محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون
مُحمَّد بن الحَسَن بن مُحمَّد بن عليّ بن حَمْدُون البَغْدَادِيّ، أبو المَعَالِي، بَهَاء الدِّين، المُلقَّب بكَافِي الكُفَاة، ويُقال له كَافِي الدَّوْلَة. أديبٌ ومُؤرِّخٌ وكاتبُ ديوانٍ، من أعيان الكُتَّاب والمُؤلِّفين في الأدب والأخبار والتَّاريخ في القرن السَّادس الهجريّ. من أهل بغداد، وُلِد في رَجَب سنة 495هـ، ونشأ في بيتٍ مشهورٍ بالرِّياسة والفضل والكتابة، فأبوه أبو سَعْد الحَسَن بن مُحمَّد بن عليّ بن حَمْدُون من شيوخ الكُتَّاب، وكان عارفًا بتدبير الأعمال الدِّيوانيَّة والحساب، وله تصنيفٌ في معرفة الأعمال، وتُوفِّي سنة 546هـ. وأخوه الأكبر أبو نَصْر مُحمَّد بن الحَسَن، المُلقَّب بغَرْس الدَّوْلَة، من كُتَّاب الدَّواوين، وله رسائلُ ومُؤلَّفٌ في تاريخ الحوادث، وتُوفِّي سنة 545هـ. وأخذ أبو المَعَالِي عن جماعةٍ من أهل العلم والأدب، وسمع الحديث من أبي القاسم إسماعيل بن الفضل الجُرْجَانِيّ وغيره، وبرع في الكتابة والإنشاء، وعُرف بالفصاحة وسَعَة الاطِّلاع على كتب الأدب والتَّاريخ، وبحُسْن المُحادثة ورواية الأخبار والأشعار والنَّوادر. وتقدَّم في وظائف الدَّولة العبَّاسيَّة، فتولَّى ديوان عَرْض الجيش في خلافة المُقْتَفِي لأمر الله، ثمَّ اختصَّ بخدمة الخليفة المُسْتَنْجِد بالله، وحظي عنده بمنزلةٍ رفيعةٍ، وكان من نُدمائه وجُلَسائه، فولَّاه ديوان الزِّمَام سنة 558هـ، وهو من الدَّواوين المُشرفة على حسابات الدَّولة وأعمالها الماليَّة، ولقَّبه بكَافِي الكُفَاة. وكان يُقرِّب أهل الأدب ويُحسن إليهم، ويُعنى باقتناء الكتب ومُطالعتها وتقييد ما يستحسنه من فوائدها، وقد اجتمعت له بذلك معرفةٌ واسعةٌ بأخبار الخُلَفاء والمُلُوك والوُزَرَاء والكُتَّاب والأُدباء وأحوالهم. وروى عنه جماعةٌ من أهل العلم، منهم أحمد بن طارق القُرَشِيّ، وأبو المَعَالِي أحمد بن يحيى بن هِبَة الله، وأبو العبَّاس أحمد بن الحَسَن العَاقُولِيّ، وابنُه أبو سَعْد الحَسَن بن مُحمَّد بن حَمْدُون، الذي اشتهر بعده بجمع الكتب واقتنائها. وصنَّف أبو المَعَالِي كتابه الكبير «التَّذْكِرَة» -المعروف أيضًا بـ«التَّذْكِرَة الحَمْدُونِيَّة»-، وهو من الموسوعات الأدبيَّة والتَّاريخيَّة الواسعة، اشتمل على طوائفَ من الأخبار والحكايات والأشعار والخُطَب والرَّسائل والأمثال والحِكَم والنَّوادر، انتخبها من كتب المُتقدِّمين ومرويَّات أهل العلم والأدب، وجعلها في خمسين بابًا، تناول فيها المواعظ والآداب الدِّينيَّة، وسياسة المُلُوك والوُزَرَاء والكُتَّاب، وأحوال الرَّعِيَّة، والشَّرَف والرِّياسة، ومحاسن الأخلاق ومساوئها، والجُود والبُخْل، والشَّجاعة والجُبْن، والوفاء والغَدْر، والعَدْل والجَوْر، والعقل والحُمْق، وسائر ما يتَّصل بأخلاق النَّاس ومعاشرتهم. وأفرد أبوابًا لفنون الشِّعر وأغراضه، والخُطَب والمُكاتبات والأمثال والأجوبة المُسْكِتَة، وأخبار العرب وعوائدهم، وما رُوِيَ من الحِيَل والحكايات الطَّريفة، وأخبار الفَرَج بعد الشِّدَّة، ثمَّ أورد طائفةً واسعةً من الفوائد التَّاريخيَّة، وختم كتابه بالأدعية. وكان يُزاوج في أبوابه بين الجدِّ والهَزْل، ويستشهد بالشِّعر والنَّثر، ويُورِدُ من أخبار المُتقدِّمين ما يتَّصل بموضوع كلِّ بابٍ. وقد أثنى ابن خَلِّكَان على الكتاب، وعدَّه من أحسن المجاميع المُشتملة على التَّاريخ والأدب والنَّوادر والأشعار. وله مُقَطَّعاتٌ شِعْرِيَّةٌ في المدح والهجاء والوصف، أورد العِمَاد الأَصْبَهَانِيّ نماذجَ منها في «الخَرِيدَة». ثمَّ تغيَّرت عليه نفسُ الخليفة المُسْتَنْجِد، وقيل إنَّ السَّبب وقوفه في «التَّذْكِرَة» على حكاياتٍ منقولةٍ عن كتب التَّاريخ، فَهِمَ منها تعريضًا بالدَّولة العبَّاسيَّة وانتقاصًا من شأنها، فأمر بعزله من منصبه وحبسه، وظلَّ في السِّجن إلى أن تُوفِّي سنة 562هـ، ودُفن بمقابر قُرَيْش ببغداد.