نبذة عن الكتاب
تتجلى أهمية هذا الكتاب من بين الكتب التي أُلفت في العصر الحديث أنه جمع بين دفتيه بيان منهج أهل الحديث في تقرير العقيدة، وبحث المسائل الفقهية، وتحرير قواعد الجرح والتعديل، ورد المطاعن عن أئمة السنة وثقات رواتها. وهو فريد في هذا الباب، لا نجد له نظيرًا في منهجه وأسلوبه، سواء في علوم الحديث والجرح والتعديل وتراجم الرجال، أو تحقيق الكلام في المسائل الفقهية، أو تقرير صحة عقيدة أهل الحديث بالحجج الواضحة إجمالًا ثم دراسة عدة مسائل منها. فالكتاب مرجع مهم للباحثين في علوم مختلفة، يجدون نظرات دقيقة، وتنبيهات على نكت وفوائد، واستنباطات لم يُسبق إليها المؤلف “عبد الرحمن المعلمي”. وتحتوي الفصول الخمسة التي تعبتر تمهيدًا للكتاب على بيان أن السنة مدارها على النقل، ومدار النقل على أولئك الثقات الذين طعن فيهم الكوثري، وأن الغلوّ في الأفاضل من أوسع أودية الباطل، وأنه يؤدي إلى الطعن في الأئمة الآخرين وبيان حقيقة ما روي من المثالب في الإمام أبي حنيفة، وطريقة نقد الروايات في المدح والقدح، والموقف الحكيم تجاه ما أورده الخطيب من الحكايات في تاريخ بغداد، وبيان أن السنة لا يمكن الإحاطة بها، واجتهاد أصحاب الحديث في جمعها، وتشددهم في قبولها، ومنهج أهل الرأي والمتكلمين في رد الأحاديث الصحيحة التي تخالفهم وتكلفهم في تأويلها، واستنباطهم لأصول بمقابل أهل الحديث. وقد قصد المؤلف بهذه الفصول بيان المنهج الذي يجب أن يسير عليه كل من يخوض في هذه الموضوعات، فالدفاع عن إمام أو عالم لا يتم بالغلو فيه والقدح في الأئمة الآخرين، وعلى الباحث أن يدرس الروايات وينقدها في ضوء أصول أهل الحديث، ولا يتبع قواعد أهل الرأي وأصول المتكلمين لرد الأحاديث الصحيحة أو تأويلها. ومن الخصائص التي يتميز بها الكتاب: تحرير قواعد في علوم الحديث والجرح والتعديل بما لا يوجد مثله في عامة المؤلفات، منها: رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي، والتهمة بالكذب وأنها على وجهين، ورواية المبتدع وتفصيل القول فيها مع التحقيق، وبيان أن قدح الساخط ومدح المحب وغير ذلك في كلام العالم على وجهين، وهل يشترط تفسير الجرح؟ وذكر عشرة أمور يجب على من نظر في كتب الجرح والتعديل أن يراعيها، وإذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟ ومعنى قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، ومباحث في الاتصال والانقطاع وهذه الأبحاث يتكون منها القسم الأول من الكتاب، وفي أثناء الكتاب ضمن الأقسام الأخرى أبحاث أخرى حقق المؤلف الكلام فيها مما يدل أنه من المجددين في علوم الحديث والجرح والتعديل، ولا نجد بعد الحافظين الذهبي وابن حجر من تكلم في هذه الموضوعات مثل المعلمي الذي راعى الجانب النظري والتطبيقي، وتتبع كلام أئمة الحديث والجرح والتعديل وصنيعهم في الحكم على الأحاديث والرجال، وذكر من الأدلة والشواهد على ما قاله ورجحه ما يقنع الباحث المنصف. ومما يدل على أهمية الكتاب أن فيه ردًّا على شبهات أهل الكلام وأهل الرأي التي يرددونها دائمًا في كتب الكلام والأصول، وقد أطال المؤلف فيه مناقشتهم، ونقل كلام أئمتهم وعقب عليه بما يبطله ويبين وهاءه. وفي القسم الرابع من الكتاب (القائد) وغيره أمثلة من هذه الردود والمناقشات للدفاع عن منهج أهل الحديث لا توجد بعد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم بمثل هذه القوة إلا عند المؤلف. وفي الكتاب حل مشكلات في علوم الحديث والفقه والأصول والعقيدة والجرح والتعديل، وتفسير بعض الآيات القرآنية، وتحقيق الكلام على بعض الأحاديث، مما لا يوجد مثله في المصادر المعروفة، وأغلبه من بنات فكر المؤلف واجتهاده. وبعضه استدراك وتعقيب على كلام الآخرين. ونجد في “القائد” تأصيل منهج أهل الحديث في مسائل الاعتقاد، ونقد مناهج المتكلمين والفلاسفة بسلاحهم، وبيان تناقضهم وتهافتهم، والكلام على مآخذ العقائد ومراتبها، وهي الفطرة والشرع عند السلف وأهل لحديث، والنظر العقلي المتعمَّق فيه والكشف التصوفي عند الخلف من المتكلمين والفلاسفة والصوفية، وموقفهم من الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقائد، ونقد أقطاب الفلسفة والكلام (مثل ابن سينا والغزالي والرازي والعضد وغيرهم) في هذا الباب، والاحتجاج لصحة عقيدة السلف ودراسة بعض المسائل منها. أما معالجته للقضايا الفقهية فقد توسع في الكلام على بعضها، ودراسة الأحاديث الواردة فيها وتخريجها، ودفع إيرادات الكوثري وغيره عليها، والنظر في أدلة الحنفية والكلام عليها. وللمؤلف نفس حديثي وفقهي، فكما أنه يتكلم على الأحاديث والآثار الواردة في الباب، ينظر في تعليل وتوجيه المسائل عند الفقهاء ويبين سبب الخلاف بينهم، مع الاحترام للجميع. والكتاب أكبر شاهد على تعدد معارف المؤلف وسعة اطلاعه على المكتبة الإسلامية في كافة الفنون، وعدم اقتصاره على النقل منها، بل الاستدراك عليها والإضافة إليها من فكره واجتهاده، ويظهر ذلك بمقارنة ما عند المؤلف هنا بغيره من الكتب، فهو يبحث الجوانب التي لم يفصل فيها السابقون، ويناقش المؤلفين فيما ذهبوا إليه ويعقِّب عليهم. ومن أهمِّ ما يميِّز الكتاب والمؤلف أيضًا: الأسلوب العلمي القائم على الأدلة والبراهين، دون تجريح شخص أو القدح في آخر. وقد كان المؤلف يرد على الكوثري الذي عُرِف بعدائه لأهل الحديث والطعن فيهم بشتى الطرق، ولكن المؤلف التزم المنهج العلمي في مناقشته وبيان تناقضه، ولم يقدح في شخصيته، فاحتار الكوثري في “الترحيب” كيف يرد على المعلمي، الذي هدم كل ما بناه في “التأنيب” بإظهار تناقضه وبيان تدليسه وإيهام القراء خلاف الحق والصواب، دون أن يمسَّ ذاته وشخصه. ومما يتصل بالأمر السابق الإنصاف في البحث، والأمانة العلمية، ونسبة كل قول إلى قائله، وعدم تقويله ما لم يقله، ودون تحوير الكلام وتحريف معناه (كما هو صنيع الكوثري). كان غرض المؤلف دائمًا أن يصل إلى الحق، ويبين ما في كلام الخصم من الخطأ والصواب مع ذكر الأدلة والقرائن على ذلك، وقد يعذره إذا خفي عليه الأمر. والقسم الثاني الخاص بالتراجم شاهد لما ذكرناه، ومن الخير للباحثين في الجرح والتعديل أن يضمُّوا كلام المؤلف على هؤلاء الرجال (الذين عددهم ٢٧٣ شخصًا) إلى مصادر ترجمتهم، لتتم الفائدة المرجوة، ولا يغتروا ببعض الأقوال فيهم، ويفهموها على حقيقتها. هذه بعض الجوانب المضيئة للكتاب، تبين أهميته ومكانته بين الكتب التي ألفت في بابه، ويكفي أن المؤلف قَصَد من كتابه هذا بما فيه من تحقيق وتحرير: أن يعين على التبحّر في العلم، كما نص عليه في “الطليعة” وحسبك بهذه الكلمة من مثل المعلمي رحمه الله.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لتظهر روابط القراءة والتحميل الخاصة بها: