نبذة عن الكتاب:
كان الإمام تقي الدين ابن تيمية ممن عاصروا فترة ظهور التتار على المسلمين، وما استتبع ذلك من انتشار أفكار غريبة على ديننا الإسلامي وعقيدته السمحة، فجنَّد الإمام ابن تيمية رحمه الله علمه وقلمه وكل ما أُوتي ليُدافع عن عقيدة المسلمين وشريعتهم، وفي سبيل ذلك لاقى الإمام كثيرًا من العنت والمشقة، ما بين سجن أو نفي، أو اتهام بالضلال، إلا أن هذا لم يثنه عن طريقه، ولم يفت في عضده في الذب عن عقيدة الإسلام، حتى تظل بيضاء نقية كما أرد لها صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم. كما كان رحمه الله نموذجًا للداعية الحصيف الذي يفقه مقتضيات عصره وعلومه، فقد جمع بين غزارة العلم، وعمق الفهم، والإحاطة بعلوم الشريعة والعلوم الفلسفية والكلامية، والعلوم الرياضية وغيرها، التي عُرفت في عصره وقبل عصره، مما جعل أهل العلم يطبقون على الثناء عليه، والإذعان لإمامته في العلوم والفنون، وبأنه فريد عصره، ووحيد دهره علمًا ومعرفة، وشجاعة وذكاء وكرمًا، ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر. وكان من محصلة هذا الجهاد الطويل: أن كتب الإمام وأملى آلاف الأوراق، حتى بلغت تصانيفه ثلاثمائة مجلدة -كما ذكر صاحب فوات الوفيات-، وقيل: وتزيد على أربعة آلاف كراسة -كما في الدرر الكامنة- ما بين جواب على سؤال، أو مؤلَّف لموضوع وجد الناس في حاجة إليه، كبيان لما يجب على الأمة فهمه وتعلمه من أمر دينها في العقيدة والعبادات، أو ذكر أحوال الفرق الضالة والمبتدعة وتحذير الأمة منها. ولأن الله عز وجل يريد الخير لهذه الأمة، فقد قيَّض لها من العلماء الأفاضل مَن أزاح التراب عن هذا التراث، وأظهر درره للنور، فاهتم علماء المسلمين بمؤلفات الإمام، وبدأت تظهر للنور كمؤلفات مستقلة في موضوعات مختلفة في العقيدة والتفسير والفقه وغيرها. وقد ظهرت أول مجموعة من فتاوى الإمام على يد الشيخ فرج الله الكردي الأزهري بمصر عام 1326هـ في ستة مجلدات، وتبع ذلك بعد سنوات صدور مجموعة أخرى باسم “الفتاوى المصرية”، وزامن ذلك وتلاه ظهور أعمال متفرقة في مواضيع متنوعة، ظهرت في شكل مجلد أو أكثر هنا وهناك. ثم جاء بعد ذلك الشيخ محمد رشاد سالم، فشرع في القيام على مشروع لإخراج رسائل ابن تيمية كاملة، فبدأ في جمع المخطوطات ونسخها وتبويبها، إلا أنه -وفي أثناء عمله في الجزء الأول من كتاب منهاج السنة- علم أن حكومة المملكة العربية السعودية قد جنَّدت الإمكانيات لإخراج مجموع رسائل الإمام بناءً على رغبة الملك سعود رحمه الله، وذلك بتكليف الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وولده محمد بالقيام على هذا المشروع الكبير. وهنا آثر الشيخ محمد رشاد سالم الانتظار بمشروعه الذي قد بدأه، إذ لعل ما أقدمت عليه حكومة المملكة العربية السعودية يكون فيه الغناء، ويوفي بالمقصود. وحينئذ قام الشيخ عبد الرحمن يعاونه ولده محمد جزاهما الله خيرًا بجمع شتات جزء غير قليل من المطبوعات، وأضافا إليه جزءًا مخطوطًا لم يكن قد ظهر للنور بعد، ثم أخرجا ما تم جمعه من رسائل -المطبوع منها والمخطوط- تحت اسم “مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية” في خمسة وثلاثين مجلدًا، وهي وإنْ لم تشمل كل ما للإمام من رسائل -كما أشارا إلى ذلك في مقدمة عملهما- إلا أنه عمل غير مسبوق بما احتواه المجموع من رسائل، فجزاهما الله خيرًا. ونظرًا لأنه لم يتم إخراج أعمال ابن تيمية كاملة فقد عزمت “دار الوفاء” على القيام بهذا المشروع الكبير مسندةً إياه للمحققيْن عامر الجزار وأنور الباز، فبلغ ما حصراه من أعمال ابن تيمية في مختلف الفنون ثلاثمائة وأربعة عشر مخطوطًا، وهي تحتوي على كل ما ألفه الإمام أو أملاه أو خاطب به أناسًا في بلدان شتى، ثم استقر الرأي بأن يبدآ بجمع رسائل الإمام في الفتاوى، باعتبار أن ذلك أشهر عمل يُذكر عندما يُتناوَل الكلام على تراث الإمام، فضبطا النصوص ووثَّقاها على ما كان من مطبوعات سبقت طبع الفتاوى أو تلت ذلك، وكذلك ما حصلا عليه من مخطوطات دار الكتب المصرية والبالغة حوالي ثلاثين مخطوطًا في مسائل عدة، وخرَّجَا النصوص القرآنية، وضبطا ما وقع من سهو من الناسخ أو المصححين، وخرَّجَا الأحاديث، وشرحا غريب الكلمات، ووضَّحَا ما قد يُستشكل على القارئ من كلمات، مع تصحيح الألفاظ من الناحية الإملائية واللغوية، وترجما للأعلام، وعملا فهارس موضوعية لكل جزء وفنية عامة لمحقة بآخر المصنَّف.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لتظهر روابط القراءة والتحميل الخاصة بها: