محمد بن إسحاق بن يسار

محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار ، وقيل : ابن كوثان العلامة الحافظ الأخباري أبو بكر ، وقيل : أبو عبد الله القرشي المطلبي مولاهم المدني ، صاحب السيرة النبوية ، وكان جده يسار من سبي عين التمر في دولة خليفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف – رضي الله عنه – ولد ابن إسحاق سنة ثمانين ورأى أنس بن مالك بالمدينة ، وسعيد بن المسيب . وحدث عن : أبيه وعمه موسى بن يسار ، وعن أبان بن عثمان – فيما قيل – وعن بشير بن يسار ، وسعيد بن أبي هند ، وسعيد المقبري ، وأبي سفيان طلحة بن نافع ، وعباس بن سهل بن سعيد ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وعمرو بن شعيب ، ومحمد بن إبراهيم التيمي ، وأبي جعفر الباقر ، ومكحول الهذلي ، ونافع العمري ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن – إن صح – وفاطمة بنت المنذر بن الزبير ، ومعبد بن كعب بن مالك ، والزهري ، والقاسم بن محمد – فيما قيل – وعكرمة بن خالد المخزومي ، وسعد بن إبراهيم ، وسعيد بن عبيد بن السباق . وعاصم بن عمر بن قتادة ، وصدقة بن يسار ، والصلت بن عبد الله بن نوفل بن الحارث الهاشمي ، وعباد بن الوليد بن عبادة ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ، وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر ، ومحمد بن أبي أمامة بن سهل ، ومحمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، ومحمد بن عمرو بن عطاء ، ومحمد بن المنكدر ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، ونبيه بن وهب ، ويزيد بن أبي حبيب ، ويعقوب بن عتبة ، وأبي عبيدة بن محمد بن عمار ، ومحمد بن الزبير الحنظلي ، وسليمان بن سحيم ، وابن طاوس ، وخلق كثير ، إلى أن ينزل إلى صالح بن كيسان ، ومحمد بن السائب الكلبي ، وروح بن القاسم ، وشعبة وطائفة . [ ص: 35 ] وهو أول من دون العلم بالمدينة ، وذلك قبل مالك وذويه ، وكان في العلم بحرا عجاجا ، ولكنه ليس بالمجود كما ينبغي . حدث عنه : يزيد بن أبي حبيب شيخه ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وهما من التابعين وفاقا ، وشعبة ، والثوري ، والحمادان ، وأبو عوانة ، وهشيم ، ويزيد بن زريع ، وأبو شهاب الحناط ، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، وزهير بن معاوية ، وموسى بن أعين ، وجرير بن حازم ، وجرير بن عبد الحميد ، وابن عون ، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند – وهما أكبر منه – وسفيان بن عيينة ، وجرير بن عبد الحميد . وحفص بن غياث ، وعبدة بن سليمان ، وأبو خالد الأحمر ، وابن إدريس ، وابن نمير ، وزياد البكائي ، وسلمة الأبرش ، وسعدان بن يحيى ، وعبد الأعلى السامي ، ومحمد بن سلمة الحراني ، وابن فضيل ، وابن أبي عدي ، ومحمد بن يزيد الواسطي ، ويزيد بن هارون ، ويونس بن بكير ، ويعلى بن عبيد ، وأخوه محمد بن عبيد ، وعبد الرحمن بن مغراء ، ويحيى بن سعيد الأموي ، وأبو تميلة يحيى بن واضح ، وأحمد بن خالد الوهبي ، وأمم سواهم يشق استقصاؤهم ، ويبعد إحصاؤهم . قال مصعب الزبيري : يسار مولى قيس بن مخرمة من سبي عين التمر ، وهو أول سبي دخل المدينة من العراق . وروى سلمة بن الفضل عن أبي إسحاق قال : رأيت أنس بن مالك عليه عمامة سوداء ، والصبيان يشتدون ، ويقولون : هذا رجل من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يموت حتى يلقى الدجال . محمد بن حميد : عن جرير قال : رأيت ابن إسحاق يخضب بالسواد . قال المفضل الغلابي : سألت يحيى