الإمام الصالح، الورع، الزاهد، أحد الثلة المتقدمين في العلم الشرعي، ومرجع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في الفتوى والعلم، وبقية السلف الصالح في لزوم الحق والهدي المستقيم، واتباع السنة الغراء: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز. وآل باز أسرة عريقة في العلم والتجارة والزراعة، معروفة بالفضل والأخلاق. قال الشيخ سليمان بن حمدان، رحمه الله، في كتابه حول تراجم الحنابلة: إن أصلهم من المدينة النبوية، وإن أحد أجدادهم انتقل منها إلى الدرعية، ثم انتقلوا منها إلى حوطة بني تميم. ولد في الرياض، عاصمة نجد، يوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة عام 1330 هـ، وترعرع فيها، وشب وكبر، ولم يخرج منها إلا ناويًا الحج والعمرة. نشأ سماحة الشيخ عبد العزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها وحضاراتها المزيفة؛ إذ كانت الرياض في ذلك الوقت بلدة علم وهدى، فيها كبار العلماء وأئمة الدين من أئمة هذه الدعوة المباركة، التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأعني بها دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله. وفي هذه البيئة العلمية نشأ سماحته، رحمه الله. ولا شك أن القرآن العظيم كان، ولا يزال، ولله الحمد والمنة، هو النور الذي يضيء حياته، وعنوان الفوز والفلاح. فبالقرآن الكريم بدأ الشيخ دراسته، كما هي عادة علماء السلف رحمهم الله؛ إذ يجعلون القرآن الكريم أول المصادر العلمية، فيحفظونه ويتدبرونه أشد التدبر، ويعون أحكامه وتفاسيره، ثم ينطلقون إلى العلوم الشرعية الأخرى. حفظ الشيخ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبلغ، فوعاه وحفظه تمام الحفظ، وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان. ثم بعد حفظه كتاب الله، ابتدأ سماحته في طلب العلم على أيدي العلماء، بجد وجَلَد وطول نفس وصبر. ومن الجدير بالذكر في أمر نشأته أن لوالدته، رحمها الله، أثرًا بالغًا ودورًا بارزًا في اتجاهه إلى العلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه؛ فقد كانت تحثه، وتشد من أزره، وتحضه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل جد واجتهاد. وكان سماحة الشيخ عبد العزيز، رحمه الله، مبصرًا في أول حياته، ثم شاء الله، لحكمة بالغة أرادها، أن يضعف بصره عام 1346 هـ، إثر مرض أصيب به في عينيه، ثم ذهب بصره كله عام 1350 هـ، وكان عمره قريبًا من العشرين عامًا. غير أن ذلك لم يثنه عن طلب العلم، ولم يقلل من همته وعزيمته، بل استمر في طلب العلم جادًا مجدًا، ملازمًا لصفوة فاضلة من العلماء الربانيين والفقهاء الصالحين، فاستفاد منهم أشد الاستفادة، وأثروا فيه في بداية حياته العلمية بالرأي السديد، والعلم النافع، والحرص على معالي الأمور، والنشأة الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والتربية الحميدة. ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبد العزيز، رحمه الله، قد استفاد من فقد بصره فوائد عدة، منها: الأمر الأول: حسن الثواب وعظيم الأجر من الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: قوة الذاكرة والذكاء المفرط. الأمر الثالث: إغفال مباهج الحياة وفتنة الدنيا وزينتها. الأمر الرابع: أنه ألح على نفسه بالجد والمثابرة، حتى أصبح من العلماء الكبار المشار إليهم بسعة العلم، وإدراك الفهم، وقوة الاستدلال. وقد أبدله الله عن نور عينيه نورًا في القلب، وحبًا للعلم، وسلوكًا للسنة، وسيرًا على المحجة، وذكاءً في الفؤاد. ومما تميز به سماحته، رحمه الله، الهيبة. وقد حدث غير واحد من كبار العلماء وطلبة العلم أن للشيخ هيبة فيها عزة العلماء، مع عظيم مكانتهم وكبير منزلتهم. وهذه الهيبة قذفها الله في قلوب الناس، وهي تنم عن محبة وإجلال وتقدير له، لا عن خوف أو هلع. بل إن الشيخ، رحمه الله، قد فرض احترامه على الناس بجميل شمائله وكريم أخلاقه، مما جعلهم يهابونه حياءً منه، ويقدرونه في أنفسهم أشد التقدير. ومما زاد هيبته أنه ابتعد كل البعد عن ساقط القول ومرذول اللفظ وما يخدش الحياء، فلا تكاد تجد في مجلسه شيئًا من الضحك إلا نادرًا، بل تجد مجالسه عامرة بذكر الله، والتفكر، والتأمل في الدار الآخرة. ومع هذه المكانة العظيمة والمنزلة السامية والهيبة، فإنه كان آية في التواضع، وحسن المعاشرة، وعلو الهمة، وصدق العزيمة، مع عزة في النفس، وإباء في الطبع، بعيدًا كل البعد عن الصلف والتكلف المذموم، كأنه واضع نصب عينيه قوله تعالى: «وما أنا من المتكلفين». فصاحته: اللغة العربية لغة جميلة في بابها، ماتعة في لبابها وفوائدها، وهي لغة القرآن والسنة أسلوبًا ومنهجًا، ومقصدًا ومغزى، وهي الوسيلة إلى فهم الدين وإدراك أسراره وسبر أغواره، وهي من مستلزمات الإسلام وضروراته. والشيخ، رحمه الله، يعد بجدارة من أرباب الفصاحة وأساطين اللغة، وخاصة في علم النحو وعلوم العربية كافة. وتبرز فصاحته في كتابته ومحادثته وخطبه ومحاضراته وكلماته؛ فهو ذو بيان مشرق، ونبرات مؤثرة حزينة، وأداء لغوي جميل، ويميل دائمًا إلى الأسلوب النافع الذي كان عليه أكثر أهل العلم، وهو الأسلوب المسمى «السهل الممتنع». وكان الشيخ خطيبًا مصقعًا، وواعظًا بليغًا، سواء في محاضراته الكثيرة النافعة، أو تعقيباته على محاضرات غيره، أو في توجيهاته الحكيمة وتوصياته المفيدة، التي تشرئب إليها الأسماع، وتتطلع إليها الأفئدة والقلوب الصادقة المؤمنة. ومن مميزاته الخطابية قدرته على ترتيب أفكاره حتى لا تتشتت، وضبط عواطفه حتى لا تغلب عقله، وسلامة أسلوبه الذي لا يكاد يعتريه اللحن في صغير القول أو كبيره، وتحرره من كل أثر للتكلف والتنطع. ومما تميز به سماحته، رحمه الله، قوة الحافظة، وسرعة البديهة، واستحضار مسائل العلم بفهم واسع، ووفرة في العلم، وشدة في الذكاء، وغزارة في المادة العلمية. فهو، رحمه الله، صاحب ألمعية نادرة ونجابة ظاهرة. ومما يؤكد ذلك أنه ربما سئل عن أحاديث منتقدة في الكتب الستة وغيرها من كتب السنة، فيجيب عنها مع تخريجها، والكلام على أسانيدها ورجالها، وذكر أقوال أهل العلم فيها. وهو ممن منّ الله عليه بحفظ الصحيحين واستحضارهما، ولا يكاد يفوته من متونهما شيء، إلا أنه سئل مرة ونحن على طعام الغداء عنده: هل تحفظ الصحيحين؟ فأجاب قائلًا: نعم، ولله الحمد والمنة، إلا أن صحيح مسلم يحتاج إلى نظر وتربيط. فراسته: الفراسة حلية معلومة، وخصلة حميدة لكبار العلماء وأهل الفضل والهدى. والفراسة، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله، نور يقذفه الله في قلب عبده، يفرق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب، وتكون على حسب قوة الإيمان. والشيخ عبد العزيز، رحمه الله، ولا نزكي على الله أحدًا، صاحب بصيرة نافذة وفراسة حادة، يعرف ذلك جيدًا من عاشره وخالطه وأخذ العلم على يديه. ومما يؤكد فراسته أنه يعرف الرجال وينزلهم منازلهم، فيعرف الجاد منهم في هدفه ومقصده من الدعاة وطلبة العلم، فيكرمهم أشد الإكرام، ويقدمهم على من سواهم، ويخصهم بمزيد من التقدير، ويسأل عنهم وعن أحوالهم دائمًا. من صفاته الخلقية: مما تواتر عند الناس أن سماحة الشيخ عبد العزيز، رحمه الله، تميز بالخلال الحميدة، والخصال الرشيدة، وجميل الأخلاق، وطيب الفعال، وعظيم التواضع. وهو ممن يقتدى به في الأدب والعلم والأخلاق، بل هو أسوة حسنة في تصرفاته وسمته وهديه المبني على كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وخاصة في زهده وعبادته وأمانته وصدقه، وكثرة التجائه وتضرعه إلى الله، وعظيم خشيته لله، وذكاء فؤاده، وسخاء يده، وطيب معشره، واتباعه السنة الغراء. وقصارى القول أن للشيخ، رحمه الله، صفات حسنة، وخلالًا جميلة، وشيمًا كريمة، ومناقب فذة عظيمة، يجدر بنا أن نتناول بعضها. 1- تواضعه: التواضع هو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة للخلق. ومنشأ التواضع معرفة الإنسان قدر عظمة ربه ومعرفة قدر نفسه. وقد عرف الشيخ، رحمه الله، قدر نفسه، وتواضع لربه أشد التواضع؛ فكان يعامل الناس معاملة حسنة بلطف ورحمة ورفق ولين جانب، لا يزهو على مخلوق، ولا يتكبر على أحد، ولا ينهر سائلًا، ولا يبالي بمظاهر العظمة الكاذبة، ولا يترفع عن مجالسة الفقراء والمساكين، والمشي معهم، ومخاطبتهم باللين، ولا يأنف من الاستماع إلى نصيحة من هو دونه. 2- السكينة والوقار: وهما من أبرز صفات الشيخ، رحمه الله، وأول ما يواجه به الناس؛ سواء القرباء أو البعداء، جلساؤه الأدنون أو زواره العابرون. فقد كان الناس يلتفون حوله أينما وجد، في المسجد، وفي المنزل، وفي المكتب، وكان يصغي إلى كل واحد منهم بإقبال يخيل إليه أنه المختص برعايته، فلا ينصرف عنه حتى ينصرف هو. وكان مراجعوه من مختلف الطبقات والأرجاء، ولكل حاجته وقصده، فيقوم الشيخ، رحمه الله، بتسهيل أمره وتيسير مطلبه. وربما ضاق بعضهم ذرعًا، وتكلم بكلمات يرى نفسه فيها مظلومًا، فما يكون من الشيخ إلا أن يوجهه إلى الوقار، ويدعو له بالهداية والصلاح. إنها صور صادقة تدل على تواضع جم، وسكينة حسنة، وأناة عظيمة، وحلم كبير، ووقار ظاهر. ومما يؤكد تواضعه، رحمه الله، تلبيته دعوة طلابه ومحبيه في حفلات الزواج الخاصة بهم، وحضوره المبكر، وطلبه من أحد الإخوان قراءة آيات من القرآن الكريم، ثم قيامه بتفسيرها للجميع. وكان هذا دأبه والغالب عليه في حضوره الولائم، رفع الله قدره. أعماله ومناصبه: من الأعمال والمناصب التي أسندت إلى الشيخ، رحمه الله: القضاء في منطقة الخرج سنة 1357 هـ لأكثر من أربعة عشر عامًا. التدريس في المعهد العلمي بالرياض سنة 1372 هـ، وكلية الشريعة بالرياض سنة 1381 هـ، في علوم الفقه والتوحيد والحديث. عُيّن عام 1381 هـ نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. تولى رئاسة الجامعة الإسلامية سنة 1390 هـ. صدر الأمر الملكي عام 1395 هـ بتعيينه رئيسًا عامًا لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة. رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هيئة كبار العلماء بالمملكة. عضوية المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ورئاسته. رئاسة المجلس الأعلى العالمي للمساجد. رئاسة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، التابع لرابطة العالم الإسلامي. عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة. مؤلفاته: الفوائد الجلية في المباحث الفرضية. التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة، المعروف بتوضيح المناسك. التحذير من البدع. رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام. العقيدة الصحيحة وما يضادها. وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها. الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة. وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه. حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار. نقد القومية العربية. الجواب المفيد في حكم التصوير. الشيخ محمد بن عبد الوهاب، دعوته وسيرته. ثلاث رسائل في الصلاة. حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله صلى الله عليه وسلم. حاشية مفيدة على فتح الباري. الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب. إقامة البرهان على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين. الجهاد في سبيل الله. الدروس المهمة لعامة الأمة. فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة. وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة. قالوا في الشيخ: كان للشيخ، رحمه الله، مؤلفات كثيرة وكتب متنوعة، وكان بحق أمة وحده وجامعة بمفرده. وكان يعلم أن المسألة ليست فيما تخطه الأقلام، بل فيما تسير عليه الأقدام وتصدح به الأفهام. وكان يعلم أن الأمة ليست بحاجة إلى كثرة التأليف فحسب، بل إلى العلم الحنيف الذي يضرب لها قدوة بفعله الشريف ورأيه الحصيف، مع القدوة الحسنة والسيرة المباركة والأثر المحمود. وكانت ملازمة ذلك العالم الأجل، رحمه الله، تزكو بها النفس، ويصفو بها الفؤاد، ويرق بها الخلق، ويقوى بها الإيمان، ويذكر بها الرحمن، ويزداد بها العلم، ويتسع بها الأفق. قال الشيخ محمد الموسى: إن الشيخ لم يكن يدع دقيقة واحدة من الوقت تذهب سدى، في حضر ولا سفر. وقال فضيلة الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان، عضو هيئة كبار العلماء: كان، رحمه الله، يقدر رأي مخالفه ويحترمه، بل يجله إذا كان له دليل ووجهة نظر لها ملحظ علمي؛ يصغي له ويفسح له المجال دون اعتراض أو تحامل. وكان يحاول، رحمه الله، أن يوائم بين الواجب الشرعي والواقع الذي يعيشه الناس فيما يجد له مندوحة، محتذيًا في تصرفات المكلفين إطار الشرع وحدوده. وقد أثرى الفقه الإسلامي بفتاواه الاجتهادية، التي كان لها الأثر الديني والاجتماعي في الإصلاح والتوفيق بين الأزواج، ولم يقتصر أثرها على الأسر، بل امتدت آثار فتاواه إلى الأقطار التي يحمل بها مسلمون في مشارق الأرض ومغاربها. وقال أحد تلاميذه: كان يتعامل مع الناس جميعًا بأسلوب واحد وطريقة واحدة، غير متكلف ولا متصنع، على سجيته وفطرته، ولم تزده المكانة الاجتماعية والوجاهة العلمية والعملية إلا تواضعًا وإحسانًا، وحبًا للآخرين، وحسن التعامل معهم، رحمه الله. وقال مدير مكتب سماحته، رحمه الله، الدكتور عبد الله الحكمي: أبكيه ويبكيه الفقراء والمساكين، فهو أبو المساكين، سعى في رفع معاناتهم، وفك كربتهم، وقضاء ديونهم، وعلاج مرضاهم، فامتلأت دواوين مكتبه بطلباتهم، وكان يخصص لها الوقت الطويل، ويدرسها، ويبذل الجهد في نفعهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. فكم من مدين كان سببًا في قضاء دينه، وكم من فقير رفع عنه ألم الحاجة، وكم من مسكين فرج كربته. ويواصل الدكتور عبد الله الحكمي حديثه فيقول: لقد كان من نشاط الشيخ واجتهاده في الأشهر الأخيرة من حياته ما يبعث على العجب؛ فقد كان يضاعف جهده، ويرهق نفسه، ويريد أن ينهي أكبر قدر من المعاملات والأوراق والبحوث، وكأنه يعلم أنه مودع، فأحب أن ينجز أكبر قدر ممكن من مصالح المسلمين وحوائجهم. وقد توفي الشيخ، رحمه الله، قبيل فجر يوم الخميس 27 محرم 1420 هـ.