عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخُضيري السيوطي، أبو الفضل، الإمام الحافظ المؤرخ الأديب الأصولي الشافعي، من أكثر علماء الإسلام تصنيفًا وتفننًا. وُلد بالقاهرة بعد المغرب من ليلة الأحد مستهل رجب سنة ٨٤٩هـ، الموافق سنة ١٤٤٥م، ونُسب إلى أسيوط، وهي بلدة بالصعيد الأعلى من ديار مصر، كما عُرف بالخضيري، وقيل إن هذه النسبة إلى محلة الخضيرية ببغداد، وذكر عن أبيه أن جده الأعلى كان أعجميًا أو من أهل المشرق. وكان أبوه من أهل العلم، وتوفي والسيوطي صغير، فنشأ يتيمًا.
عُرف في بعض المصادر بلقب «ابن الكتب»، وذُكر في سبب ذلك أن أباه طلب من أمه أن تأتيه بكتاب من بين كتبه، فأدركها المخاض وهي بين الكتب، فولدته هناك. سمّاه والده عبد الرحمن، ولقّبه جلال الدين، وكناه شيخه عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني بأبي الفضل. وحفظ القرآن الكريم وهو دون الثامنة، ثم حفظ عمدة الأحكام، ومنهاج الفقه للنووي، وألفية ابن مالك، ومنهاج البيضاوي، وبدأ الاشتغال بالعلم من مستهل سنة ٨٦٤هـ.
أخذ الفقه والنحو والفرائض والحديث والعربية والأصول والمعاني والبيان عن جماعة من علماء عصره، ومن شيوخه: علم الدين البلقيني، وولده، وشرف الدين المناوي، وتقي الدين الشبلي الحنفي، ومحيي الدين الكافيجي، وسيف الدين الحنفي، وشهاب الدين الشارمساحي، وغيرهم. ولازم الكافيجي أربع عشرة سنة، وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني، ولازم تقي الدين الشبلي أربع سنين في الحديث والعربية، وكتب له تقاريظ وشهد له بالتقدم.
أُجيز بتدريس العربية من مستهل سنة ٨٦٦هـ، وشرع في التصنيف في السنة نفسها، وكان أول ما ألّفه شرح الاستعاذة والبسملة، وكتب عليه علم الدين البلقيني تقريظًا. وأُجيز بالتدريس والإفتاء سنة ٨٧٦هـ، وبدأ الإفتاء من مستهل سنة ٨٧١هـ، وعقد إملاء الحديث من مستهل سنة ٨٧٢هـ. وذكر عن نفسه أنه رزق التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، وأنه دون ذلك في أصول الفقه والجدل والتصريف، ثم الإنشاء والترسل والفرائض، ثم القراءات والطب، وصرح بأن الحساب كان أعسر العلوم عليه.
رحل إلى الحجاز، وبلاد الشام، واليمن، والهند، والمغرب، والتكرور، كما سافر إلى الفيوم ودمياط والمحلة الكبرى وغيرها. وحج سنة ٨٦٩هـ، واشتغل بالأخذ عن الشيوخ وبالرواية والإجازة، وبلغ عدد شيوخه في الرواية سماعًا وإجازة نحو مئة وخمسين شيخًا.
برز السيوطي في فنون كثيرة، وفاق الأقران، واشتهر ذكره، وبعد صيته، وأجاز له أكابر علماء عصره من سائر الأمصار. وترجم لنفسه في كتابه حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، وصرح بأنه فعل ذلك اقتداء بمن سبقه من المحدثين والمؤرخين الذين ذكروا تراجمهم في كتبهم. وذكر أن من أسرته من ولي الحكم والحسبة، ومنهم من اشتغل بالتجارة والمال، وأن أباه كان أظهرهم خدمة للعلم.
كان من المصنفين المكثرين؛ فقد عدّ هو من مؤلفاته نحو ثلاثمئة كتاب، سوى ما رجع عنه وغسله، وذكر تلميذه الداودي المالكي أنها زادت على خمسمئة، وذكر ابن إياس أنها بلغت ستمئة، وقيل إنها تناهز الألف. وتنوعت مصنفاته بين التفسير وعلوم القرآن، والحديث وعلومه، والفقه، والعربية، والأصول، والبيان، والتاريخ، والأدب، والأجزاء المفردة، منها الكبير في مجلدات، ومنها الرسالة الصغيرة.
من أشهر كتبه: الإتقان في علوم القرآن، وإتمام الدراية لقراء النقاية، والتحبير لعلم التفسير، والإكليل في استنباط التنزيل، والدر المنثور في التفسير بالمأثور، وترجمان القرآن، وتفسير الجلالين، ولباب النقول في أسباب النزول، وتدريب الراوي، والجامع الصغير، وجمع الجوامع المعروف بالجامع الكبير، والديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، وتنوير الحوالك في شرح موطأ مالك، ومناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا، واللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، وطبقات الحفاظ، وطبقات المفسرين.
ومن كتبه أيضًا: تاريخ الخلفاء، وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، والمزهر في علوم اللغة، والاقتراح في أصول النحو، وهمع الهوامع، والأشباه والنظائر في العربية، والأشباه والنظائر في فروع الشافعية، وعقود الجمان في المعاني والبيان، وصون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، والشماريخ في علم التاريخ، والخصائص والمعجزات النبوية، ومفحمات الأقران في مبهمات القرآن، ولب اللباب في تحرير الأنساب، والوسائل إلى معرفة الأوائل، وما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين، ونزهة الجلساء في أشعار النساء، والمنجم في المعجم الذي ترجم فيه لشيوخه.
وله مصنفات ورسائل في الردود والمناظرات، منها الكاوي في الرد على السخاوي، والمفصل في الرد على المغفل، والقول المجمل في الرد على المهمل، وغضب الجبار على ابن الأبار، والكر في خباط عبد البر. وقد كانت بينه وبين السخاوي منافرة معروفة بين الأقران، واشتد السخاوي عليه في ترجمته في الضوء اللامع، بينما تعقبه غير واحد، ومنهم صاحب التاج المكلل، فرأى أن كلام السخاوي صادر عن منافسة لا يقبل كله، ونبّه إلى أن مؤلفات السيوطي انتشرت في الأقطار، وسارت بها الركبان، وارتفع له من الذكر والثناء ما لم يكن لكثير من معاصريه.
اعتزل السيوطي الناس بعد بلوغه الأربعين، وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل، وانقطع عن مخالطة كثير من الناس، فألّف أكثر كتبه. وكان عفيفًا كريمًا غني النفس، متباعدًا عن ذوي الجاه والسلطان، يقنع برزقه، ويرد عطايا الأمراء والوزراء إذا زاروه أو أرسلوا إليه، وطلبه السلطان مرارًا فلم يحضر إليه، وبقي على ذلك إلى وفاته.
روى عنه عدد من أهل العلم، منهم شمس الدين الداودي، ومحمد بن محمد العجيمي، وذكر في بعض الملخصات من تلام في بعض الملخصات من تلاميذه أحمد بن الشمس السراج، ومحمد بن سالم الطبلاوي، وقاسم بن عمر الزوابي، وعبد القادر بن حسين بن علي المحيوي، وعبد القادر بن محمد بن أحمد الشاذلي. وظل أثره ممتدًا فيمن عاصره ومن جاء بعده، وانتفع الناس بمصنفاته، وعملت حوله رسائل علمية في الماجستير والدكتوراه.
توفي سنة ٩١١هـ، الموافق سنة ١٥٠٥م، وله اثنتان وستون سنة. وورد في تاريخ وفاته أنه توفي يوم الخميس تاسع جمادى الأولى، وورد أيضًا أنه توفي يوم الجمعة وقت العصر تاسع عشر جمادى الأولى بعد مرض ثلاثة أيام، وصُلّي عليه بجامع الأفاريقي تحت القلعة، ودُفن بشرقي باب القرافة بالقاهرة، رحمه الله.