نبذة عن الكتاب:
عندما ألّف ابن أبي زمنين تفسيره هذا لم يترك القارئ في حيرة من أمره، بل قام بتوضيح منهجه في التفسير في المقدمة، فقال: “وبعد، فإني قرأت كتاب يحيى بن سلام في تفسير القرآن، فوجدت فيه تكرارًا كثيرًا، وأحاديث ذكرها يقوم علم التفسير دونها، فطال بذلك الكتاب، وإنه للذي خُبرته من قلة نشاط أكثر الطالبين للعلوم في زماننا هذا، إلّا إلى ما يخف في هذا الكتاب على الدارس، ويقرب للمقيد، نظرتُ فيه فاختصرتُ مكرّره وبعض أحاديثه وزدتُ فيه من غير كتاب يحيى تفسير ما لم يفسره يحيى، وأتبعتُ ذلك إعرابًا كثيرًا ولغة على ما نقل عن النحويين وأصحاب اللغة السالكين لمناهج الفقهاء في التأويل، زائدًا على الذي ذكره يحيى من ذلك”. والواضح أن كلام ابن أبي زمنين هذا يشتمل على ثلاثة أمور، وهي: سبب اختصاره لتفسير يحيى ابن سلام، ومنهجه واختصار المكرّر وبعض الأحاديث، وإضافة زيادات على تفسير يحيى، ونحن إذا نظرنا إلى تفسير ابن أبي زمنين سنجد أن من معالم منهجه أنه “يسير في التفسير من مبتدئه إلى منتهاه على نسق واحد لا يعدوه، فيمزج المصنف بين الآيات وتفسيرها عن طريق تقطيع الآية إلى أجزاء يعقف كل جزء تفسيره”. ثم إن من معالم منهج ابن أبي زمنين أنه كان حريصًا على الاختصار، لذلك نجده يعتمد الإحالة على ما سبق تفسيره، ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا}: “وهو ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقد مضى تفسير هذا”، كما نجده يُحيل إلى كتب الفقه والأحكام، ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}: “ذكر يحيى سُنة صلاة الخوف، ونقل فيها اختلافًا، فاختصرتُ ذلك، إذ له موضعه في كتب الفقه”. ومن الأمور التي تكشف جوانب من منهج ابن أبي زمنين الشواهد والقضايا النحوية، فإذا نظرنا إلى الشواهد عنده سنجد أنها متعددة، حيث تشمل: القرآن الكريم بقراءاته، والحديث النبوي الشريف والآثار، وأقوال العرب الفصحاء، والمرويات الشعرية، أما إذا نظرنا إلى القضايا النحوية واللغوية فسنجد أيضًا أنها كثيرة، فهناك -مثلًا- حديث عن التوجيه الإعرابي، وقضايا الأصل الاشتقاقي والأصل اللغوي، ومباحث الإدغام والحذف والتقدير، والمذكر والمؤنث.. إلخ. ومن الملاحظ أن أغلب القضايا النحوية التي كان ابن أبي زمنين يتعرض لها لم يكن يعزوها كلها إلى أصحابها، وإنما كان يعزو بعضها فقط، فقد عزا -مثلًا- إلى الزجاج والخليل بن أحمد وأبي عبيد والكسائي، وهذا الأمر يذكّرنا بضرورة الإشارة إلى مذهب ابن أبي زمنين النحوي، الذي يبدو أنه كان ينحو منحى النحاة البصريين وينقل آراءهم مثل الزجاج والخليل بن أحمد، لكنه في الوقت نفسه كان ينقل آراءهم الكوفيين مثل أبي عبيد والكسائي، ونجد في تفسيره نماذج تؤكد هذا الأمر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لتظهر روابط القراءة والتحميل الخاصة بها: