سعيد بن علي بن وهف بن محمد آل سليمان القحطاني: داعية وباحث سعودي، من آل سليمان من عبيدة قحطان، ولد في ٢٥ شوال سنة ١٣٧٢هـ ببادية وادي العرين، شرقي مدينة أبها بمنطقة عسير. نشأ في البادية، ورعى الغنم، ثم بدأ الدراسة متأخرًا، فدخل الصف الأول الابتدائي سنة ١٣٨٧هـ في مدرسة العرين الابتدائية، وكان عمره خمس عشرة سنة.
كانت ولادته في حال شدة؛ إذ جاء المخاض أمه وهي ترعى الغنم في حر الصيف، فوضعت وليدها تحت شجرة وليس معها أحد، وقطعت حبله السري بسكين كانت معها، ثم حملته وساقت الغنم حتى وصلت إلى الخيمة قبيل الغروب، فأدركته جدته وربطت الحبل السري بعد أن كان ينزف، فنجا برحمة الله.
درس المرحلة الابتدائية مع التحاقه بالخدمة العسكرية، فأكملها في المدرسة العسكرية الليلية بشرورة سنة ١٣٩٤هـ، ثم حصل على الشهادة المتوسطة من المدرسة العسكرية الليلية بتبوك سنة ١٣٩٧هـ، ونال الثانوية من ثانوية الملك عبد العزيز الليلية بالرياض سنة ١٤٠٠هـ. ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة ١٤٠١هـ، وتخرج فيها سنة ١٤٠٤هـ، ودرس السنة التمهيدية للماجستير في قسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة سنة ١٤٠٥هـ، ثم حصل على الماجستير سنة ١٤١٢هـ بتقدير ممتاز، وكانت رسالته بعنوان الحكمة في الدعوة إلى الله. ثم حصل على الدكتوراه سنة ١٤١٩هـ بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وكانت رسالته بعنوان فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري.
التحق بالخدمة العسكرية بعد الصف الثالث الابتدائي، فدخل دورة المدرعات، وتخرج سائق مدرعات، ثم التحق بدورة الناقلات، وتخرج قائد ناقلات أفراد مدرعة، ثم بدورة الدبابات الفرنسية، وتخرج عريفًا قائد دبابات. وفي سنة ١٤٠٤هـ حصل على ميدالية التقدير العسكري من الدرجة الثانية بأمر الملك فهد بن عبد العزيز. واستمر في السلك العسكري حتى بلغ رتبة رئيس رقباء كاتب في إدارة الشؤون الدينية بالقوات المسلحة سنة ١٤٠٥هـ، وكانت مدة خدمته العسكرية نحو أربعة عشر عامًا.
انتقل بعد ذلك إلى الخدمة المدنية رغبة في التفرغ للعلم والدعوة، فعُين داعية في الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمرتبة السابعة، ثم تدرج حتى عُين خبيرًا للشؤون الإسلامية بآسيا بالمرتبة الحادية عشرة، ثم مستشار دعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمرتبة الثانية عشرة. وأُحيل إلى التقاعد سنة ١٤٣٢هـ، بعد نحو ستة وعشرين عامًا في الخدمة المدنية، ثم بقي متعاقدًا مع الوزارة إلى وفاته. وشارك في لجان اختبار الخطباء والدعاة، وكُلف بالدعوة خارج المملكة، وبالدعوة في موسم الحج في الحرم المكي والمشاعر المقدسة.
لازم عبد العزيز بن عبد الله بن باز منذ سنة ١٤٠٠هـ إلى وفاته سنة ١٤٢٠هـ، فحضر دروسه ومحاضراته وندواته، وانتفع به في الحديث والتفسير والمصطلح والعقيدة وغيرها. وكان يحرص على تسجيل دروسه بمسجل صغير حتى لا يفوته شيء من تعليقاته، وظهر أثر علم ابن باز وتراثه في كثير من مؤلفاته.
كان حريصًا على بيته وأولاده، ورُزق من زوجاته بستة وأربعين ولدًا من الذكور والإناث، توفي منهم أربعة. وكان يعتني بتربيتهم على الصلاة، وحضور الجماعة، وتعلم الوضوء وأحكام الصلاة، واختيار الصحبة الصالحة، وكان يجتمع بأهل بيته اجتماعًا دوريًا بعد صلاة الجمعة، ويحرص على العدل بين زوجاته وأولاده.
