الإمام العلامة الفقيه أبو عبد الله شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد المقدسي، ثم الصالحي الراميني، شيخ الحنابلة في وقته، ولد في حدود سنة عشر وسبعمائة، وسمع من عيسى المطعم، وله مشايخ كثيرون، منهم: البرهان الزرعي، والحجار، والفُويره، والمِزِّي والذهبي، وكانا يعظمانه. وتفقه حتى برع في الفروع على مذهب الإمام أحمد، وأصهر إلى العلامة جمال الدين المرداوي قاضي قضاة الحنابلة في الشام، وناب عنه في الحكم، وقد ذكره الذهبي فقال: شابٌّ دَيِّنٌ عالِم، له عمل ونظر في رجال السنن، ناظر وسمع وكتب وتقدم، وذكر قاضي القضاة المرداوي أنه قرأ عليه المقنع وغيره من الكتب في علوم شتى، ووصفه ابن القيم بقوله: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح، وحضر عند شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقل عنه كثيرًا، وكان يقول له: ما أنت ابن مفلح، أنت مفلح، وكان أخبرَ الناس بمسائله واختياراته، حتى إن ابن القيم كان يراجعه في ذلك. وقد درس بالصاحبة، ومدرسة الشيخ أبي عمر، والسلامية، وأعاد بالصدرية ومدرسة دار الحديث. مؤلفاته: كان له العديد من المؤلفات النافعة، والمصنفات الجامعة، ذكر ابن كثير في تاريخه أن له شرحًا على المقنع في نحو ثلاثين مجلدًا، وعلى المحرر نحوًا من مجلدين، وله كتاب الفروع الذي اشتهر في الآفاق، وهو من أجل كتب الحنابلة وأنفسها وأجمعها للفوائد، أورد فيه من الفروع الغريبة ما بهر به العلماء، وله كتاب في أصول الفقه، وهو كتاب جليل حذا حذو ابن الحاجب في مختصره، وفيه من النقول والفوائد ما لا يوجد في غيره، وليس للحنابلة أحسن منه. ومن كتب الإمام، كتاب “الآداب الشرعية والمنح المرعية” ويسمى الآداب الكبرى، فهو ذو قيمة علمية كبيرة؛ لاشتماله على كثير من أصول الأخلاق المستقاة من الكتاب والسنة، وما انبثق عنهما من علوم في إطار الثقافة العربية الإسلامية، وقد تحرى فيه أن يكون كالفروع في الفقه، جامعًا لخلاصة ما ألف فيه أئمة الحنابلة من المصنفات التي ذكرها في خطبة كتابه؛ كأبي بكر الخلال، وأبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وابن الجوزي، وغيرهم من أعيان وعلماء الحنابلة، فأتى في كتابه على ما في كتب هؤلاء العلماء، وزاد عليها أشياء كثيرةً نافعةً حسنةً غريبةً من أماكن متفرقة؛ يقول ابن مفلح رحمه الله في خطبة الكتاب وهو يتحدث عن هذا الكتاب: “فمَن علِمه علِم قدره، وعلم أنه قد علم من الفوائد المحتاج إليها ما لم يعلم أكثر الفقهاء، أو كثير منهم؛ لاشتغالهم بغيره، وعزة الكتب الجامعة لهذا الفن”. وعليه، فإن مما يزيد من القيمة العلمية لهذا الكتاب، ويزيده ألَقًا، احتواءَه على نقول عزيزة فريدة من كتب لم تصلنا، لعل أعظمها كتاب الفنون لابن عقيل الحنبلي، والرعاية الكبرى لابن حمدان، والمستوعب لمحمد بن عبدالله السامري، وغير ذلك من المصنفات النافعة النفيسة. وغير خافٍ على من له إلمام حسن بمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية أن هناك اعتمادًا كبيرًا جدًّا على النصوص القرآنية والحديثية، وما مصنفات ابن تيمية وابن كثير وابن رجب إلا شاهد صدق على ذلك، وعليه فقد جاء كتاب الآداب الشرعية مشحونًا بالنصوص القرآنية، والمتون الحديثية من المصنفات المشهورة؛ كالكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان، وغيرها من دواوين الحديث النبوي، مشفوعًا ذلك بالكلام عن بعض الأسانيد وأحوال الرجال فيما تمس إليه الحاجة، مع العناية بشرح المفردات الغريبة، والمشاركة في استنباط الأحكام، والرد على العلماء، وعدم الاكتفاء بالنقل عنهم، بحيث برزت شخصية ابن مفلح في الكتاب، واستقل بصياغة المادة العلمية والتفقه فيها. والمطلع على كتاب الآداب الشرعية، يتبين له أن مؤلفه رحمه الله ذو اطلاع واسع وفهم ثاقب لمذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وإلمام غير قليل بالنسبة لمذاهب الأئمة المتبوعين؛ ولذلك يجد القارئ في كتابه هذا نصوصًا كثيرةً ينقلها عن الإمام أحمد وتلامذته، وعن العلماء الذين جاؤوا من بعدهم ممن ينتمي إلى هذا المذهب، ويجد أيضًا النصوص النبوية الكثيرة التي ينسبها المصنف إلى مخرجيها من أمهات كتب السنة، وهو في كثير من الأحيان لا يخلي هذه النصوص من تعقُّبات حديثية في التضعيف والتحسين والتصحيح، مما يدل على براعته في هذا الفن، وحسن تأتيه لما يستشهد به من المنقولات، لا سيما أنه في أغلب الظن يدوِّن هذا من حفظه؛ دلالة ذلك قوله في غير موطن: أظنه كذا، وإنه كذا في حفظي، ثم إنه لا يترك في الباب حديثًا أو أثرًا إلا أثبته، وفي بعض الأحاديث نكارة وضعف لا يمكن الأخذ بها ولا التعويل عليها في باب الحلال والحرام، لكنه ترخص في روايتها وإثباتها؛ لأنها إما أن تكون عاضدةً لأخبار صحيحة، أو أن ضعفها خفيف في الغالب يؤخذ بها في فضائل الأعمال والآداب، كما هو مذهبُ غير واحد من الأئمة، بالشروط المعتبرة التي دوَّنها الأئمة في الاستدلال بالحديث الضعيف، وهي: ألا يكون الضعف شديدًا، وأن يندرج تحت أصل عام، وألا يعتقد ثبوته عند العمل به، يفعل هذا في الأعم الأغلب، إلا أنه قد يحتاج إلى تقوية بعض الفروع الفقهية في مذهب أحمد بأحاديثَ شديدة الضعف، ولا تندرج تحت أصل عام، فيذكرها.