنة هـ. محيي الدين المعروف بـ: نكساري زاده، وهو صهر أبي السعود، توفي سنة هـ. محمد بن أحمد، المعروف بـ: ابن بزن، توفي في شوال سنة هـ. محمد بن حسن الجنابي، توفي سنة هـ. مصطفى بن حسن الجنابي، أخو محمد بن الحسن المتقدم، المعروف بـ: السعودي نسبة إلى أستاذه أبي السعود، توفي سنة هـ. عبدالقادر بن حاجي المؤيدي، المعروف بـ: شيخي، وهو ابن أخي عبدالرحمن المؤيدي شيخ أبي السعود، توفي في شوال سنة هـ. محمد النقيب بن محمد بن عبدالقادر ختن أبي السعود. قلت: لا شك أنه كان للعلامة أبي السعود غير هؤلاء من التلامذة والطلاب النجباء لم يتسن للتاريخ وكتب التراجم أن تذكر لنا سيرهم، ومما يدل على ذلك ما تقدم من مقالة البوريني: فاق وبرع، وإلى أرفع المواطن ارتفع، كانت الدولة تباهي به الملوك، وتفاخر به افتخار المالك على المملوك، والعجيب أن غالب ما رأيناه من قضاة دمشق من تلامذته، وكأنهم ينتسبون إلى حضرته، ويتشرفون بنسبته، ويرجعون في المناصب إلى ملازمته؛ اهـ. آثاره العلمية ومؤلفاته: كان أبو السعود عالمًا ذكيًا، وأديبًا فطنًا، ملمًا بكثير من العلوم كما تقدم، متابعًا طوال حياته للكتب والنظر فيها، ولعل مهنة التدريس، ثم القضاء، ثم الإفتاء، كانت وراء تلك المتابعة؛ ولذلك امتلأ علمًا ومعرفة، واقتنص أوقات الفراغ من مشاغل الوظيفة للتأليف والتصنيف والتعليق، وكانت الثمرات جنية، نذكرها في هذا المقام، وهي: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم تفسيره المشهور. بضاعة القاضي في الصكوك. تهافت الأمجاد على كتاب الجهاد، من الهداية للمرغنياني في الفقه الحنفي. تحفة الطلاب في المناظرة. ثواقب الأنظار في أوائل منار الأنوار، في أصول الفقه. حاشية على العناية من أول كتاب البيع في الهداية، فقه حنفي. حسم الخلاف في المسح على الخفين. رسالة في تسجيل الأوقاف. رسالة في الأدعية المأثورة. شعره، ونظمه، ومنه القصيدة الميمية المشهورة التي تجاوزت تسعين بيتًا. غلطات العولم. غمرات المليح في أول مباحث قصد العام من التلويح. الفتاوى، وقد رتبها على أبواب الفقه. قانون المعاملات. قصة هاروت وماروت. مقاعد الطراف حاشية على تفسير الكشاف من أول تفسير سورة الفتح. موقف العقول في وقف المنقول وهو رسالة يحقق فيها جواز وقف النقود. رسالة في مسائل الوقوف فقه حنفي، نص عليه الزركلي فقط. وفاته، وقبره: توفي أبو السعود رحمه الله تعالى بالقسطنطينية في الثلث الأخير من ليلة الأحد خامس جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة هـ، وأنشد قبل موته بساعة هذين البيتين: ألم تر أن الدهر يوم وليلة .. يكران من سبت جديد إلى سبت. فقل لجديد الثوب لا بد من بلى .. وقل لاجتماع الشمل لا بد من شت. وكانت جنازته حافلة، حضرها العلماء والوزراء، وسائر أرباب الديوان، وخلق كثير لا يحصون كثرة، وشهدوا له بالمغفرة والرضوان، وصلى عليه في حرم جامع السلطان محمد خان الكبير، وتقدم للصلاة عليه فخر الموالي سنان، ودفن في القسطنطينية بمقبرته التي أنشأها بالقرب من تربة الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وعرف العلامة أبو السعود رحمه الله برجاحة العقل، وسماحة النفس، وعفة اللسان، والورع والتقوى، والخوف من الله، والأمانة، وذم القبيح، واستهجان ما نهى الله عنه ورسوله، والزهد، والتواضع، وعدم الاغترار بمباهج الدنيا وزينتها، وكان كثير التقدير للعلماء والأدباء الذين يصاحبهم ويجالسهم، وافر الاحترام للطلاب الذين يقبلون عليه للإفادة والاستشارة، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام خيرًا، والله أعلم. كاتب الترجمة: الشيخ مسعد أحمد الشايب.