محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح القاسمي الدمشقي، أبو الفرج: مفسر ومحدِّث وفقيه وأديب، من أعلام الإصلاح العلمي والديني في بلاد الشام في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجري. وُلد بدمشق ضحوة يوم الاثنين ٨ جمادى الأولى سنة ١٢٨٣هـ، الموافق سنة ١٨٦٦م، ونشأ في بيت علم وصلاح، فعُرفت أسرته بآل القاسمي نسبة إلى جده الشيخ قاسم.
تلقى مبادئ العلوم على والده محمد سعيد القاسمي، وكان فقيهًا أديبًا، وقرأ القرآن أولًا على عبد الرحمن المصري، وتعلم الكتابة وتحسين الخط على محمود القوصي، ثم انتقل إلى مكتب المدرسة الظاهرية، وقرأ مبادئ التوحيد وعلوم اللغة على رشيد قزيها المعروف بابن سنان، وجوّد القرآن على شيخ قراء الشام أحمد الحلواني. كما أخذ عن عدد من علماء دمشق، منهم سليم العطار، وبكري العطار، ومحمد الخاني، وحسن جبينة الدسوقي، وعبد الرزاق البيطار، وطاهر الجزائري، وسليم البخاري، وغيرهم.
أقبل على العلم منذ صغره إقبالًا شديدًا، ولازم المطالعة والتقييد، وجمع أولى فوائده في كتاب سماه السفينة وهو في السادسة عشرة من عمره. وكان حريصًا على الاستفادة من وقته، واسع الاطلاع في العلوم الشرعية والعربية والأدبية، مع عناية ظاهرة بالحديث والتفسير والفقه والأصول والتاريخ والاجتماع.
عمل إمامًا وخطيبًا ومدرسًا في دمشق، وتولى الإمامة في جامع السنانية بعد والده، كما انتدبته الدولة العثمانية بين سنتي ١٣٠٨هـ و١٣١٢هـ لإلقاء الدروس العامة في قرى وبلدات من بلاد الشام. وكانت له دروس عامة وخاصة في التفسير، والحديث، والفقه، والأدب، وشارك في الحياة الاجتماعية والدعوية، داعيًا إلى العلم والإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات، ونبذ التعصب والجمود.
دعا إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، وفهم مسائل العلم بأدلتها، وفتح باب النظر والاجتهاد لمن تأهل له، مع احترام أئمة المذاهب وعدم التعصب لقول بلا دليل. وقد عارضه بعض أهل الجمود، واتُّهم سنة ١٣١٣هـ بتأسيس مذهب جديد سُمِّي «المذهب الجمالي»، فاستُدعي للتحقيق، ثم ظهرت براءته وأُخلي سبيله، فكانت تلك المحنة سببًا في شهرة أمره وظهور مكانته.
اتصف بعفة اللسان والقلم، وسلامة القلب، وسعة الحلم، والتواضع، والوفاء للإخوان، والحرص على النفع والتعليم. وكان بعيدًا عن أبواب الحكام، غير مزاحم على المناصب، مع زهد وقناعة وضيق ذات يد. ووصفه محمد رشيد رضا بأنه علامة الشام، وأثنى عليه شكيب أرسلان ومحمد كرد علي وغيرهما من أهل العلم والأدب.
أكثر من التصنيف والتأليف، حتى زادت آثاره على مائة كتاب ورسالة، بين مطبوع ومخطوط. ومن أشهر مؤلفاته: محاسن التأويل في تفسير القرآن الكريم، وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ودلائل التوحيد، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد، وموعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، وشذرة من السيرة النبوية، وتعطير المشام في مآثر دمشق الشام، والفتوى في الإسلام، وإرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق، وجوامع الآداب في أخلاق الأنجاب، وحياة البخاري، وميزان الجرح والتعديل، وتاريخ الجهمية والمعتزلة، والمسح على الجوربين.
ومن كلماته: «الحق يصرع إذا عُمد إلى إظهاره بالسباب والشتائم»، وقوله: «إن كتابًا يطبع خير من ألف داعية وخطيب، لأن الكتاب يقرؤه الموافق والمخالف»، وقوله في ذم التقليد: «التقليد جذام فشا بين الناس».
توفي بدمشق مساء السبت ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٣٣٢هـ، الموافق ١٨ أبريل سنة ١٩١٤م، عن تسع وأربعين سنة، ودُفن في مقبرة الباب الصغير، ونعاه علماء الشام ومصر والعراق، ورثاه عدد من تلاميذه ومحبيه، رحمه الله.