بن معين عن ابن إسحاق ، فقال : كان ثقة ، حسن الحديث : فقلت : إنهم يزعمون أنه رأى سعيد بن المسيب . فقال : إنه لقديم . وروى عباس عن يحيى ، قال : قد سمع أبان بن عثمان ومن عطاء ، ومن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، ومن القاسم ، قال : وسمع من مكحول ومن عبد الرحمن بن الأسود . قال ابن المديني ، عن سفيان ، عن الزهري ، قال : لا يزال بالمدينة علم ما بقي هذا – عنى ابن إسحاق . قال علي بن المديني : مدار حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ستة ، فذكرهم ، ثم قال : فصار علم الستة عند اثني عشر ، أحدهم محمد بن إسحاق . وقال نعيم بن حماد ، عن سفيان قال : رأيت الزهري أتاه محمد بن إسحاق ، فاستبطأه فقال له : أين كنت ؟ قال : وهل يصل إليك أحد مع حاجبك ، قال : فدعا حاجبه ، فقال له : لا تحجبه إذا جاء . وقال : قال سفيان ، قال أبو بكر الهذلي : سمعت الزهري يقول : لا يزال بالمدينة علم جم ما دام فيهم ابن إسحاق . وقال علي : عن ابن عيينة ، قال ابن شهاب ، وسئل عن مغازيه ، فقال : هذا أعلم الناس بها – يعني ابن إسحاق . وروى حرملة عن الشافعي قال : من أراد أن يتبحر في المغازي ، فهو عيال على محمد بن إسحاق . وقال ابن أبي خيثمة : سألت يحيى بن معين عن ابن إسحاق ، فقال : قال عاصم بن عمر بن قتادة : لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق . ابن أبي خيثمة : حدثنا هارون بن معروف ، سمعت أبا معاوية يقول : كان ابن إسحاق من أحفظ الناس ، فكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر ، فاستودعها عند ابن إسحاق قال : احفظها علي ، فإن نسيتها كنت قد حفظتها علي . قال الخليلي : قال ابن إدريس الحافظ : كيف لا يكون ابن إسحاق ثقة وقد سمع من الأعرج ، ويروي عنه ، ثم يروي عن أبي الزناد عنه ، ثم يروي عن ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عنه . ثم قال الخليلي : روى عن ابن إسحاق من أستاذيه : الزهري وصالح بن كيسان وعقيل ويونس . وقال ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال – رأى ابن إسحاق مقبلا – : لا يزال بالحجاز علم كثير ما دام هذا الأحول . النفيلي : عن عبد الله بن فائد ، قال : كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق ، فأخذ في فن من العلم ، قضى مجلسه في ذلك الفن . قلت : قد كان في المغازي علامة . قال الميموني : حدثنا أبو عبد الله بحديث استحسنه عن ابن إسحاق ، فقلت : يا أبا عبد الله ! ما أحسن هذه القصص التي يجيئ بها ابن إسحاق ! فتبسم إلي متعجبا . ابن المديني : سمعت سفيان ، وسئل عن ابن إسحاق : لم لم يرو أهل المدينة عنه ؟ فقال : جالست ابن إسحاق منذ بضع وسبعين سنة ، وما يتهمه أحد من أهل المدينة ، ولا يقول فيه شيئا . فقلت له : كان ابن إسحاق يجالس فاطمة بنت المنذر ؟ فقال : أخبرني أنها حدثته ، وأنه دخل عليها . قال محمد بن الذهبي هو صادق في ذلك بلا ريب . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ، سمعت يحيى بن سعيد يقول : سمعت هشام بن عروة يقول : تحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر ، والله إن رآها قط . قلت : هشام صادق في يمينه ، فما رآها ، ولا زعم الرجل أنه رآها ، بل ذكر أنها حدثته ، وقد سمعنا من عدة نسوة وما رأيتهن . وكذلك روى عدة من التابعين عن عائشة ، وما رأوا لها صورة أبدا . قال عبد الله بن أحمد : فحدثت أبي بحديث ابن إسحاق ; فقال : ولم ينكر هشام ؟ لعله جاء ، فاستأذن عليها ، فأذنت له – يعني ولم يعلم . قال الأثرم : سألت أبا عبد الله عن ابن إسحاق ، فقال : هو حسن الحديث ، ثم قال : وقال مالك ، وذكره فقال : دجال من الدجاجلة . قال الخطيب : ذكر بعضهم : أن مالكا عابه جماعة من أهل العلم في زمانه بإطلاق لسانه في قوم معروفين بالصلاح والديانة والثقة والأمانة . قلت : كلا ، ما عابهم إلا وهم عنده بخلاف ذلك ، وهو مثاب على ذلك ، وإن أخطأ اجتهاده – رحمة الله عليه . ثم قال الخطيب : أنبأنا البرقاني ، حدثني محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك الآدمي ، حدثنا محمد بن علي الإيادي ، حدثنا زكريا الساجي ، حدثني أحمد بن محمد البغدادي ، حدثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثنا محمد بن فليح ، قال : قال لي مالك : هشام بن عروة كذاب . قال أحمد – وهو الأثرم إن شاء الله – : فسألت يحيى بن معين ، فقال : عسى أراد في الكلام ، أما في الحديث ، فثقة ، وهو من الرواة عنه . قال : وقال إبراهيم بن المنذر : حدثني عبد الله بن نافع ، قال : كان ابن أبي ذئب ، وابن الماجشون ، وابن أبي حازم ، وابن إسحاق يتكلمون في مالك ، وكان أشدهم فيه كلاما محمد بن إسحاق ، كان يقول : ائتوني ببعض كتبه حتى أبين عيوبه ، أنا بيطار كتبه . قال الخطيب : أما كلام مالك في ابن إسحاق فمشهور ، وأما حكاية ابن فليح عنه في هشام بن عروة ، فليست بالمحفوظة ، وراويها عن ابن المنذر لا يعرف . قلت : فهي مردودة . وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء ، منها : تشيعه ، ونسب إلى القدر ، ويدلس في حديثه ، فأما الصدق ، فليس بمدفوع عنه . وقال البخاري : رأيت علي بن عبد الله يحتج بحديث ابن إسحاق . وذكر عن سفيان أنه ما رأى أحدا يتهمه . قال : وقال إبراهيم بن المنذر : حدثنا عمر بن عثمان أن الزهري كان تلقف المغازي من ابن إسحاق فيما يحدثه عن عاصم بن عمر ، والذي يذكر عن مالك في ابن إسحاق ، لا يكاد يتبين ، وكان إسماعيل بن أبي أويس من أتبع من رأينا لمالك ، أخرج إلي كتب ابن إسحاق عن أبيه في المغازي وغيرها ، فانتخبت منها كثيرا . قال : وقال لي إبراهيم بن حمزة : كان عند إبراهيم بن سعد ، عن ابن إسحاق ، نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام ، سوى المغازي . قلت : يعني بتكرار طرق الأحاديث ، فأما المتون الأحكامية التي رواها فما تبلغ عشر ذلك . وذكر البخاري هنا فصلا حسنا عن رجاله ، وإبراهيم بن سعد ، وصالح بن كيسان ، فقد أكثرا عن ابن إسحاق . قال البخاري : ولو صح عن مالك تناوله من ابن إسحاق ، فلربما تكلم الإنسان ، فيرمي صاحبه بشيء واحد ، ولا يتهمه في الأمور كلها . قال : وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح : نهاني مالك عن شيخين من قريش ، وقد أكثر عنهما في ” الموطأ ” وهما ممن يحتج بهما ، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم ، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي ، وكلام الشعبي في عكرمة وفيمن كان قبلهم ، وتناول بعضهم في العرض والنفس ، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة ، والكلام في هذا كثير . قلت : لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر ، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة ، وقد علم أن كثيرا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به ولا سيما إذا وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف ، وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه ، لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين ، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة ، وارتفع مالك ، وصار كالنجم ، والآخر ، فله ارتفاع بحسبه ، ولا سيما في السير ، وأما في أحاديث الأحكام ، فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن ، إلا فيما شذ فيه ، فإنه يعد منكرا . هذا الذي عندي في حاله ، والله أعلم . قال يونس بن بكير : سمعت شعبة يقول : محمد بن إسحاق أمير المحدثين لحفظه . وقال علي بن عبد الله : نظرت في كتب ابن إسحاق فما وجدت عليه إلا في حديثين ، ويمكن أن يكونا صحيحين . وقال بعض الأئمة : الذي يذكر عن هشام بن عروة من قوله : كيف يدخل على امرأتي ؟ لو صح هذا من هشام لجاز أن تكتب إليه فإن أهل المدينة يرون الكتاب جائزا ; لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – كتب لأمير السرية كتابا ، فقال له : ” لا تقرأه حتى تبلغ موضع كذا وكذا ” فلما بلغه قرأه وعمل به . وكذلك الخلفاء والأئمة يفضون بكتاب بعضهم إلى بعض . وجائز أن يكون سمع منها ، وبينهما حجاب في غيبة زوجها . قلت : ذاك الظن بهما كما أخذ خلق من التابعين عن الصحابيات ، مع جواز أن يكون دخل عليها ، ورآها وهو صبي ، فحفظ عنها ، مع احتمال أن يكون أخذ عنها حين كبرت وعجزت ، وكذا ينبغي ، فإنها أكبر من هشام بأزيد من عشر سنين ، فقد سمعت من جدتها أسماء ، ولما روت لابن إسحاق كان لها قريب من ستين سنة . قال أبو زرعة الدمشقي : ابن إسحاق رجل قد اجتمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه ، منهم : سفيان ، وشعبة ، وابن عيينة ، والحمادان ، وابن المبارك ، وإبراهيم بن سعد ، وروى عنه من القدماء : يزيد بن أبي حبيب . وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقا وخيرا مع مدح ابن شهاب له ، وقد ذاكرت دحيما قول مالك ، فرأى أن ذلك ليس للحديث ، إنما هو لأنه اتهم بالقدر . وقال أبو إسحاق الجوزجاني : ابن إسحاق الناس يشتهون حديثه ، وكان يرمى بغير نوع من البدع . وقال سعيد بن داود الزبيري ، عن عبد العزيز الدراوردي : كنا في مجلس ابن إسحاق نتعلم ، فأغفى إغفاءة ، فقال : إني رأيت في المنام الساعة : كأن إنسانا دخل المسجد ومعه حبل ، فوضعه في عنق حمار فأخرجه . فما لبثنا أن دخل المسجد رجل معه حبل حتى وضعه في عنق ابن إسحاق فأخرجه ، قال : فذهب به إلى السلطان فجلد . قال الزبيري : من أجل القدر . وقال أبو العباس بن عقدة : حدثنا موسى بن هارون بن إسحاق ، سمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول : كان ابن إسحاق يرمى بالقدر . وكان أبعد الناس منه . وقال يعقوب بن شيبة : سمعت ابن نمير – وذكر ابن إسحاق – فقال : إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين ، فهو حسن الحديث صدوق ، وإنما أتي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة . قال إسحاق بن أحمد بن خلف ، البخاري الحافظ : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : محمد بن إسحاق ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد . وقال سليمان بن إسحاق الجلاب : سألت إبراهيم الحربي : تكلم أحد في ابن إسحاق ؟ فقال : أما سفيان بن عيينة فكان يقول – يعني عن الزهري – : لا يزال بالمدينة علم ما عاش هذا الغلام – يعني ابن إسحاق – ولكن حدثني مصعب قال : كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث . وقال يعقوب بن شيبة : سألت عليا : كيف حديث ابن إسحاق عندك ، صحيح ؟ فقال : نعم ، حديثه عندي صحيح . قلت : فكلام مالك فيه ؟ قال : مالك لم يجالسه ولم يعرفه ، وأي شيء حدث به ابن إسحاق بالمدينة ؟ ! قلت : فهشام بن عروة قد تكلم فيه . فقال علي : الذي قال هشام ليس بحجة ، لعله دخل على امرأته وهو غلام ، فسمع منها . إن حديثه ليتبين فيه الصدق . يروي مرة : حدثني أبو الزناد ، ومرة ذكر أبو الزناد ، ويروي عن رجل عمن سمع منه يقول : حدثني سفيان بن سعيد ، عن سالم أبي النضر ، عن عمير صوم يوم عرفة وهو من أروى الناس عن أبي النضر ، ويقول : حدثني الحسن بن دينار ، عن أيوب ، عن عمرو بن شعيب في سلف وبيع وهو من أروى الناس عن عمرو . قال يعقوب الفسوي : قال علي : لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين : نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” إذا نعس أحدكم يوم الجمعة ” والزهري ، عن عروة ، عن زيد بن خالد ” إذا مس أحدكم فرجه ” هذان لم يروهما عن أحد ، والباقون يقول : ذكر فلان ، ولكن هذا فيه : حدثنا . وقال يعقوب الفسوي أيضا : سمعت بعض ولد جويرية بن أسماء – وكان ملازما لعلي – قال : سمعت عليا يقول : وقع إلي من حديث ابن إسحاق شيء ، فما أنكرت منه إلا أربعة أحاديث ، ظننت أن بعضه منه ، وبعضه ليس منه . أبو داود : سمعت أحمد يقول : كان ابن إسحاق يشتهي الحديث ، فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه . قلت : هذا الفعل سائغ ، فهذا ” الصحيح ” للبخاري فيه تعليق كثير . وقال أحمد : ابن إسحاق أحب إلي من موسى بن عبيدة . قلت : موسى ضعفوه . وقال أحمد : كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماع قال : حدثني . وإذا لم يكن ، قال : قال . وقال أحمد : قدم ابن إسحاق بغداد ، فكان لا يبالي عمن يحكي ، عن الكلبي وعن غيره . وقال : ليس هو بحجة . قال أبو العباس بن عقدة : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل ، كان أبي يتبع حديث ابن إسحاق ، فيكتبه كثيرا بالعلو والنزول ، ويخرجه في ” المسند ” ، وما رأيته أبقى حديثه قط . قيل له : يحتج به ؟ قال : لم يكن يحتج به في السنن . وقال أيوب بن إسحاق بن سافري سألت أحمد بن حنبل فقلت : إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله ؟ قال : لا والله ، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا . قال : وأما علي بن المديني ، فكان يثني عليه ويقدمه . وروى محمد بن عثمان العبسي ، عن علي : هو صالح وسط . وروى ابن أبي خيثمة عن يحيى : ليس به بأس . وقال مرة : ليس بذاك . وسمعت يحيى مرة أخرى يقول : هو عندي سقيم ، ليس بقوي . وقال الميموني : سمعت يحيى بن معين يقول : ابن إسحاق ضعيف . وروى المفضل الغلابي ، عن ابن معين : هو ثبت في الحديث . وروى أبو زرعة النصري عن يحيى : ثقة وليس بحجة ، إنما الحجة عبيد الله بن عمر ، ومالك ، . . . وذكر جماعة . وقال يعقوب السدوسي : قلت ليحيى : في نفسك من صدقه شيء ؟ قال : لا ، هو صدوق . وروى عباس بن محمد عن يحيى : ثقة وليس بحجة . وقال العجلي : مدني ثقة . وقال النسائي وغيره : ليس بالقوي . وقال أبو زرعة : هو صدوق . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه . قال النفيلي : حدثنا عبد الله بن فائد . قال : كنا إذا جلسنا إلى ابن إسحاق ، فأخذ في فن من العلم ، قضى مجلسه فيه . أبو عبد الله المحاملي : حدثنا العباس بن يزيد البحراني ، حدثنا ابن عيينة ، سمعت شعبة يقول : محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث . أحمد الأبار : حدثنا إسماعيل بن عبيد الحراني ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن شعبة قال : لو سود أحد في الحديث لسود ابن إسحاق . وقال ابن سعد : كان ثقة ، ومنهم من يتكلم فيه ، وكان خرج من المدينة قديما ، فأتى الجزيرة والكوفة والري وبغداد ، فأقام بها حتى مات في سنة 151 . قال أبو سعيد بن يونس : قدم ابن إسحاق الإسكندرية سنة خمس عشرة ومائة ، وروى عن جماعة من أهل مصر ، منهم : عبيد الله بن المغيرة ، ويزيد بن أبي حبيب ، وثمامة بن شفي وعبيد الله بن أبي جعفر ، والقاسم بن قرمان ، والسكن بن أبي كريمة ، روى عنهم أحاديث لم يروها عنهم غيره فيما علمت . روى عنه من أهل مصر الأكابر ، منهم : يزيد بن أبي حبيب ، وقيس بن أبي يزيد . قال ابن سعد : كان ابن إسحاق أول من جمع مغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وخرج من المدينة قديما ، فلم يرو عنه أحد منهم غير إبراهيم بن سعد ، وكان مع العباس بن محمد بالجزيرة ، وأتى أبا جعفر بالحيرة ، فكتب له المغازي ، فسمع منه أهل الكوفة بذلك السبب ، وسمع منه أهل الري ، فرواته من هؤلاء البلدان أكثر ممن روى عنه من أهل المدينة . وقال ابن عدي : ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء إلى الاشتغال بمغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومبعثه ، ومبتدأ الخلق ، لكانت هذه فضيلة سبق بها ، ثم من بعده صنفها قوم آخرون فلم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق منها . وقد فتشت أحاديثه كثيرا ، فلم أجد من أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف ، وربما أخطأ ، أو يهم في الشيء بعد الشيء ، كما يخطئ غيره ، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة ، وهو لا بأس به . العقيلي : حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي ، حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا وهيب : سمعت هشام بن عروة يقول : ابن إسحاق كذاب . عباس العنبري : سمعت أبا الوليد ، حدثني وهيب قال : سألت مالكا عن محمد بن إسحاق فقال ، وقال . . . واتهمه . العقيلي : حدثنا محمد بن العباس مولى بني هاشم ، حدثنا أحمد بن منصور زاج حدثني أحمد بن زهير ، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : كان يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك يجرحان محمد بن إسحاق . أبو داود الطيالسي ، عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح قال : كنت عند يحيى بن سعيد الأنصاري ، فقيل له : إن أهل العراق يروون عن ابن إسحاق . فقال يحيى : تروون العلم عن محمد بن إسحاق ؟ تروون العلم عن محمد بن إسحاق ؟ ! . العقيلي : حدثني الفضل بن جعفر ، حدثنا عبد الملك بن محمد ، حدثني سليمان بن داود ، قال لي يحيى القطان : أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب . قلت : وما يدريك ؟ قال : قال لي وهيب . فقلت لوهيب : ما يدريك ؟ قال : قال لي مالك بن أنس . فقلت لمالك : وما يدريك ؟ فقال : قال لي هشام بن عروة . قلت لهشام : وما يدريك ؟ قال : حدث امرأتي فاطمة بنت المنذر ، ودخلت علي وهي ابنة تسع سنين ، وما رآها حتى لقيت الله . قلت : معاذ الله أن يكون يحيى وهؤلاء بدا منهم هذا بناء على أصل فاسد واه ، ولكن هذه الخرافة من صنعة سليمان ، وهو الشاذكوني – لا صبحه الله بخير – فإنه مع تقدمه في الحفظ متهم عندهم بالكذب ، وانظر كيف قد سلسل الحكاية . ويبين لك بطلانها أن فاطمة بنت المنذر لما كانت بنت تسع سنين لم يكن زوجها هشام خلق بعد ، فهي أكبر منه بنيف عشرة سنة ، وأسند منه ، فإنها روت – كما ذكرنا – عن أسماء بنت أبي بكر ، وصح أن ابن إسحاق سمع منها ، وما عرف بذلك هشام . أفبمثل هذا القول الواهي يكذب الصادق ؟ كلا والله ! نعوذ بالله من الهوى والمكابرة ، ولكن صدق القاضي أبو يوسف إذ يقول : من تتبع غريب الحديث كذب ، وهذا من أكبر ذنوب ابن إسحاق ، فإنه يكتب عن كل أحد ، ولا يتورع – سامحه الله . وعن يحيى بن سعيد ، قلت لهشام : ابن إسحاق يحدث عن فاطمة بنت المنذر . قال : أهو كان يصل إليها ؟ . قلت : ويحتمل أن تكون إحدى خالات ابن إسحاق من الرضاعة ، فدخل عليها وما علم هشام بأنها خالة له أو عمة . يحيى بن آدم : حدثنا ابن إدريس قال : كنت عند مالك ، فقال له رجل : إن محمد بن إسحاق يقول : اعرضوا علي علم مالك فإني بيطاره . فقال مالك : انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول : اعرضوا علي علم مالك . قال ابن إدريس : فما رأيت أحدا جمع الدجالين قبله . أخبرنا ابن الخلال ، أنبأنا جعفر ، أنبأنا السلفي ، أنبأنا ابن ماك أنبأنا الخليلي ، سمعت جدي والقاسم بن علقمة ، سمعنا ابن أبي حاتم ، سمعت مسلم بن الحجاج ، حدثنا ابن راهويه ، سمعت يحيى بن آدم ، سمعت ابن إدريس يقول : كنت عند مالك ، فقال رجل : كنت بالري عند أبي عبيد الله وزير المهدي ، فقال ابن إسحاق : هاتوا اعرضوا علي علوم مالك ، فإني أنا بيطارها . فقال مالك : دجال من الدجاجلة يقول هذا ! ! قال ابن إدريس : لم أسمع بجمع الدجال إلا منه . وبه : إلى ابن أبي حاتم ، حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن إدريس بنحوها . فقال مالك : دجال من الدجاجلة يقول هكذا ؟ ! نحن نفيناه من المدينة وقال هارون بن معروف : سمعت أبا معاوية يقول : كان ابن إسحاق أحفظ الناس ، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر ، جاء واستودعها ابن إسحاق ، يقول : احفظها عني ، فإن نسيتها كنت قد حفظتها علي . وعن ابن إدريس الحافظ قال : كيف لا يكون محمد بن إسحاق ثقة وقد سمع من الأعرج ، ثم يروي عن أبي الزناد عنه ، ثم يروي عن ابن أبي الزناد ، عن أبيه عنه . وقال ابن المديني : إنه ليبين في حديثه الصدق ، يقول مرة : حدثني أبو الزناد ، ومرة : ذكر أبو الزناد . ويقول : حدثني سفيان بن سعيد ، عن سالم أبي النضر ، وهو من أروى الناس ، عن أبي النضر . ويقول : حدثني الحسن بن دينار ، عن عمرو بن شعيب في سلف وبيع ، وهو من أروى الناس عن عمرو ، ولم أجد له سوى حديثين منكرين : نافع ، عن ابن عمر في النعاس يوم الجمعة . والزهري ، عن عروة ، عن زيد بن خالد : من مس فرجه قال الهيثم بن خلف : حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا أبو داود ، حدثني من سمع هشام بن عروة وقيل له : إن ابن إسحاق حدث بكذا وكذا عن فاطمة ، فقال : كذب الخبيث . ابن المديني : قال سفيان : رأيت ابن إسحاق في مسجد الخيف ، فاستحييت أن يراني معه أحد ، فقال : أنا أرصد ابن خصيفة أبغي أن أسأله عما حدثني عنه ، ثم قال ابن عيينة : اتهموه بالقدر . أبو داود الطيالسي : عن حماد بن سلمة قال : ما رويت عن ابن إسحاق إلا باضطرار . الفلاس : سمعت يحيى يقول : قال رجل لابن إسحاق : كيف حديث شرحبيل بن سعد ؟ فقال : وأحد يحدث عن شرحبيل ؟ ثم قال الفلاس : العجب من رجل يحدث عن أهل الكتاب ، ويرغب عن شرحبيل ، وقد حدث عنه يحيى بن سعيد ، وعاصم الأحول ، ومطر وأبو معشر المديني ! الفلاس : سمعت يحيى بن سعيد يقول لعبيد الله : إلى أين تذهب ؟ قال : أذهب إلى وهب بن جرير ، أكتب السيرة . قال : يكتب كذبا كثيرا . قلت : كان وهب يرويها عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، وأشار يحيى القطان إلى ما في السيرة من الواهي من الشعر ، ومن بعض الآثار المنقطعة المنكرة ، فلو حذف منها ذلك ، لحسنت ، وثم أحاديث جمة في الصحاح والمسانيد مما يتعلق بالسيرة والمغازي ينبغي أن تضم إليها وترتب ، وقد فعل غالب هذا الإمام أبو بكر البيهقي في : ” دلائل النبوة ” له . قال علي بن عبد الله : كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن ابن إسحاق شيئا ، كان يضعفه . وقال يحيى بن معين : لم يسمع ابن إسحاق من طلحة بن نافع شيئا . ابن المديني : سمعت يحيى يقول : قال إنسان للأعمش : إن ابن إسحاق حدثنا عن ابن الأسود ، عن أبيه بكذا وكذا . فقال : كذب ابن إسحاق ، وكذب ابن الأسود ، حدثني عمارة بكذا وكذا . قال علي : وسمعت يحيى يقول : الحجاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق – يعني سواء – وأشعث بن سوار دونهما . وقال : تركت ابن إسحاق متعمدا . إبراهيم الحزامي : عن ابن أبي فديك قال : رأيت محمد بن إسحاق يكتب عن رجل من أهل الكتاب . قلت : هذا يشنع به على ابن إسحاق ، ولا ريب أنه حمل ألوانا عن الذمة مترخصا بقوله – صلى الله عليه وسلم – ” حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ” . أبو جعفر العقيلي : حدثني أسلم بن سهل ، حدثني محمد بن عمرو بن عون ، حدثنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال : قال أبي : سمعت مالكا يقول : يا أهل العراق من يغت عليكم بعد محمد بن إسحاق ؟ العقيلي : حدثني الخضر بن داود ، حدثنا أحمد بن محمد ، قلت لأبي عبد الله : ما تقول في ابن إسحاق ؟ قال : هو كثير التدليس جدا . قلت : فإذا قال : أخبرني ، وحدثني ، فهو ثقة ؟ قال : هو يقول أخبرني ، فيخالف ، فقيل لأبي عبد الله : روى عنه يحيى بن سعيد ؟ فقال : لا – كالمنكر لذلك – ثم قال : كان يحيى بن سعيد لا يستخف من هو أكبر من محمد بن إسحاق . بندار : سمعت معاذا يقول : رأيت ابن إسحاق عليه إزار رقيق متخلق ، وخصيته مدلاة . بندار : سمعت ابن أبي عدي يقول : كان ابن إسحاق يلعب بالديوك . قال الهيثم بن عدي ، والمدائني : محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار ، وكان خيار لقيس بن مخرمة . قال أبو الحسن الدارقطني : ابن إسحاق لا يحتج به . وقال الحسن بن علي الحلواني : سمعت يزيد بن هارون يقول : لو كان لي سلطان ، لأمرت ابن إسحاق على المحدثين . أخبرنا عبد الرحمن بن قدامة الفقيه في كتابه ، أنبأنا عمر بن محمد ، أنبأنا هبة الله بن محمد ، أنبأنا محمد بن محمد ، أنبأنا محمد بن عبد الله الشافعي ، حدثنا محمد بن ربح بن سليمان البزاز ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا محمد بن إسحاق ، عن سعيد المقبري ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه قال : خرج علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في صلاة الظهر أو العصر – شك يزيد – وهو حامل أمامة بنت أبي العاص ، فإذا أراد أن يركع وضعها ثم ركع ، فإذا قام حملها ، فلم يزل يفعل ذلك حتى قضى صلاته فهذا أعلى ما يقع لنا من حديث ابن إسحاق . قال عمرو بن علي ، وإبراهيم نفطويه ، وغيرهما : مات ابن إسحاق سنة خمسين ومائة . وقال الهيثم بن عدي ، وأحمد بن خالد الوهبي ، وغيرهما : مات سنة إحدى وخمسين ومائة . وقال علي بن المديني ، ويحيى بن معين ، وزكريا الساجي ، وغيرهم : سنة اثنتين وخمسين ومائة . وقال شباب : توفي سنة اثنتين أو ثلاث . روى له مسلم في المتابعات واستشهد به البخاري ، وأخرج أرباب السنن له ، والوهبي هو خاتمة أصحابه مات سنة خمس عشرة ومائتين . المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.

كتب محمد بن إسحاق بن يسار PDF