ومن أبنائه من زوجته الأولى أم عبد الرحمن: عبد الرحمن، وفاطمة، ومريم، ومحمد، وعبد الرحيم، وعائشة، وخديجة، وصفية، وأروى، وسامية، وعمر، ورزان، وجميلة، والرباب. ومن زوجته الثانية أم عبد العزيز: عبد العزيز، وآسية، وعبد الله، وعبد السلام، وعبد الرزاق، وعبد الجبار، وعبد الغني، وعبد الوهاب، وسارة، وعبد الحق، وعبد الخبير، أو أمة الخبير، إذ توفي جنينًا في الشهر الخامس. ومن زوجته الثالثة أم عبد الكريم: ميمونة، وعبد الكريم، وعبد الحكيم، وعبد العليم، وعبد العظيم، وأسماء، وسمية، وعبد الحليم، وحليمة، وحفصة، وعبد الأكرم، وزينب، وآمنة، وعبد الأعلى، وعبد الصمد. ومن زوجته الرابعة أم عبد الملك: عبد الملك، ورقية، وعبد المحسن، ووفاء، وأمينة، وعبد اللطيف.
وله من الإخوة: حسين، وسعد، وهادي، وعبد الله، ووهف، وسلمان، ومحمد، وعوض، وعايض، وله أخت واحدة هي شرعا بنت علي. وكان يهتم بإخوانه، ويسأل عنهم، ويزورهم، ويوجههم وينصحهم.
ألّف أكثر من مئة وثلاثين مؤلفًا، أشهرها كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة، وقد انتشر انتشارًا واسعًا، وتُرجم إلى سبع وأربعين لغة. وغالب مؤلفاته رسائل وشروح في العقيدة والفقه والأذكار والأخلاق والدعوة، مبنية على الاستدلال بالكتاب والسنة وآثار السلف. ومن كتبه كذلك: تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفلذات الأكباد في ضوء الكتاب والسنة، ألّفه بعد وفاة ابنيه عبد الرحمن وعبد الرحيم في حادث مروري بعد خروجهما من صلاة التراويح، وكتاب بر الوالدين مفهوم وفضائل وآداب وأحكام في ضوء الكتاب والسنة، وكتاب مواقف لا تُنسى من سيرة والدتي.
عُرف بالمحافظة على الصلاة جماعة، والحرص على تكبيرة الإحرام، وملازمة الأذكار، والعمل بالسنة، وكثرة الصيام، واغتنام الوقت، والصدقة، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، والتواضع. وكان شديد البر بوالديه، يكثر من الدعاء لهما والصدقة عنهما، ويحج ويعتمر عنهما، ويكرم أصدقاءهما، وأوقف عنهما أوقافًا، وبنى لكل واحد منهما مسجدًا بعد وفاته. وكانت والدته تقيم معه بعد وفاة والده، وكان يجلها ويقبل رأسها ويديها، ويستشيرها في أموره.
ابتُلي في آخر حياته بمرض شديد بدأ في البنكرياس وامتد إلى الكبد، ثم أصيب بجلطة في الرئة قبل وفاته بأيام، فصبر واحتسب، وكان يكثر من الذكر، ويقول عند سماع خبر مرضه: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها. ومن المواقف المذكورة في مرضه أن ممرضة فلبينية نصرانية كانت تشرف على علاجه، فدعاها إلى الإسلام، وشرح لها منزلة عيسى عليه السلام في الإسلام، وحقيقة الدخول فيه، ثم نطقت بالشهادتين بين يديه.
ترك وصية مكتوبة بتاريخ ١٧ شوال سنة ١٤٣٦هـ، أوصى فيها أولاده وزوجاته وإخوته وأسرته بتقوى الله، وإقامة الدين، والاجتماع على الحق، والمحافظة على أركان الإسلام، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وإحسان العبادة، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والبهائم، وإكرام الضيف، وقراءة القرآن، والعدل، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وقيام الليل، والنصيحة لله ورسوله وكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. وحذرهم من الشرك بالله، والحسد، والكذب، والفجور، والخيانة، والظلم، والفواحش، والغدر، وقطيعة الرحم، والبخل، والشح، واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله.
توفي فجر يوم الاثنين ٢١ محرم سنة ١٤٤٠هـ، عن ثمانية وستين عامًا. وصُلّي عليه في جامع الراجحي بمدينة الرياض، وأمّ المصلين صالح بن محمد اللحيدان، ثم دُفن في مقبرة النسيم بجانب والدته وقريبًا من ابنيه عبد الرحمن وعبد الرحيم، رحمه الله.