
عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرام بن عبد الله، الحافظ الإمام، أحد الأعلام، أبو مُحَمَّد التَّميمي، ثمَّ الدَّارمي السَّمرقندي، ودارم هو ابن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم. طوَّف أبو مُحَمَّد الأقاليم، وصنَّف التَّصانيف.
وحدَّث عن: يزيد بن هارون، ويعلى بن عبيد، وجعفر بن عون، وبشر بن عمر الزَّهراني، وأبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وأخيه أبي بكر عبد الكبير، ومُحَمَّد بن بكر البرساني، ووهب بن جرير، والنَّضر بن شميل، وهو أقدمهم موتًا، وأبي النَّضر هاشم بن القاسم، وعثمان بن عمر بن فارس، وسعيد بن عامر الضُّبعي، والأسود بن عامر، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وأبي عاصم، وعبيد الله بن موسى، وأبي المغيرة الخولاني، وأبي مُسْهِر الغسَّاني، ومُحَمَّد بن يوسف الفريابي، وعبد الصَّمد بن عبد الوارث، وأبي نعيم، وعفَّان، وأبي الوليد، ومسلم، وزكريَّا بن عدي، ويحيى بن حسَّان، وخلق، وينزل إلى دحيم، وخليفة بن خيَّاط.
حدَّث عنه: مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، وعبد بن حميد، وهو أقدم منه، ورجاء بن مرجى، والحسن بن الصَّبَّاح البزَّار، ومُحَمَّد بن بشَّار بندار، ومُحَمَّد بن يحيى، وهم أكبر منه، وقد روى التِّرمذي أيضًا عن مُحَمَّد بن إسماعيل عنه، وبقي بن مخلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وصالح بن مُحَمَّد جزرة، وإبراهيم بن أبي طالب، وجعفر بن أحمد بن فارس، وجعفر الفريابي، وعبد الله بن أحمد، وعمر بن مُحَمَّد بن بجير، ومُحَمَّد بن النَّضر الجارودي، وعيسى بن عمر السَّمرقندي، راوي «مسنده» عنه، وآخرون.
قال عبد الصَّمد بن سليمان البلخي: سألت أحمد بن حنبل عن يحيى الحمَّاني، فقال: تركناه لقول عبد الله بن عبد الرحمن، لأنَّه إمام.
وقال إسحاق بن داود السَّمرقندي: قدم قريب لي من الشَّاش، فقال: أتيت أحمد بن حنبل، فجعلت أصف له أبا المنذر، وجعلت أمدحه، فقال: لا أعرف هذا، فقد طالت غيبة إخواننا عنَّا، لكن أين أنت عن عبد الله بن عبد الرحمن؟ عليك بذاك السَّيِّد، عليك بذاك السَّيِّد.
روى نعيم بن ناعم، قال: سمعت مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير يقول: غلبنا عبد الله بن عبد الرحمن بالحفظ والورع.
قال إسحاق بن إبراهيم الورَّاق: سمعت مُحَمَّد بن عبد الله المخرمي يقول: يا أهل خراسان، ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره.
قال: وسمعت أبا سعيد الأشجَّ يقول: عبد الله بن عبد الرحمن إمامنا.
وسمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أمر عبد الله بن عبد الرحمن أظهر من ذلك فيما يقولون من البصر والحفظ وصيانة النَّفس. عافاه الله.
وقال مُحَمَّد بن بشَّار: حفَّاظ الدُّنيا أربعة: أبو زرعة بالرَّي، ومسلم بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند، ومُحَمَّد بن إسماعيل ببخارى.
قلت: كان بندار يفتخر بكونهم حملوا عنه.
وروى إسحاق بن أحمد بن زبرك، عن أبي حاتم الرَّازي، قال: مُحَمَّد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومُحَمَّد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومُحَمَّد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أثبتهم.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه، قال: عبد الله بن عبد الرحمن إمام أهل زمانه.
وقال أبو حامد بن الشَّرقي: إنَّما أخرجت خراسان من أئمَّة الحديث خمسة: مُحَمَّد بن يحيى، ومُحَمَّد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومسلم بن الحجَّاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وقال مُحَمَّد بن إبراهيم بن منصور الشِّيرازي: كان عبد الله على غاية من العقل والدِّيانة، ممَّن يضرب به المثل في الحلم والدِّراية والحفظ والعبادة والزَّهادة، أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذبَّ عنها الكذب، وكان مفسِّرًا كاملًا، وفقيهًا عالمًا.
وقال أبو حاتم بن حبَّان: كان الدَّارمي من الحفَّاظ المتقنين، وأهل الورع في الدِّين، ممَّن حفظ وجمع، وتفقَّه، وصنَّف، وحدَّث، وأظهر السُّنَّة ببلده، ودعا إليها، وذبَّ عن حريمها، وقمع من خالفها.
وقال أبو بكر الخطيب: كان أحد الرَّحَّالين في الحديث، والموصوفين بحفظه وجمعه والإتقان له، مع الثِّقة والصِّدق، والورع والزُّهد، واستقضي على سمرقند، فأبى، فألحَّ السُّلطان عليه حتَّى قلَّده، وقضى قضيَّة واحدة، ثمَّ استعفى، فأعفي، وكان على غاية العقل، ونهاية الفضل، يضرب به المثل في الدِّيانة والحلم والرَّزانة، والاجتهاد والعبادة، والزَّهادة والتَّقلُّل. وصنَّف «المسند» و«التَّفسير» و«الجامع».
قال إسحاق بن إبراهيم الورَّاق: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: ولدت في سنة مات ابن المبارك، سنة إحدى وثمانين ومائة.
وقال أحمد بن سيَّار المروزي الحافظ: كان الدَّارمي حسن المعرفة، قد دوَّن «المسند» و«التَّفسير».
مات في سنة خمس وخمسين ومائتين، يوم التَّروية بعد العصر، ودفن يوم عرفة، يوم الجمعة، وهو ابن خمس وسبعين سنة.
وقال الحافظ مكِّي بن مُحَمَّد بن أحمد بن ماهان البلخي، تلميذه، في تاريخ وفاته نحو ذلك. ووهم من قال: وفاته في سنة خمسين. فقد أرَّخه جماعة على الأوَّل.
قال إسحاق بن أحمد بن خلف: كنَّا عند مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري، فورد عليه كتاب فيه نعي عبد الله بن عبد الرحمن، فنكَّس رأسه، ثمَّ رفع واسترجع، وجعل تسيل دموعه على خدَّيه، ثمَّ أنشأ يقول:
إن تبق تفجع بالأحبَّة كلِّهم
وفناء نفسك لا أبا لك أفجع
ثمَّ قال إسحاق: ما سمعناه ينشد إلا يجيء في الحديث.
قلت: قد كان الدَّارمي ركنًا من أركان الدِّين، قد وثَّقه أبو حاتم الرَّازي والنَّاس، وحدَّث عنه بندار والكبار، وبلغنا عن أحمد بن حنبل، وذكر الدَّارمي، فقال: عرضت عليه الدُّنيا، فلم يقبل.
قال رجاء بن مرجى: رأيت سليمان الشَّاذكوني، وإسحاق بن راهويه، وسمَّى جماعة، فما رأيت أحفظ من عبد الله الدَّارمي.
ومن حديثه:
أخبرنا عمر بن مُحَمَّد الفارسي، والحسن بن علي، وهديَّة بنت علي بن عسكر، وجماعة، وابن الحبوبي، قالوا: أخبرنا عبد الله بن عمر الحريمي، أخبرنا عبد الأوَّل بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن مُحَمَّد، أخبرنا عبد الله بن حمويه، أخبرنا عيسى بن عمر بن العبَّاس، حدَّثنا عبد الله الدَّارمي، حدَّثنا يحيى بن حسَّان، حدَّثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الإدام الخلُّ».
هذا حديث صحيح غريب فرد على شرط الشَّيخين، وانفرد مسلم به. ورواه أيضًا أبو عيسى في «جامعه»، كلاهما عن أبي مُحَمَّد الدَّارمي، فوقع موافقة بعلوٍّ.
وقد كان الدَّارمي يقصد في رواية هذا الحديث لتفرُّده به. قال: فكان يدقُّ عليَّ الباب وأنا ببغداد، فأقول: من ذا؟ فيقال: يحيى بن حسَّان: «نعم الإدام الخلُّ».
وبهذا الإسناد، عن عائشة، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجوع أهل بيت عندهم التَّمر». أخرجه مسلم، والتِّرمذي، جميعًا عن الدَّارمي، وبه إلى الدَّارمي من سوى ابن الحبوبي.
أخبرنا أبو نعيم، حدَّثنا سفيان، عن أيُّوب، وإسماعيل بن أميَّة، وعبيد الله، وموسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم. رواه مسلم عن الدَّارمي.
وبه: أخبرنا أبو علي الحنفي، حدَّثنا مالك، عن أبي الزُّبير، أنَّ أبا الطُّفيل أخبره، أنَّ معاذ بن جبل أخبره، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصَّلاة، يصلِّي الظُّهر والعصر جميعًا، ثمَّ دخل، ثمَّ خرج بعد ذلك، فصلَّى المغرب والعشاء جميعًا. مسلم عن الدَّارمي.
أخبرنا عمر بن مُحَمَّد، وسليمان بن قدامة، وأحمد بن مكتوم، ومُحَمَّد بن عبد الغني الذَّهبي، ومُحَمَّد بن حمزة، وسنقر الزَّيني، وعبد العالي بن عبد الملك، ومحمود بن يوسف، وعبد الحميد بن أحمد، وإسماعيل بن يوسف، وعبد الأحد التَّيمي، وإبراهيم بن صدقة، وأحمد بن مُحَمَّد الحافظ، وأحمد بن نعمة، وحسن بن علي، وهديَّة بنت علي، وعيسى بن أبي مُحَمَّد، وعبد الرحمن بن عقيل الخطيب، قالوا: أخبرنا أبو المنجى عبد الله بن عمر، أخبرنا أبو الوقت السِّجزي، أخبرنا أبو الحسن الدَّاودي، أخبرنا أبو مُحَمَّد بن حمويه، أخبرنا عيسى بن عمر، حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا حميد، عن أنس: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف، ورأى عليه أثرًا من صفرة: «مهيم؟» قال: تزوَّجت. قال: «أولم ولو بشاة». أخرجه البخاري وغيره.
أخبرنا عمر بن مُحَمَّد، وسليمان بن أبي عمر، وهديَّة بنت علي، قالوا: أخبرنا أبو المنجى، أخبرنا أبو الوقت، أخبرنا الدَّاودي، أخبرنا ابن حمويه، أخبرنا عيسى بن عمر، حدَّثنا أبو مُحَمَّد الدَّارمي، أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد، حدَّثني عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، أخبرني نافع بن جبير، عن ابن عبَّاس، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأيِّم أملك بأمرها من وليِّها، والبكر تستأمر في نفسها، وصمتها إقرارها».
هذا حديث حسن الإسناد، غريب، عالٍ جدًّا. وقد أخرجه الجماعة، سوى البخاري، من حديث جماعة عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم.
المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
